الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَوْثًا إنَّمَا دَخَلَ عَلَى أَنَّهُمْ غَيْرُ عُدُولٍ فَكَيْفَ يُجَرِّحُ مَنْ دُخِلَ عَلَى عَدَمِ عَدَالَتِهِ وَتَجْرِيحِهِ، وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِلنَّاظِمِ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ فِي أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ الْمُوجِبِ لِلْقَسَامَةِ حَيْثُ قَالَ:
أَوْ بِكَثِيرٍ مِنْ لَفِيفِ الشُّهَدَا
إلَخْ (الْخَامِسُ) شَهَادَةُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ مِنْهُمْ عُدُولٌ أَوْ غَيْرُهُمْ فَلَا يُجَرَّحُونَ أَيْضًا وَلَا يُعْذَرُ فِيهِمْ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) وَذَكَرَ ابْنُ سَهْلٍ فِي مَسْأَلَةِ أَبِي الْخَيْرِ الزِّنْدِيقِ الْمُلَقَّبِ لِزَنْدَقَتِهِ بِأَبِي الشَّرِّ أَنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِ بِأَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الزَّنْدَقَةِ الْوَاضِحَةِ عَدَدٌ كَثِيرٌ ثَبَتَتْ عَدَالَةُ نَحْوِ عِشْرِينَ مِنْهُمْ، وَأَكْثَرُ مِنْ ضِعْفِهِمْ اسْتِظْهَارًا فَأَفْتَى قَاضِي الْجَمَاعَةِ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَصَاحِبُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ بِقَتْلِهِ دُونَ إعْذَارٍ، وَأَشَارَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنْ يُعْذَرَ إلَيْهِ فَأَخَذَ النَّاظِرُ فِي أَمْرِهِ بِالْقَوْلِ بِعَدَمِ الْإِعْذَارِ اهـ.
مِنْ الشَّارِحِ. (وَفِي التَّوْضِيحِ) لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يُعْذَرُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي شَهَادَتِهِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ مَا نَصُّهُ: أَمَّا لَوْ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِهِ بِمَحْضَرِ الْقَاضِي فَهَلْ يُعْذَرُ إلَيْهِ فِيهِمْ أَوْ لَا يُعْذَرُ لِكَوْنِهِ سَمِعَ إقْرَارَهُ مَعَهُمْ؟ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: لِابْنِ الْفَخَّارِ وَالثَّانِي: مَذْهَبُ الْأَكْثَرِ وَبِهِ مَضَى الْعَمَلُ. (قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ) يُعْذَرُ فِي كُلِّ الشُّهُودِ إلَّا خَمْسَةً: أَوَّلُهَا: هَذَا. ثَانِيهَا: مَنْ وَجَّهَهُ الْحَاكِمُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، ثَالِثُهَا: الْمُزَكِّي فِي السِّرِّ رَابِعُهَا: الْمُبْرَزُ فِي الْعَدَالَةِ وَالْعَمَلُ عَلَى أَنَّهُ يُعْذَرُ فِيهِ بِالْعَدَاوَةِ لَا غَيْرُ، خَامِسُهَا: مَنْ قُبِلَ شَهَادَتُهُ بِالتَّوَسُّمِ (خَلِيلٌ) وَتَزْدَادُ سَادِسَةٌ نُقِلَتْ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ الْقَاضِي، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَكَمَ عَلَى وَزِيرٍ فِي قَضِيَّةٍ وَهُوَ غَائِبٌ فَقَالَ لَهُ الْوَزِيرُ أَخْبِرْنِي بِمَنْ شَهِدَ عَلَيَّ فَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ مِثْلُك لَا يُخْبَرُ بِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ يَعْنِي، وَإِنْ كَانَ نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُخْبَرُ بِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَبِالشَّهَادَةِ فَلَعَلَّ لَهُ حُجَّةً وَإِلَّا حُكِمَ عَلَيْهِ اهـ. وَلَيْسَ فِي كَلَامِ النَّاظِمِ مِنْ هَذِهِ السِّتِّ إلَّا الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ، فَمَجْمُوعُهَا إذًا تِسْعُ مَسَائِلَ خَمْسَةٌ فِي النَّظْمِ وَأَرْبَعَةٌ فِي التَّوْضِيحِ، وَهِيَ الثَّالِثَةُ وَمَا بَعْدَهَا وَانْظُرْ تَزْكِيَةَ السِّرِّ فِي قَوْلِهِ:
وَشَاهِدٌ تَعْدِيلُهُ بِاثْنَيْنِ
الْبَيْتَيْنِ وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ - وَهِيَ الشَّهَادَةُ بِالتَّوَسُّمِ - هِيَ شَهَادَةُ أَهْلِ الْقَافِلَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عِنْدَ حَاكِمِ الْقَرْيَةِ أَوْ الْبَلْدَةِ الَّتِي حَلُّوا أَوْ مَرُّوا بِهَا، فَإِنَّ مَالِكًا وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ أَجَازُوا شَهَادَةَ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفُوا بِعَدَالَةٍ وَلَا سُخْطَةٍ إلَّا عَلَى التَّوَسُّمِ لَهُمْ بِالْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ، وَذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ خَاصَّةً، وَالتَّوَسُّمُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوَسْمِ وَهُوَ الْعَلَامَةُ.
(وَعَنْهُ صلى الله عليه وسلم)«إنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِالتَّوَسُّمِ» اُنْظُرْ الْبَابَ السَّادِسَ وَالثَّلَاثِينَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ التَّوَسُّمِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَسَتَأْتِي هَذِهِ فِي قَوْلِ النَّاظِمِ
وَمَنْ عَلَيْهِ وَسْمُ خَيْرٍ قَدْ ظَهَرْ
…
زُكِّيَ إلَّا فِي ضَرُورَةِ السَّفَرْ
[فَصْلٌ فِي خِطَابِ الْقُضَاةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ]
ِ الْخِطَابُ هُوَ أَنْ يَكْتُبَ قَاضِي بَلَدٍ إلَى قَاضِي بَلَدٍ آخَرَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ حَقِّ الْإِنْسَانِ مِنْ بَلَدِ الْقَاضِي الْكَاتِبِ عَلَى آخَرَ فِي بَلَدِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَيُنَفِّذُ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ ذَلِكَ فِي بَلَدِهِ، فَيَقَعُ الْحُكْمُ هُنَالِكَ عَمَلًا بِقَوْلِهِ:(قُبِلَ وَالْحُكْمُ فِي الْمَشْهُورِ) الْبَيْتَ.
ثُمَّ الْخِطَابُ لِلرُّسُومِ إنْ طُلِبْ
…
حَتْمٌ عَلَى الْقَاضِي وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ
يَعْنِي أَنَّ خِطَابَ الْقَاضِي لِلرُّسُومِ إنْ طَلَبَهُ مِنْهُ صَاحِبُهَا، فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ مِنْهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَالرُّسُومُ جَمْعُ رَسْمٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا الصُّكُوكُ وَكَانَ اللَّامُ فِي. (لِلرُّسُومِ) بِمَعْنَى فِي عَلَى حَدِّ {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47] أَيْ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيْ ثُمَّ خِطَابُ الْقَاضِي لِقَاضٍ آخَرَ فِي الرُّسُومِ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٍ لِلرُّسُومِ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي الرُّسُومِ لِأَنَّ الْخِطَابَ يَكُونُ بِالرَّسْمِ وَيَكُونُ بِمُشَافَهَةِ الْقَاضِي لِلْقَاضِي كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ:(وَأَنْهَى لِغَيْرِهِ بِمُشَابَهَةٍ إنْ كَانَ كُلٌّ بِوِلَايَتِهِ وَبِشَاهِدَيْنِ مُطْلَقًا. . . إلَخْ) وَكِلَاهُمَا وَاجِبٌ عَلَى الْقَاضِي إنْ طَلَبَهُ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَالَ الشَّارِحُ) قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ إنْ حَكَمَ بِمَا حَكَمَ بِهِ وَبِكُلِّ حُجَّةٍ لَهُ مِنْ تَعْدِيلٍ وَتَجْرِيحٍ وَمُوجِبِ حُكْمِهِ؛ لِيَكُونَ لَهُ حُجَّةً عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ إنْ نَازَعَهُ وَيَكْتُبُ بِمَا حَكَمَ بِهِ لِحَاضِرٍ عَلَى غَائِبٍ أَبْهَمَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ أَوْ عَيَّنَهُ فِي سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. (مَنْ ثَبَتَ حَقُّهُ عِنْدَ قَاضٍ فَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بِذَلِكَ كِتَابًا إلَى أَيِّ الْآفَاقِ كَانَ لَا يُسَمِّي قَاضِيًا بِعَيْنِهِ وَلَا بَلَدًا بِعَيْنِهَا)(قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) هُوَ كَمَا قَالَ اتِّفَاقًا (قَالَ الشَّارِحُ) وَمَا يُلْحَقُ بِذَلِكَ النَّظَرِ فِي الْخِطَابِ وَفِي مَحَلِّهِ مِنْ الرَّسْمِ الْمُخَاطَبِ بِهِ وَفِي كَيْفِيَّتِهِ (قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ) وَشَأْنُ قُضَاةِ وَقْتِنَا كَتْبُ الْخِطَابِ أَسْفَلَ وَثِيقَةِ ذِكْرِ الْحَقِّ، وَقَدْ يَكُونُ فِي ظَهْرِ الصَّحِيفَةِ أَوْ أَحَدِ عَرْضَيْهَا إنْ عَجَزَ أَسْفَلَهَا، وَرُبَّمَا كَانَ فِي وَرَقَةٍ مُلْصَقَةٍ بِالْوَثِيقَةِ إنْ تَعَذَّرَ الْمَوْضِعُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَاسْتَخَفَّ قُضَاةُ زَمَانِنَا تَرْكَ ذَلِكَ فِي مُخَاطَبَاتِ الْوَثَائِقِ وَأُرَاهُمْ لِاكْتِفَائِهِمْ بِالِاسْتِفْتَاحِ الْوَاقِعِ فِي صَدْرِ الْعَقْدِ، وَإِعَادَةُ ذَلِكَ أَوْلَى لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ فَصْلٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَكْتُبَ أَعْلَمَ بِصِحَّةِ الرَّسْمِ الْمُقَيَّدِ فَوْقَ هَذَا عَلَى مَا يَجِبُ الشَّيْخَ الْفَقِيهَ الْأَجَلَّ أَبَا فُلَانِ بْنَ فُلَانٍ أَدَامَ اللَّهُ تَوْفِيقَهُ وَتَسْدِيدَهُ، وَلِيُّهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ. وَذِكْرُهُ تَارِيخَ الْمُخَاطَبَةِ أَحْسَنُ وَأَحْوَطُ لِاحْتِمَالِ عَزْلِ الْقَاضِي الْكَاتِبَ، وَلَمْ يَبْلُغْهُ الْعِلْمُ بِعَزْلِهِ فَيَدْخُلُهُ الْخِلَافُ فِي إعْمَالِ خِطَابِهِ وَعَدَمِ إعْمَالِهِ؛ وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي خَاطَبَ بِقَبُولِهَا وَثُبُوتِ الْحَقِّ بِهَا رُبَّمَا انْتَقَلَتْ حَالُهُمْ إلَى جُرْحَةٍ حَدَثَتْ، فَإِذَا تَأَخَّرَ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْخِطَابِ ثُمَّ أَعْذَرَ لِمَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَلَمْ يَكُنْ تَارِيخٌ أَمْكَنَهُ إبْطَالُهُ بِإِثْبَاتِ جُرْحَةِ الْبَيِّنَةِ الْآنَ، وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ مَعَ ذِكْرِ التَّارِيخِ لِسَلَامَةِ وَقْتِ الْأَدَاءِ وَالْقَبُولِ مِنْ الْجُرْحَةِ الْحَادِثَةِ وَإِنَّمَا قَدَّمُوا فِي التَّخَاطُبِ مَفْعُولَ أَعْلَمَ وَهُوَ اسْمُ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ عَلَى الْفَاعِلِ الْكَاتِبِ تَعْظِيمًا لَهُ وَاهْتِمَامًا بِهِ اهـ.
بِبَعْضٍ اخْتِصَارٍ وَبَعْضُهُ بِالْمَعْنَى. (وَقَدْ نَقَلَ) الشَّيْخُ ابْنُ غَازِيٍّ فِي تَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ كَلَامَ ابْنِ الْمُنَاصِفِ الْمَنْقُولَ آنِفًا فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ وَإِذَا كَتَبَ قَاضٍ إلَى قَاضٍ فَمَاتَ الَّذِي كَتَبَ الْكِتَابَ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْكِتَابُ إلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَوْ مَاتَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَوْ عُزِلَ وَوَصَلَ الْكِتَابُ إلَى مَنْ وُلِّيَ بَعْدَهُ فَالْكِتَابُ جَائِزٌ يُنَفِّذُهُ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا كُتِبَ لِغَيْرِهِ اهـ. ثُمَّ اسْتَطْرَدَ ذِكْرَ فُرُوعٍ رَأَيْت إثْبَاتَهَا هُنَا لِغَرَابَتِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْقَاصِرِ مِثْلِي.
(أَحَدُهَا) بِمَ يَثْبُتُ خَطُّ الْقَاضِي الْكَاتِبِ قَالَ فِيهِ مَا حَاصِلُهُ: إنَّهُ اتَّفَقَ أَهْلُ عَصْرِنَا عَلَى
قَبُولِ كِتَابِ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ وَالْحُقُوقِ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ خَطِّهِ دُونَ إشْهَادِهِ عَلَى ذَلِكَ وَلَا خَاتَمٍ مَعْرُوفٍ وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي لَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ خَطِّهِ دُونَ إشْهَادِهِ عَلَى ذَلِكَ وَلَا خَاتَمٍ، ثُمَّ وَجْهُ مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ. (الثَّانِي) قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ إنْ ثَبَتَ خَطُّ الْقَاضِي بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ عَارِفَةٍ بِالْخُطُوطِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَالْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ يَعْرِفُ خَطَّ الْقَاضِي الْكَاتِبِ إلَيْهِ - فَجَائِزٌ عِنْدِي بِمَعْرِفَةِ قَبُولِهِ خَطَّهُ وَقَبُولِ سَحْنُونٍ كُتُبَ أُمَنَائِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِهِ لِأَنَّ وُرُودَ كِتَابِ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْحَقِّ كَقِيَامِ بَيِّنَةٍ عِنْدَهُ بِذَلِكَ، فَقَبُولُهُ الْكِتَابَ بِمَا عَرَفَهُ مِنْ خَطِّهِ كَقَبُولِهِ بِبَيِّنَةٍ بِمَا عَرَفَ مِنْ عَدَالَتِهَا. (الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ وَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَهُ كِتَابُ قَاضٍ إلَيْهِ فِي حَقٍّ يَتَأَخَّرُ الْحُكْمُ فِيهِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِثُبُوتِ ذَلِكَ الْكِتَابِ عِنْدَهُ الَّذِي قَبِلَهُ بِمَعْرِفَةِ خَطِّهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَمَاتَ أَوْ عُزِلَ وَقَدْ مَاتَ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ أَوْ عُزِلَ وَخَلَفَ مَكَانَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ قَاضٍ آخَرُ أَلْجَأَ صَاحِبَ الْحَقِّ؛ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ الْكِتَابِ عِنْدَهُ بِشُهُودٍ عَلَى الْقَاضِي الَّذِي كَتَبَهُ فِي حَالِ وِلَايَتِهِ أَنَّهُ كِتَابُهُ إذْ لَا يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ الْخَطِّ إنْ كَانَ الَّذِي كَتَبَهُ مَاتَ أَوْ عُزِلَ لِمَا نُبَيِّنُهُ، وَهُوَ أَنَّ ثُبُوتَ كِتَابِهِ بِمُجَرَّدِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ كَمُشَافَهَتِهِ بِسَمَاعِ نُطْقِهِ ذَلِكَ وَسَمَاعِ ذَلِكَ مِنْهُ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي وِلَايَتِهِ وَأَمَّا بَعْدَ عَزْلِهِ فَلَا اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ إنْ شِئْت.
(الرَّابِعُ) قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ وَتَجُوزُ مُخَاطَبَةُ قُضَاةِ الْإِمَامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَلَوْ وَلَّى بَعْضُ قُضَاةِ الْإِمَامِ قُضَاةً فِي عَمَلِهِ لِبُعْدِ الْمَحَلِّ عَنْهُ صَحَّ مُخَاطَبَتُهُ إيَّاهُمْ وَمُخَاطَبَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا إنْ أَذِنَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ قَصَرَهُمْ عَلَى مُخَاطَبَتِهِ لَمْ تَجُزْ مُخَاطَبَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا؛ لِأَنَّهُمْ وُكَلَاؤُهُ فَلَا يَتَعَدَّوْا مَا حَدَّهُ لَهُمْ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَاطِبَهُمْ قَاضِي إقْلِيمٍ غَيْرِ الَّذِي وَلَّاهُمْ وَلَا يُخَاطِبُوهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإِذْنِ الَّذِي وَلَّاهُمْ، وَإِنْ كَانَ تَقْدِيمُ الْقَاضِي قُضَاتَهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ الَّذِي وَلَّاهُ جَازَتْ مُخَاطَبَتُهُمْ مُطْلَقًا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ. (الْخَامِسُ) قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ وَشَأْنُ قُضَاةِ وَقْتِنَا كَتْبُ الْخِطَابِ فِي أَسْفَلَ وَوَثِيقَةِ ذِكْرِ الْحَقِّ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ الَّذِي نَقَلْنَاهُ عَنْ الشَّارِحِ أَوَّلَ شَرْحِ هَذَا الْبَيْتِ فَرَاجِعْهُ. (السَّادِسُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ بِإِفْرِيقِيَّةَ عَدَمُ تَسْمِيَةِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، وَغَالِبُ أَمْرِهِمْ أَنَّهُ إنْ كَانَ الَّذِي كَتَبَ الْإِعْلَامَ هُوَ قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِتُونُسَ فَإِنَّهُ لَا يَكْتُبُ فِي آخِرِ خِطَابِهِ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ يَقِفُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْكَاتِبُ غَيْرَهُ كَتَبَ فِي إعْلَامِهِ لَفْظَ السَّلَامِ. . . إلَخْ، وَذَكَرَ لِي بَعْضُ مَنْ يُوثَقُ بِهِ أَنَّهُ وَرَدَ خِطَابٌ مِنْ قَاضِي بِجَايَةَ إلَى تُونُسَ وَالْقَاضِي بِهَا يَوْمئِذٍ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ عَبْدِ الرَّفِيعِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ لَفْظُ السَّلَامِ فَتَوَقَّفَ فِي قَبُولِهِ (قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ) وَإِنْ شَاءَ جَعَلَ فِعْلَ الْإِعْلَامَ حَالًا وَكَتَبَ أُعْلِمُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَرَفْعِ آخِرِ الْفِعْلِ، ثُمَّ يَقُولُونَ بَعْدَ ذِكْرِ اسْمِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَكَتَبَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَإِنْ شَاءَ كَتَبَ أَسْفَلَ الْعَقْدِ الْمُقَيَّدِ فَوْقَ هَذَا أَوْ صَحَّ بِالرَّسْمِ أَوْ ثَبَتَ الْحَقُّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.
(السَّابِعُ) إنْ اشْتَمَلَتْ الصَّحِيفَةُ عَلَى عُقُودٍ كَثِيرَةٍ صَحَّ جَمِيعُهَا عِنْدَهُ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي خِطَابٍ وَاحِدٍ فَيَقُولُ أَعْلَمْت الشَّيْخَ الْفَقِيهَ الْقَاضِيَ أَبَا فُلَانٍ بِصِحَّةِ الرُّسُومِ الثَّلَاثَةِ أَوْ الْأَرْبَعَةِ الْمُقَيَّدَةِ أَوْ الرَّسْمَيْنِ الْمُقَيَّدَيْنِ فَوْقَ كِتَابِي هَذَا أَوْ بِمَقْلُوبِهِ، وَإِنْ صَحَّ بَعْضُهَا دُونَ جَمِيعِهَا نَصَّ عَلَى مَا صَحَّ مِنْهُ إمَّا بِأَنْ يَقُولَ الْمُقَيَّدُ أَوَّلَ هَذَا الصَّفْحِ الْمُوَالِي لِكِتَابِي هَذَا أَوْ يُعَيِّنُهُ تَعْيِينًا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ فَيَذْكُرُ الْحَقَّ بِعَيْنِهِ. (الثَّامِنُ) إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْدِ الْمُخَاطَبِ عَلَيْهِ إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَكَانَ فِيهِ شُهُودٌ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ إلَّا شَاهِدًا وَاحِدًا خَاطَبَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ صَحَّ فِي الرَّسْمِ، وَلَا اسْتَقَلَّ وَلَا ثَبَتَ بَلْ يَقُولُ أُعْلِمُ الشَّيْخَ الْفَقِيهَ أَبَا فُلَانٍ بِقَبُولِ شَهَادَةِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْمُسَمَّى عَقِبَ ذِكْرِ الْحَقِّ الْمُقَيَّدِ فَوْقَ هَذَا فِيمَا شَهِدَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا يَجِبُ وَشِبْهُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ فَيَحْلِفُ صَاحِبُهَا مَعَ الشَّاهِدِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ وَأَمَّا الْوَكَالَاتُ وَالْحُدُودُ وَمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فَلَيْسَ لِلْمُخَاطَبَةِ فِيهِ عَلَى الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَجْهٌ إلَّا إنْ رُجِيَ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ
شَاهِدٌ آخَرُ فَإِنْ أَحَلَفَهُ الْقَاضِي الْكَاتِبُ وَثَبَتَتْ يَمِينُهُ عِنْدَهُ بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ كَمَا يَجِبُ قَالَ: أُعْلِمُ الشَّيْخَ الْفَقِيهَ الْقَاضِي أَبَا فُلَانٍ بِصِحَّةِ الرَّسْمِ الْمُقَيَّدِ فَوْقَ هَذَا بِشَهَادَةِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَيَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ الْمَشْهُودِ لَهُ فُلَانٍ عَلَى صِحَّةِ مَا شُهِدَ لَهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَثُبُوتِهِ عِنْدِي كَمَا يَجِبُ بَعْدَ سُؤَالِهِ الْإِذْنَ مِنِّي فِي الْيَمِينِ الْمَذْكُورَةِ، وَرَأَيْت إبَاحَةَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَكَتَبَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ.
(التَّاسِعُ) إنْ كَانَ الْخِطَابُ بِقَبُولِهِ خِطَابًا وَصَلَ إلَيْهِ كَتَبَ: أُعْلِمُ الشَّيْخَ أَبَا فُلَانٍ بِقَبُولِهِ الْخِطَابَ الثَّابِتَ عِنْدِي الْمُرْتَسِمَ فَوْقَ هَذَا أَوْ يَمْنَتَهُ أَوْ يَسْرَتَهُ أَوْ مَقْلُوبَهُ. (الْعَاشِرُ) إذَا لَمْ يَكْتُبْ الْقَاضِي تَحْتَ الْعَقْدِ خِطَابًا يُصَرِّحُ فِيهِ بِالْإِعْلَامِ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْعَقْدِ عِنْدَهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى أَنْ كَتَبَ صَحَّ الرَّسْمُ عِنْدِي أَوْ اسْتَقَلَّ وَكَتَبَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَذَلِكَ لَغْوٌ غَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُهُ بِمُجَرَّدِ الْخَطِّ اهـ. وَإِلَى كَوْنِ ثَبَتَ وَنَحْوِهِ لَيْسَ بِخِطَابٍ أَشَارَ ابْنُ عَاصِمٍ بِقَوْلِهِ:
وَلَيْسَ يُغْنِي كَتْبُ قَاضٍ كَاكْتَفَى
الْبَيْتَيْنِ
(الْحَادِيَ عَشَرَ) مِمَّا تَسَامَحَ فِيهِ أَهْلُ فَاسَ وَعَمَلُهَا وَلَا يُعْلَمُ لَهُ أَصْلُ شَهَادَةِ عُدُولِهِمْ عَلَى تَسْجِيلِ قَاضِيهِمْ فَإِذَا وَضَعَ الْقَاضِي خَطَّهُ كَتَبَ الشَّاهِدُ شَهِدَ عَلَى إشْهَادِ مَنْ ذُكِرَ بِمَا فِيهِ عَنْهُ، فَهَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى خَطِّهِ وَكَيْفَ تَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّهِ وَقَدْ لَا يَكُونُ بَيْنَ مَقْعَدِهِ وَدُكَّانِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ إلَّا قَدْرَ خُطْوَةٍ أَوْ أَقَلَّ؟ وَمِمَّا يَتَسَامَحُونَ فِيهِ أَيْضًا رُسُومُ إثْبَاتِ الْأُصُولِ إذَا ثَبَتَ الرَّسْمُ عِنْدَ الْقَاضِي وَوَقَّعَ عَلَيْهِ اكْتَفَى فَتُحَازُ عَنْهُمْ، كَتَبَ الْمُوَثِّقُ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَضَرَ عَنْ إذْنِ قَاضِي الْجَمَاعَةِ إلَى أَنْ قَالَ: فَحَاصِلُهُ أَنَّ شَاهِدَيْ الْحِيَازَةِ وَهُمَا الشَّاهِدَانِ عَلَى الْقَاضِي بِأَنَّهُ قَدَّمَهُمَا لِلْحِيَازَةِ وَأَذِنَ لَهُمَا فِيهَا فَكَيْفَ تَصِحُّ شَهَادَتُهُمَا لِأَنْفُسِهِمَا وَقَدْ كَانَ الْعَدْلُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ دِشَارٍ يُحَدِّثُ أَنَّ عَادَتَهُمْ كَانَتْ فِي الْقَدِيمِ أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الْحِيَازَةِ تَكُونُ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ اثْنَانِ مِنْهُمْ يَشْهَدَانِ عَلَى الْقَاضِي بِصِحَّةِ الرَّسْمِ وَبِتَوْجِيهِ الْآخَرَيْنِ لِلْحِيَازَةِ وَالِاثْنَانِ الْآخَرَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْحَائِزَيْنِ بِالْحِيَازَةِ، وَلَا إشْكَالَ فِي هَذَا. قَالَ مُقَيِّدُ هَذَا الشَّرْحِ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ - وَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى ثَمَانِيَةِ عُدُولٍ: اثْنَانِ يَشْهَدَانِ بِالْمِلْكِيَّةِ وَاسْتِمْرَارِهَا وَاثْنَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْقَاضِي بِتَقْدِيمِ اثْنَيْنِ لِلْحِيَازَةِ وَاثْنَانِ يَحُوزَانِ أَعْنِي اللَّذَيْنِ قَدَّمَهُمَا الْقَاضِي لِلْحِيَازَةِ يَقُولَانِ هَذَا الَّذِي حُزْنَاهُ وَتَطَوَّفْنَا بِهِ هُوَ الَّذِي شَهِدَ بِهِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ عِنْدَ قَاضِي كَذَا بِأَنَّهُ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ مَثَلًا، وَاثْنَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْحَائِزَيْنِ بِالْحِيَازَةِ وَيَكْتَفِي بِأَرْبَعَةٍ: اثْنَانِ يَشْهَدَانِ بِالْمِلْكِيَّةِ وَاسْتِمْرَارِهَا وَاثْنَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْقَاضِي بِتَقْدِيمِ شُهُودِ الْمِلْكِ لِلْحَوْزِ وَبِأَنَّهُمَا حَازَا، وَلَا يَكْفِي أَنْ يَشْهَدَ الْحَائِزَانِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ قَدَّمَهُمَا لِلْحِيَازَةِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لِأَنْفُسِهِمَا وَلَا أَنَّهُمَا حَازَا لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ أَنْفُسِهِمَا.
وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّدَاخُلُ بَيْنَ شَهِيدَيْ الْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ فَيَكُونُ شَهِيدَيْ الْمِلْكِ هُمَا الْحَائِزَيْنِ وَبَيْنَ شَهِيدَيْ تَقْدِيمِ الْقَاضِي لِلْحِيَازَةِ وَشَهِيدَيْ الْحَوْزِ، فَيَكُونُ شَهِيدَيْ التَّقْدِيمِ عَلَى الْجَوَازِ هُمَا شَاهِدَيْ الْحَوْزِ. (الثَّانِي عَشَرَ) قَالَ فِي تَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ أَيْضًا وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ إنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَنَّ مَنْ كَتَبَ إلَيْهِ مُسْتَحِقٌّ لِلْقَضَاءِ فِي فَهْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَدِينِهِ وَوَرَعِهِ غَيْرُ مَخْدُوعٍ قَبِلَ كِتَابَهُ. (قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ) عَنْهُ عَنْ أَشْهَبَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ لَمْ يَقْبَلْهُ.
(وَقَالَ سَحْنُونٌ) يُكَاتِبُ غَيْرَ الْعَدْلِ بِإِنْفَاذِ الْأَمْرِ وَلَا يَقْبَلُ كِتَابَهُ. (قَالَ أَشْهَبُ) لَا يَقْبَلُ كِتَابَ غَيْرِ الْعَدْلِ إلَّا مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ لَا يَشُكُّ فِي صِحَّتِهِ وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَصْبَغَ إنْ جَاءَهُ بِكِتَابِ قَاضٍ لَا يَعْرِفُ عَدَالَتَهُ وَلَا سُخْطَتَهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ قُضَاةِ الْأَمْصَارِ الْجَامِعَةِ كَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْقَيْرَوَانِ وَالْأَنْدَلُسِ فَلْيُنَفِّذْهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ، وَمَحْمَلُ مِثْلِ هَؤُلَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَأَمَّا قُضَاةُ الْكُورِ الصِّغَارِ فَلَا يُنَفِّذُهُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ.
(الثَّالِثَ عَشَرَ) فِي رَسْمِ الْعِتْقِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى سُئِلَ عَنْ الْقَاضِي يَكْتُبُ إلَى قَاضٍ فِي الْحُقُوقِ وَالْأَنْسَابِ وَالْمَوَارِيثِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فَيَكْتُبُ: أَتَانِي فُلَانٌ بِشُهُودٍ عُدِّلُوا عِنْدِي وَقَبِلْت شَهَادَتَهُمْ وَلَا يُسَمِّيهِمْ فِي كِتَابِهِ أَيَجُوزُ؟ قَالَ: نَعَمْ وَهَذَا قَضَاءُ الْقُضَاةِ أَرَأَيْت إنْ سَمَّاهُمْ لَهُ أَيَعْرِفُهُمْ أَمْ تَنْبَغِي عَدَالَةٌ أُخْرَى وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ أَمْ يَسْتَأْنِفُ فِيهِمْ حُكْمًا غَيْرَ مَا حَكَمَ بِهِ وَفَرَغَ مِنْهُ؟ لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ.
(قَالَ الْعُتْبِيُّ) قَدْ قِيلَ: إنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَمِّيَ الْبَيِّنَةَ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ لِيَجِدَ سَبِيلًا إلَى دَفْعِ شَهَادَتِهِمْ عَنْهُ وَهُوَ عِنْدِي بَيِّنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ
الرَّابِعَ عَشَرَ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَوْ مَنْ وُلِّيَ بَعْدَهُ أَنْ يَصِلَ نَظَرَهُ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي الْكَاتِبِ، فَإِنْ كَتَبَ بِثُبُوتِ شَهَادَتِهِمْ فَقَطْ لَمْ يَأْمُرْ بِإِعَادَةِ شَهَادَتِهِمْ وَنَظَرَ فِي تَعْدِيلِهِمْ، وَإِنْ كَتَبَ بِتَعْدِيلِهِمْ أَوْ بِقَبُولِهِ إيَّاهُمْ أَعْذَرَ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِيهِمْ وَإِنْ كَتَبَ أَنَّهُ أَعْذَرَ إلَيْهِ فَعَجَزَ عَنْ الدَّفْعِ أَمْضَى الْحُكْمَ عَلَيْهِ ا. هـ. مُخْتَصَرًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوَّلَ مَسْأَلَةٍ فِي الْأَقْضِيَةِ. (الْخَامِسَ عَشَرَ) لَيْسَ قَوْلُ الْقَاضِي: ثَبَتَ عِنْدِي كَذَا حُكْمًا مِنْهُ بِمُقْتَضَى مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ أَعَمُّ مِنْهُ ا. هـ. بِاخْتِصَارٍ. (قَالَ مُقَيِّدُ هَذَا الشَّرْحِ) - سَمَحَ اللَّهُ لَهُ بِفَضْلِهِ - وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الثُّبُوتَ أَعَمُّ مِنْ الْحُكْمِ قَوْلُهُمْ: ثَبَتَ عِنْدَنَا مَوْتُ الْخَلِيفَةِ وَخِصْبُ أَرْضِ كَذَا وَثَبَتَ عِنْدَنَا ظُلْمُ فُلَانٍ وَعَدَاوَتُهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا عَلِمُوهُ بِالْخَبَرِ وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ مِنْ أَفْوَاهِ الْعُدُولِ مِمَّا لَا يَصِحُّ أَنْ يَنْتَصِبَ إلَيْهِ الْحُكَّامُ وَيَطْلُبَ فِيهِ الْقَضَايَا وَالْأَحْكَامُ، وَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمَعْنَى بِالثُّبُوتِ لُغَةً حُصُولُ الْأَمْرِ وَتَحَقُّقُهُ اُنْظُرْ كَلَامَهُ إنْ شِئْت. وَإِلَى الْخِلَافِ فِي كَوْنِ قَوْلِ الْقَاضِي ثَبَتَ عِنْدِي كَذَا حُكْمًا أَوْ لَيْسَ بِحُكْمٍ أَشَارَ الْإِمَامُ سَيِّدِي عَلِيٌّ الزَّقَّاقُ بِقَوْلِهِ فِي الْمَنْهَجِ الْمُنْتَخَبِ فِي قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ:
وَالْحُكْمُ وَالثُّبُوتُ شَيْءٌ اتَّحَدْ
…
وَقِيلَ غَيْرَانِ عَلَى ذَا يُعْتَمَدْ
اُنْظُرْ شَرْحَ الشَّيْخِ الْمَنْجُورِ. (قَالَ الشَّيْخُ رحمه الله)
وَالْعَمَلُ الْيَوْمَ عَلَى قَبُولِ مَا
…
خَاطَبَهُ الْقَاضِي بِمِثْلٍ أَعْلَمَ
وَلَيْسَ يُغْنِي كَتْبُ قَاضٍ كَاكْتَفَى
…
عَنْ الْخِطَابِ وَالْمَزِيدُ قَدْ كَفَى
وَإِنَّمَا الْخِطَابُ مِثْلُ أَعْلِمَا
…
إذْ مُعْلِمًا بِهِ اقْتَضَى وَمُعْلَمَا
هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي تَرْتِيبِ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَالْفَصْلُ بَيْنَهَا غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّ مُضَمَّنَ مَعْنَاهَا وَحَاصِلَهُ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْعَمَلَ جَرَى فِي زَمَنِ النَّاظِمِ عَلَى قَبُولِ خِطَابِ الْقُضَاةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِقَوْلِهِ أَعْلَمَ بِاسْتِقْلَالِهِ أَوْ ثُبُوتِهِ فُلَانٌ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ وَلَا يَكْفِي فِي الْخِطَابِ أَنْ يَقُولَ اكْتَفَى أَوْ ثَبَتَ أَوْ اسْتَقَلَّ وَنَحْوَهَا، وَإِنَّمَا يَكْفِي ذَلِكَ عَنْ زِيَادَةِ الشُّهُودِ فَقَطْ. وَأَمَّا الْخِطَابُ فَلَا يَكْفِي فِيهِ إلَّا مِثْلُ أَعْلَمَ. . . . إلَخْ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، فَقَوْلُهُ
وَإِنَّمَا الْخِطَابُ مِثْلُ أَعْلَمَا
هُوَ تَكْرَارٌ مَعَ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ بِزِيَادَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ، وَهُوَ إنَّمَا وَبَيَانُ تَوْجِيهِ كَوْنِ اكْتَفَى وَنَحْوِهِ لَا يَكْفِي فِي الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ
إذْ مُعْلِمًا بِهِ اقْتَضَى وَمُعْلَمًا
وَبَيَانُهُ أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ فِي الْخِطَابِ يَدُلُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: شَخْصٌ مُعْلِمٌ بِكَسْرِ اللَّامِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ وَهُوَ الْقَاضِي الْكَاتِبُ وَالثَّانِي شَخْصٌ مُعْلَمٌ بِفَتْحِهَا وَهُوَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ، وَيَصِحُّ الْعَكْسُ وَهُوَ فَتْحُ اللَّامِ فِي الْأَوَّلِ وَكَسْرُهَا فِي الثَّانِي وَبِالضَّرُورَةِ أَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَمْرٍ ثَابِتٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ الْقَاضِي الْكَاتِبِ أَعْلَمَ بِهِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ، فَضَمِيرُ بِهِ فِي الْبَيْتِ الثَّالِثِ لِلْأَمْرِ الْمَعْلُومِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْمُعْلِمُ. وَالْمُعْلَمُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ وَالْمَجْرُورُ يَتَنَازَعُ فِيهِ مُعْلَمٌ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ، وَاقْتَضَى بِمَعْنَى طَلَبَ وَأَفْهَمَ فَقَوْلُهُمْ فِي الْخِطَابِ أَعْلَمَ بِاسْتِقْلَالِهِ أَوْ بِثُبُوتِهِ فُلَانٌ أَعْلَمَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ وَالْمِيمِ فِعْلٌ مَاضٍ، وَفَاعِلُهُ هُوَ الِاسْمُ الْمُكَنَّى عَنْهُ بِفُلَانٍ الَّذِي هُوَ الْمُعْلِمُ لِغَيْرِهِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَهُوَ يَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ حُذِفَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا لِلْعُمُومِ عَلَى حَدِّ {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ} [يونس: 25] أَيْ: جَمِيعَ عِبَادِهِ، وَتَقْدِيرُهُ هُنَا مَنْ يَقِفُ عَلَيْهِ يَعْنِي مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ فَيَشْمَلُ الْقَاضِيَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ يَتَوَلَّى بَعْدَهُ لِمَوْتِهِ أَوْ عَزْلِهِ.
وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي هُوَ قَوْلُهُ بِثُبُوتِهِ أَوْ اسْتِقْلَالِهِ، وَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِأَعْلَمَ وَضَمِيرُ ثُبُوتِهِ لِلرَّسْمِ أَيْ أَعْلَمَ كَاتِبَهُ الْوَاقِفَ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الرَّسْم يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْمَلَ بِمُقْتَضَاهُ؛ لِاسْتِجْمَاعِهِ شُرُوطِ الْحُكْمِ بِهِ وَاسْتِقْلَالِهِ بِنَفْسِهِ وَعَدَم تَوَقُّفِهِ عَلَى غَيْرِهِ. (قَالَ الشَّارِحُ) قَوْلُهُ:(وَإِنَّمَا الْخِطَابُ) الْبَيْتُ يَعْنِي أَنَّ الْخِطَابَ الْمُعْمَلَ بِهِ عِنْدَ الْقُضَاةِ هُوَ أَعْلَمَ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمُعْلِمِ وَتَعْيِينِ الْمُعْلَمِ أَوْ اقْتِضَائِهِ لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَبِمَا يُمَاثِلُ هَذَا اللَّفْظَ لَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ الِاصْطِلَاحُ إذْ لَيْسَ لَفْظَةُ أَعْلَمَ بِخُصُوصِهَا بِوَاجِبَةٍ الْوُجُوبَ الَّذِي لَوْ تُعُدِّيَ لَبَطَلَ الْعَقْدُ، وَإِنَّمَا تَعَيَّنَتْ لِوُقُوعِ
اخْتِيَارِ الْقُضَاةِ عَلَيْهَا لِاسْتِيفَائِهَا الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ فِي الْوَضْعِ، وَلَوْ وَقَعَ الِاصْطِلَاحُ مَثَلًا بِسِوَاهَا لَمَا كَانَ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمَّا تَقَرَّرَ الِاصْطِلَاحُ بِالْإِعْلَامِ لَزِمَ فَلَوْ لَمْ يَكْتُبْ الْقَاضِي خِطَابًا يُصَرِّحُ فِيهِ بِالْإِعْلَامِ بِصِحَّةِ الْحَقِّ عِنْدَهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَى أَنْ كَتَبَ صَحَّ الرَّسْمُ عِنْدِي أَوْ ثَبَتَ أَوْ اسْتَقَلَّ وَكَتَبَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ فَذَلِكَ لَغْوٌ غَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُهُ بِمُجَرَّدِ الْخَطِّ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ اهـ.
كَلَامُ الشَّارِحِ وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ لَا يَكْتُبَ الْقَاضِي اسْمَهُ الْمُكَنَّى عَنْهُ بِلَفْظِ الْخِطَابِ بِفُلَانٍ بِالْكِتَابَةِ الْمَعْهُودَةِ الَّتِي يَقْرَؤُهَا كُلُّ وَاحِدٍ بَلْ يَكْتُبُ بِتَخْلِيطٍ وَتَعْمِيَةٍ وَيُسَمِّي الْعَلَامَةَ، وَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِئَلَّا يُزَوِّرَ وَيُخَاطِبُ غَيْرُ الْقَاضِي عَلَى لِسَانِهِ، وَكَذَلِكَ الِاصْطِلَاحُ فِي وَضْعِ الشَّاهِدِ اسْمَهُ فِي الْعَقْدِ لِئَلَّا يَكْتُبَ اسْمَهُ غَيْرُهُ فَيُنْسَبُ إلَيْهِ مَا لَمْ يَشْهَدْ بِهِ، وَمِمَّا يَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ وَيَتَأَكَّدُ عَلَيْهِ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى عَلَامَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يُنَوِّعُهَا فَيَقَعُ الِالْتِبَاسُ فِي شَهَادَتِهِ وَلَمَّا ذَكَرَ النَّاظِمُ أَنَّ الْخِطَابَ يَكُونُ بِأَعْلَمَ وَبِمِثْلِهِ مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ خَافَ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ لَفْظَ اكْتَفَى وَنَحْوَهُ وَاسْتَقَلَّ وَصَحَّ وَثَبَتَ تَكْفِي فِي الْخِطَابِ بِهَا أَيْضًا، فَرَفَعَ هَذَا الْوَهْمَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ:(وَلَيْسَ يُغْنِي كَتْبُ قَاضٍ كَاكْتَفَى) الْبَيْتَ. فَالْكَافُ الدَّاخِلَةُ عَلَى اكْتَفَى أَيْضًا اسْمٌ بِمَعْنَى مِثْلِ مَفْعُولُ كَتْبُ وَكَتْبُ فَاعِلُ يُغْنِي وَهُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ قَاضٍ وَكَمَّلَ بِالْمَفْعُولِ وَهُوَ الْكَافُ أَيْ بِمِثْلِ اكْتَفَى وَصَحَّ وَنَحْوُهُمَا، وَلَيْسَ هُنَا حَرْفٌ بِمَعْنَى لَا النَّافِيَةِ وَعَنْ الْخِطَابِ يَتَعَلَّقُ بِيُغْنِي أَيْ: لَا يُغْنِي عَنْ الْخِطَابِ وَلَا يَكْفِي عَنْهُ الْمُخَاطَبَةُ بِمِثْلِ اكْتَفَى وَنَحْوِهَا، وَلَمَّا نَفَى الِاكْتِفَاءَ بِهِ فِي الْخِطَابِ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى مَا يُفِيدُهُ وَمَا يُفْهَمُ مِنْهُ، فَأَفَادَهُ بِقَوْلِهِ: وَالْمَزِيدَ قَدْ كَفَى أَيْ إنَّمَا يَكْفِي اكْتَفَى وَثَبَتَ وَنَحْوُهُمَا عَنْ زِيَادَةِ الشُّهُودِ فَقَطْ، وَلَا يَكْفِي عَنْ الْخِطَابِ.
(قَالَ الشَّارِحُ) مَا جَرَى بِهِ عُرْفُ بَلَدِنَا الْأَنْدَلُسِيَّةِ مِنْ كَتْبِهِمْ اكْتَفَى فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ لَا يَطْلُبُ بَعْدَ ذَلِكَ بِشُهُودٍ زِيَادَةً عَلَى مَا حَصَلَ فِي الْعَقْدِ، وَأَنَّ اللَّفْظ لَا يُغْنِي عَنْ الْخِطَابِ، وَإِنَّمَا يَكْفِي الْمَشْهُودُ لَهُ عَنْ زِيَادَةِ الشُّهُودِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّسْمَ قَدْ اسْتَقَلَّ عِنْدَ الْقَاضِي اهـ فَقَوْلُهُ: وَالْمَزِيدَ مَنْصُوبٌ عَلَى إسْقَاطِ الْخَافِضِ أَيْ كَفَى لَفْظُ اكْتَفَى وَمَا أَشْبَهَهُ عَنْ زِيَادَةِ الشُّهُودِ عَلَى مَا حَصَلَ فِي الْعَقْدِ لَا عَنْ الْخِطَابِ فَلَا يَكْفِي عَنْهُ فَالْمَزِيدُ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ أَيْ الزِّيَادَةُ، وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ اكْتَفَى وَشِبْهَهُ لَا يَكْفِي عَنْ الْخِطَابِ بَيْنَ مَا يَكُونُ بِهِ الْخِطَابُ مُوَجَّهًا لَهُ بِقَوْلِهِ:
وَإِنَّمَا الْخِطَابُ مِثْلُ أَعْلِمَا
الْبَيْتَ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَإِطْلَاقُ النَّاظِمِ فِي إعْمَالِ الْخِطَابِ بِمَا ذَكَرَ يَقْتَضِي أَنَّهُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ مِنْ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ وَهُوَ كَذَلِكَ (قَالَ الشَّارِحُ) وَتَقْيِيدُ الْعَمَلَ بِالْيَوْمِ يُؤْذِنُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بِخِلَافِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ فَقَدْ كَانَ الْعَمَلُ حَيْثُ حَدَثَ الضَّرْبُ عَلَى الْخُطُوطِ بِاسْتِصْحَابِ شَاهِدَيْ عَدْلٍ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْعَمَلُ قَبْلَ ذَلِكَ بِالِاكْتِفَاءِ بِالْكِتَابِ الْمَخْتُومِ، وَكَانَ الْعَمَلُ الْآنَ بِالِاكْتِفَاءِ بِالْخِطَابِ دُونَ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهِ عَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَدِيمًا مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِالْكِتَابِ الْمَخْتُومِ وَذَلِكَ؛ لِضَرُورَةِ فَقْدِ الْعُدُولِ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ مِنْ نُدُورِ أَحْكَامِ الضَّرْبِ عَلَى الْخَطِّ فَاسْتُحْسِنَ الرُّجُوعُ إلَى الْعَمَلِ الْقَدِيمِ. (قَالَ فِي الْمُقَرِّبِ) قُلْت لَهُ: فَالْقَاضِي إذَا كَتَبَ إلَى الْقَاضِي بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ وَعُدِّلُوا وَكَانُوا قَدْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَيَقْبَلُ الْقَاضِي الَّذِي جَاءَهُ الْكِتَابُ الْبَيِّنَةَ الَّتِي فِي الْكِتَابِ، وَيَقْضِي بِهَا قَالَ نَعَمْ اهـ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي تَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ فَائِدَتَانِ الْأُولَى فِي قَوْلِ الْقَاضِي ثَبَتَ عِنْدِي ثَلَاثُ نُكَتٍ: أُولَاهَا أَنَّهُ لَيْسَ بِخِطَابٍ كَمَا تَقَدَّمَ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ وَثَانِيهَا: هُوَ حُكْمٌ أَمْ لَا؟ وَفِيهِ صَنَّفَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَثَالِثُهَا: هَلْ يَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الْبَيِّنَةَ أَمْ لَا؟ .
(قَالَ الْمَازِرِيُّ) : مِنْ الْحِكْمَة
وَالْمَصْلَحَة
مَنْعُ الْقَاضِي الْحُكْمَ بِعِلْمِهِ خَوْفَ كَوْنِهِ غَيْرَ عَدْلٍ فَيَقُولُ عَلِمْت فِيمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: ثَبَتَ عِنْدِي كَذَا إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ الْبَيِّنَةَ وَقَدْ رَكَّبَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَقَالَ: لَا يُقْبَلُ حَتَّى يُسَمِّيَ الْبَيِّنَةَ وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ ثُمَّ قَالَ الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمُنَاصِفِ إنْ ثَبَتَ وَاكْتَفَى وَصَحَّ وَاسْتَقَلَّ كَالْمُتَرَادِفَةِ وَذَكَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَاشِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَخُصُّ اسْتَقَلَّ بِالْعُدُولِ وَاكْتَفَى بِإِثْبَاتِ الْأَمْلَاكِ وَثَبَتَ بِمَا عَدَاهُمَا. (وَعَنْ الْعُقْبَانِيِّ)
اسْتَقَلَّ لِلْمُبَرَّزِينَ وَثَبَتَ لِمَنْ يُقَارِبُهُمْ، وَاكْتَفَى لِمَنْ دُونَ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ فِي شَرْحِ الْيَرْتَاسِيِّ عَنْ الْعُقْبَانِيِّ أَيْضًا وَنَصُّهُ: جَرَى الْعَمَلُ فِي زَمَانِنَا هَذَا فِي تِلِمْسَانَ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ مُدُنِ الْمَغْرِبِ بِتَصْرِيحِ الْخِطَابِ بِالْإِعْلَامِ بِالِاسْتِقْلَالِ فِيمَا ثَبَتَ مِنْ الرُّسُومِ بِشَهَادَةِ الْمُبَرَّزِينَ مِنْ الْعُدُولِ وَبِالثُّبُوتِ فِيمَا ثَبَتَ دُونَهُمْ وَبِالِاكْتِفَاءِ بِالْأَدْنَى فَهِيَ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ، وَأَمَّا بِالْجَزَائِرِ وَمَا وَالَاهَا فَالْخِطَابُ عِنْدَهُمْ بِالثُّبُوتِ وَالِاكْتِفَاءِ فَقَطْ ا. هـ. (تَنْبِيهٌ) هَذَا مَا يَكْتُبُهُ الْقَاضِي الَّذِي يُخَاطِبُ قَاضِيًا آخَرَ وَأَمَّا الْمُخَاطَبُ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ عَلَيْهِ الْخِطَابُ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا فِي الْخِطَابِ بِاسْمِهِ وَقَّعَ تَحْتَهُ أُعْلِمْتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لَا تَعْيِينَ فِيهِ أَوْ عُيِّنَ فَمَاتَ أَوْ عُزِلَ وَقَّعَ مَنْ خَلْفَهُ قَبِلْت، وَهُوَ اصْطِلَاحٌ لَا غَيْرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ يَمُتْ مُخَاطِبٌ أَوْ عُزِلَا
…
رُدَّ خِطَابُهُ سِوَى مَا سَجَّلَا
وَاعْتَمَدَ الْقَبُولَ بَعْضُ مَنْ قَضَى
…
وَمُعْلَمٌ يَخْلُفُهُ وَالِي الْقَضَا
وَالْحَكَمُ الْعَدْلُ عَلَى قَضَائِهِ
…
خِطَابُهُ لَا بُدَّ مِنْ إمْضَائِهِ
تَعَرَّضَ فِي الْأَبْيَاتِ لِمَا إذَا خَاطَبَ قَاضٍ قَاضِيًا آخَرَ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ عُزِلَ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إذَا مَاتَ الْقَاضِي الْمُخَاطِبُ بِالْكَسْرِ أَوْ عُزِلَ فَقَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ يُعْتَمَدُ خِطَابُهُ وَيُعْمَلُ عَلَيْهِ أَوْ لَا؟ فَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّ خِطَابَهُ وَلَمْ يَعْتَمِدْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهُ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ، وَإِلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ رُدَّ خِطَابُهُ ثُمَّ قَالَ
وَاعْتَمَدَ الْقَبُولَ بَعْضُ مَنْ قَضَى
أَيْ بَعْضُ الْقُضَاةِ. وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا لَمْ يُسَجِّلْ الْحُكْمَ، وَأَمَّا إنْ سَجَّلَهُ وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ عَدْلَيْنِ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ وَأَنْفَذَهُ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا سَوَاءٌ بَقِيَ عَلَى قَضَائِهِ أَوْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:(سِوَى مَا سَجَّلَا)(فَإِنْ قُلْت) كَلَامُنَا فِي خِطَابِ الْقَاضِي بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِقَاضِي بَلَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ وَالتَّنْفِيذُ فِي بَلَدِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يُسَجِّلُ الْمُخَاطِبُ الْحُكْمَ وَيُنَفِّذُهُ، وَإِنَّمَا يُنَفِّذُهُ الْقَاضِي الْمَنْهِيُّ إلَيْهِ الْمُخَاطَبُ بِالْفَتْحِ؟ . (قُلْت) يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فَكَانَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مَعَ طَالِبِهِ فِي بَلَدِ الطَّالِبِ، فَيُنَفِّذُ قَاضِيهَا الْحُكْمَ عَلَيْهِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: قَبِلَ وَحَيْثُ يُلْفِيه بِمَا فِي الذِّمَّةِ يَطْلُبُهُ، ثُمَّ يَكْتُبُ لِقَاضِي بَلَدِ الْمَطْلُوبِ بِمَا حَكَمَ بِهِ وَأَمْضَاهُ لِيَكُنْ الطَّالِبُ مِنْ مَالِ الْمَطْلُوبِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فِي بَلَدِ الْحُكْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ إذَا مَاتَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ الْمُخَاطَبُ بِالْفَتْحِ أَوْ عُزِلَ فَإِنَّ مَنْ وُلِّيَ الْقَضَاءَ بَعْدَهُ يَخْلُفُهُ وَيَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ فِي إنْفَاذِ مَا طَلَبَ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ مُعَيَّنًا مُسَمًّى فِي الْخِطَابِ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَمُعْلَمٌ يَخْلُفُهُ وَالِي الْقَضَا
فَمُعْلَمٌ بِفَتْحِ اللَّامِ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ أَعْلَمَ ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ:
وَإِنْ يَمُتْ مُخَاطِبٌ أَوْ عُزِلَا
فَأَخْبَرَ أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُخَاطِبَ لِغَيْرِهِ مِنْ الْقُضَاةِ إذَا لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مَوْتٌ وَلَا عُزِلَ - فَإِنَّ خِطَابَهُ مَاضٍ غَيْرُ مَرْدُودٍ. (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) فَإِنْ مَاتَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَوْ عُزِلَ وَوَصَلَ الْكِتَابُ إلَى مَنْ وُلِّيَ بَعْدَهُ أَنْفَذَهُ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا كَتَبَ إلَى غَيْرِهِ وَفِي آخِرِ كِتَابِ الرَّجْمِ مِنْهَا وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الْقَاضِي الْكَاتِبُ أَوْ عُزِلَ اهـ. أَيْ فَإِنْ وَصَلَ إلَيْهِ يُنَفِّذُهُ فَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى هِيَ قَوْلُهُ
وَمُعْلِمٌ يَخْلُفُهُ وَالِي الْقَضَا
وَاَلَّتِي فِي آخِرِ كِتَابِ الرَّجْمِ هِيَ قَوْلُهُ فِي مَسْأَلَةِ مَوْتِ الْقَاضِي الْكَاتِبُ:
وَاعْتَمَدَ الْقَبُولَ بَعْضُ مَنْ قَضَى
(قَالَ الشَّارِحُ) وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا إنْ مَاتَ الْقَاضِي أَوْ عُزِلَ وَفِي دِيوَانِهِ شَهَادَاتُ الْبَيِّنَاتِ وَعَدَالَتُهَا: لَمْ يَنْظُرْ فِيهَا مَنْ وُلِّيَ بَعْدَهُ وَلَمْ يُجِزْهُ إلَّا أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَإِنْ قَالَ الْمَعْزُولُ: قَدْ شَهِدْت بِهِ الْبَيِّنَةُ عِنْدِي لَمْ يُقْبَلْ. قَوْلُهُ: وَلَا يَكُونُ شَاهِدًا بِذَلِكَ وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ رُدَّ خِطَابُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ سِوَى مَا سَجَّلَا إلَى مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِهِ الْعَمَلُ قَالَ إشْهَادُ الْحَاكِمِ بِحُكْمِهِ يُوجِبُ حَقًّا لِلْمَحْكُومِ لَهُ وَلَوْ مَاتَ الْقَاضِي أَوْ عُزِلَ أَوْ مَاتَ الْمَحْكُومُ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ قَبْلَ حَوْزِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِمَا حَكَمَ لَهُ بِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا اهـ.
وَلَفْظُ مُخَاطِبٍ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَاعِلُ سَجَّلَا يَعُودُ عَلَى الْمُخَاطِبِ، وَالْقَبُولَ مَفْعُولُ اعْتَمَدَ وَبَعْضُ فَاعِلُهُ وَمُعْلَمٌ بِفَتْحِ اللَّامِ اسْمُ مَفْعُولٍ، وَالْحَكَمُ بِفَتْحَتَيْنِ وَاحْتَرَزَ بِالْعَدْلِ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنَّ خِطَابَهُ لَا يُقْبَلُ. (قَالَ فِي النَّوَادِرِ) عَنْ
الْمَجْمُوعَةِ إنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَنَّ مَنْ كَتَبَ إلَيْهِ مُسْتَحِقٌّ لِلْقَضَاءِ فِي فَهْمِهِ وَدِينِهِ وَوَرَعِهِ غَيْرُ مَخْدُوعٍ قَبِلَ كِتَابَتَهُ (قَالَ) ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَشْهَبَ: وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ لَمْ يَقْبَلْهُ، وَلَوْ كَتَبَ إلَيْهِ الْعَدْلُ إنَّ ابْنِي ثَبَتَ لَهُ عِنْدِي بَيِّنَةُ كَذَا لَمْ يَقْبَلْهُ، وَكَانَ كَالشَّاهِدِ لَهُ فَإِنْ أَجَازَهُ لَمْ يَفْسَخْهُ مَنْ وُلِّيَ بَعْدَهُ
وَفِي الْأَدَاءِ عِنْدَ قَاضٍ حَلَّ فِي
…
غَيْرِ مَحَلِّ حُكْمِهِ الْخُلْفُ اُقْتُفِيَ
وَمَنْعُهُ فِيهِ الْخِطَابَ الْمُرْتَضَى
…
وَسَوَّغَ التَّعْرِيفَ بَعْضُ مَنْ مَضَى
ذَكَرَ فِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ ثَلَاثَ مَسَائِلَ مُتَنَاسِبَةَ الْمَعْنَى، وَهِيَ إذَا حَلَّ الْقَاضِي بِغَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ هَلْ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ هُنَالِكَ بَيِّنَةً شَاهِدَةً بِحَقٍّ لِمَنْ يَكُونُ فِي وِلَايَتِهِ وَتُؤَدَّى شَهَادَتُهَا عِنْدَهُ هُنَالِكَ أَوْ لَا؟ وَهَلْ لَهُ أَنْ يُخَاطِبَ رَسْمًا ثَبَتَ عِنْدَهُ بِمَوْضِعِ وِلَايَتِهِ وَلَمْ يُخَاطِبْهُ هُنَالِكَ وَافْتَقَرَ إلَى خِطَابِهِ هُنَا أَوْ لَا؟ وَهَلْ لَهُ أَنْ يُعَرِّفَ قَاضِي مَوْضِعِ حُلُولِهِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ الرَّسْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِمَنْعِ خِطَابِهِ إيَّاهُ؟
وَنَقَلَ النَّاظِمُ الْخِلَافَ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ وَأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْخِطَابِ هُوَ الْمُرْتَضَى (قَالَ الشَّارِحُ) وَمَا ضَمَّنَهُ الشَّيْخُ فِي الْبَيْتَيْنِ هُوَ مُقْتَضَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ سَهْلٍ فِي نَوَازِلِهِ عَنْ ابْنِ الْحَكَمِ إنْ حَلَّ قَاضٍ مَحَلًّا بِغَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ بَيِّنَةً عَلَى مَنْ فِي مَحَلِّهِ، وَلَا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى كِتَابِهِ بِذَلِكَ إلَى أَحَدٍ، وَلَهُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ حَالِ بَيِّنَةٍ شُهِدَتْ عِنْدَهُ. (وَفِي كِتَابِ مِنْهَاجِ الْقُضَاةِ لِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ) إنْ بَعَثَ الْإِمَامُ الْقَاضِيَ لِبَعْضِ الْأَمْصَارِ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْعَامَّةِ فَحَلَّ بِهِ - فَلَهُ أَنْ يَسْمَعَ فِيهِ بَيِّنَةً بِحَقٍّ عَلَى غَائِبٍ فِي عَمَلِهِ، وَيَسْأَلُ مَنْ قَامَ بِهَا تَعْدِيلَهَا وَلَهُ أَنْ يَسْأَلَ قَاضِيَ ذَلِكَ الْمِصْرِ عَنْهُمْ وَيَجْتَزِي بِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ مِنْ عَدَالَتِهِمْ لِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِهِ، وَلَوْ اجْتَمَعَ الْخَصْمَانِ عِنْدَهُ بِذَلِكَ الْمِصْرِ لِلْمُخَاصَمَةِ عِنْدَهُ وَمَا يَخْتَصِمَانِ فِيهِ فِي بَلَدِ الْقَاضِي الْغَائِبِ عَنْ قُطْرِهِ لَمْ يَنْظُرْ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَيْهِ كَتَرَاضِيهِمَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا، وَبَعْضُ جَوَابِ أَصْبَغَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ. (وَسَأَلْت) ابْنَ عَتَّابٍ عَنْ قَاضٍ حَلَّ بِغَيْرِ بَلَدِهِ وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِبَلَدِهِ حَقٌّ لِرَجُلٍ فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُخَاطِبَ بِهِ قَاضِيَ مَوْضِعِ الْمَطْلُوبِ، قَالَ: لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَ خِطَابُهُ ثُمَّ قَالَ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُنَفِّذَ.
(قُلْت لَهُ) فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ الثَّابِتُ عِنْدَهُ بِبَلَدِهِ عَلَى مَنْ هُوَ بِمَوْضِعِ احْتِلَالِهِ فَأَعْلَمَ قَاضِيَ الْمَوْضِعِ بِذَلِكَ مُشَافَهَةً بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَيَكُونُ كَمُخَاطَبَتِهِ بِذَلِكَ؟ قَالَ: لَيْسَ مِثْلَهُ (قُلْت) مَا يَمْنَعُهُ مِنْ إخْبَارِهِ بِهِ وَيَشْهَدُ عِنْدَهُ بِذَلِكَ وَيُنَفِّذُهُ كَمَا يَشْهَدُ بِمَا يَجْرِي فِي مَجْلِسِهِ مِنْ إقْرَارٍ وَإِنْكَارٍ وَيَقْضِي بِهِ؟ ، قَالَ: لَيْسَ مِثْلَهُ وَلَكِنْ إنْ أَشْهَدَ هَذَا الْقَاضِي الْمُخْبِرُ بِذَلِكَ شَاهِدَيْنِ فِي مَنْزِلِهِ وَشَهِدَا بِذَلِكَ عِنْدَ قَاضِي الْمَوْضِعِ نَفَذَ وَجَازَ. قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَرَأَيْت فُقَهَاءَ طُلَيْطِلَةَ يُجِيزُونَ إخْبَارَ الْقَاضِي الْمُحْتَلِّ بِذَلِكَ الْبَلَدِ وَيُنَفَّذُ وَيَرَوْنَهُ كَمُخَاطَبَتِهِ إيَّاهُ. (قَالَ الشَّارِحُ) فَمَعْنَى الْبَيْتِ الْأَوَّلِ هُوَ مُقْتَضَى مَا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ، وَمَنْعُ الْخِطَابِ هُوَ مُرْتَضَى ابْنِ عَتَّابٍ وَالتَّعْرِيفُ هُوَ الَّذِي أَسْنَدَ ابْنُ سَهْلٍ لِفُقَهَاءِ طُلَيْطِلَةَ وَعَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ فُقَهَاءُ طُلَيْطِلَةَ الْعَمَلُ عِنْدَ قُضَاةِ الْجَمَاعَةِ بِالْحَضْرَةِ اهـ.
فَقَوْلُ النَّاظِمِ: (فِي الْأَدَاءِ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَعِنْدَ يَتَعَلَّقُ بِالْأَدَاءِ وَجُمْلَةُ حَلَّ صِفَةٌ لِقَاضٍ وَالْخُلْفُ مُبْتَدَأٌ وَاقْتُفِيَ صِفَةٌ. (الْخُلْفُ)(وَمَنْعُهُ) مُبْتَدَأٌ. (وَالْخِطَابَ) مَفْعُولُ (مَنْعُ) مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ الْمُرْتَضَى.
وَقَوْلُهُ: بَعْضُ مَنْ مَضَى يُفْهِمُ الْخِلَافَ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَقَوْلُهُ:(وَلَيْسَ يُغْنِي) الْبَيْتَيْنِ تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا إثْرَ قَوْلِهِ: (وَالْعَمَلُ الْيَوْمَ عَلَى قَبُولِ مَا) الْبَيْتَ وَتَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَحَلَّ أَنْسَبُ لَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
وَيُثْبِتُ الْقَاضِي عَلَى الْمَحْوِ وَمَا
…
أَشْبَهَهُ الرَّسْمَ عَلَى مَا سَلِمَا
يَعْنِي أَنَّ الرَّسْمَ إذَا كَانَ بِهِ مَحْوٌ أَوْ قَطْعٌ أَوْ حَرْقُ نَارٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي تَصْحِيحَهُ أَوْ الْخِطَابَ بِهِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ قُضَاةٍ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُصَحِّحُ وَيُخَاطِبُ بِمَا سَلِمَ مِنْ فُصُولٍ لَا عَلَى جَمِيعِهِ. (قَالَ الشَّارِحُ) وَيَنُصُّ فِي كِتَابِهِ عَلَى مُنْتَهَى مَا اُبْتُدِئَ بِهِ الْمَحْوُ أَوْ الْبَشْرُ وَمُبْتَدَأُ مَا انْتَهَى إلَيْهِ اهـ أَيْ الْكَلِمَةُ الَّتِي
قَبْلَ ابْتِدَاءِ الْمَحْوِ وَاَلَّتِي بَعْدَ انْتِهَائِهِ فَقَوْلُهُ: (وَيُثْبِتُ الْقَاضِي) فِعْلٌ وَفَاعِلٌ (وَالرَّسْمَ) مَفْعُولٌ وَعَلَى الْمَحْوِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفِ صِفَةٍ لِلرَّسْمِ أَيْ: الرَّسْمِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمَحْوِ، وَمَا أَشْبَهَ الْمَحْوَ مِنْ قَطْعٍ وَغَيْرِهِ، وَعَلَى مَا سَلِمَ بَدَلٌ مِنْ الرَّسْمِ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، أَيْ عَلَى مَا سَلِمَ مِنْهُ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي الطُّرُرِ فَإِنْ وَقَعَ فِي الْوَثِيقَةِ مَحْوٌ أَوْ بَشْرٌ أَوْ ضَرْبٌ فِي مَوَاضِعِ الْعَدَدِ مِثْلِ عَدَدِ الدَّنَانِيرِ أَوْ أَجَلِهَا أَوْ تَارِيخِ الْوَثِيقَةِ سُئِلَتْ الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ حَفِظَتْ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَوْا الْوَثِيقَةَ مَضَتْ، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظُوا سُئِلَتْ عَنْ الْبَشْرِ فَإِنْ حَفِظُوهُ مَضَتْ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَحْفَظُوهُ سَقَطَتْ الْوَثِيقَةُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِ الْعَقْدِ لَمْ يَضُرَّ الْوَثِيقَةَ وَلَمْ يُوهِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يُعْتَذَرْ عَنْهُ اهـ. مِنْ الْبَابِ الثَّامِنِ مِنْ الْفَائِقِ لِلْوَنْشَرِيسِيِّ
وَعِنْدَمَا يَنْفُذُ حُكْمٌ وَطُلِبْ
…
تَسْجِيلُهُ فَإِنَّهُ أَمْرٌ يَجِبْ
وَمَا عَلَى الْقَاضِي جُنَاحٌ لَا وَلَا
…
مِنْ حَرَجٍ إنْ ابْتِدَاءً فَعَلَا
يَعْنِي أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا حَكَمَ عَلَى الْخَصْمِ وَطَلَبَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ مِنْ الْقَاضِي تَسْجِيلَ الْحُكْمِ أَيْ كَتْبَهُ فِي سِجِلٍّ، أَيْ صَكٍّ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي لِمَنْ طَلَبَهُ لِيُحَصِّنَ بِهِ لِنَفْسِهِ مَا حَكَمَ لَهُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ مَفْسَدَةِ تَجْدِيدِ الْخُصُومَةِ وَتَعْنِيتِ الْمَطْلُوبِ فِيهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ النِّزَاعِ بِاسْتِئْنَافِهِ مَرَّةً أُخْرَى، فَإِنْ فَعَلَهُ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطْلَبَ بِهِ جَازَ. (قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) وَإِنْ طَلَبَ الْقَائِمُ أَنْ يُسَجِّلَ لَهُ الْقَاضِي بِمَا أَثْبَتَهُ مِنْ مِلْكِهِ لِلْعَقَارِ الَّذِي كَانَ بِيَدِ الْمُقَوَّمِ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْقَاضِي قَدْ أَعْذَرَ إلَى الْمُقَوَّمِ عَلَيْهِ فِي الشُّهُودِ الَّذِينَ ثَبَتَ عِنْدَهُ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمْ وَعَجَزَ عَنْ الْمَدْفَعِ، فَإِنَّهُ يُسَجِّلُ لَهُ اهـ. بِاخْتِصَارٍ وَاقْتِصَارٍ عَلَى مَحَلِّ الْحُجَّةِ.
وَسَاغَ مَعَ سُؤَالِهِ تَسْجِيلُ مَا
…
لَمْ يَقَع النِّزَاعُ فِيهِ كُلَّمَا
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي تَسْجِيلُ مَا لَمْ يَقَعْ فِيهِ النِّزَاعُ إذَا سُئِلَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّحْصِينِ لَهُ وَالِاسْتِعْدَادِ بِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ رُسُومِ الْأَحْبَاسِ الَّتِي يَهْلِكُ شُهُودُهَا وَيُشْهِدُ عَلَى خُطُوطِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَثْبُتُ عِنْدَ الْقَاضِي وَلَمْ يَقَعْ فِيهِ خِضَامٌ (قَالَ الْجَزِيرِيُّ فِي وَثَائِقِهِ) وَإِذَا سُئِلَ الْقَاضِي إثْبَاتَ مَا لَا خُصُومَةَ فِيهِ وَالتَّسْجِيلَ، فَإِنْ شَاءَ أَجَابَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُجِبْ اهـ. (وَتَسْجِيلُ) فَاعِلُ سَاغَ (وَمَعْ) يَتَعَلَّقُ بِهِ أَوْ بِمَحْذُوفٍ حَالٍ، (تَسْجِيلِ) .
وَسَائِلُ التَّعْجِيزِ مِمَّنْ قَدْ قَضَى
…
يُمْضِي لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالْقَضَا
إلَّا ادِّعَاءَ حَبْسٍ أَوْ طَلَاقِ
…
أَوْ نَسَبٍ أَوْ دَمٍ أَوْ عَتَاقِ
ثُمَّ عَلَى ذَا الْقَوْلِ لَيْسَ يُلْتَفَتْ
…
لِمَا يُقَالُ بَعْدَ تَعْجِيزٍ ثَبَتْ
يَعْنِي أَنَّ الْمَقْضِيَّ لَهُ إذَا سَأَلَ مِنْ الْقَاضِي تَعْجِيزَ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ، وَيُمْضِي عَلَيْهِ حُكْمَ التَّعْجِيزِ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ فِيهِ التَّحَاكُمُ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ النَّاظِمُ مِنْ الْحُبْسِ وَالطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ وَالدَّمِ وَالْعَتَاقِ فَإِذَا عَجَزَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ فَلَا يُلْتَفَتُ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَا يَأْتِي بِهِ مِنْ بَيِّنَةٍ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ، وَلَا يُنْظَرُ لَهُ إلَّا فِي تِلْكَ الْأُمُورِ الْمُسْتَثْنَاةِ دُونَ غَيْرِهَا. (قَالَ ابْنُ سَهْلٍ) وَإِذَا انْقَضَتْ الْآجَالُ وَالتَّلَوُّمُ وَلَمْ يَأْتِ الْمُؤَجَّلُ لَهُ بِشَيْءٍ يُوجِبُ نَظَرًا عَجَّزَهُ الْقَاضِي وَأَنْفَذَ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ وَسَجَّلَ وَقَطَعَ بِذَلِكَ شَغَبَهُ عَنْ خَصْمِهِ فِي ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ ثُمَّ لَا تُسْمَعُ بَعْدَ ذَلِكَ حُجَّةٌ إنْ أَتَى بِمَكَانِ هَذَا الْمُؤَجَّلِ الْعَاجِزِ طَالِبًا أَوْ مَطْلُوبًا إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ وَالنَّسَبُ. (قَالَ ابْنُ سَهْلٍ) وَيُشْبِهُ ذَلِكَ الْحُبُسُ وَطَرِيقُ الْعَامَّةِ وَشِبْهُ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِهِمْ، وَلَيْسَ عَجْزُ طَالِبِهِ يُوجِبُ مَنْعَهُ وَمَنْعَ غَيْرِهِ مِنْ النَّظَرِ لَهُ إنْ أَتَى بِوَجْهٍ. (وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) زِيَادَةُ الدَّمِ عَلَى الْمُسْتَثْنَيَاتِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا عِنْدَ النَّاظِمِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِعْذَارِ وَالتَّعْجِيزِ أَنَّ الْإِعْذَارَ سُؤَالُ الْحَاكِمِ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا أَوْ بَقِيَتْ وَأَنْظَرَهُ لَهَا، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ أَشْهَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ حُجَّةٌ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ فِي الْوَجْهِ