الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غَيْرُهُ فَيَغْرَمُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ.
وَالزَّوْجُ لِلزَّوْجَةِ كَالْمُوَكَّلِ
…
فِيمَا مِنْ الْقَبْضِ لِمَا بَاعَتْ يَلِي
يَعْنِي أَنَّ الزَّوْجَ لِلزَّوْجَةِ كَالْوَكِيلِ فَإِذَا بَاعَتْ شَيْئًا وَقَبَضَ الزَّوْجُ ثَمَنَهُ أَوْ قَبَضَ لَهَا دَيْنًا ثُمَّ تَنَازَعَا فَادَّعَتْ أَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ لَهَا مَا قَبَضَ وَادَّعَى هُوَ أَنَّهُ دَفَعَ لَهَا ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجْرِي عَلَى الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْوَكِيلِ مِنْ كَوْنِ النِّزَاعِ بَعْدَ طُولِ الْمُدَّةِ أَوْ بِالْقُرْبِ أَوْ بِالْفَوْرِ، اجْرِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي مُنْتَخَبِهِ إثْرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي شَرْحِ الْأَبْيَاتِ الثَّلَاثِ، وَكَذَا الزَّوْجُ فِيمَا بَاعَ لِامْرَأَتِهِ بِإِذْنِهَا إذَا ادَّعَتْ أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْ ذَلِكَ مِنْهُ وَادَّعَى أَنَّهُ قَدْ بَرِئَ بِدَفْعِ ذَلِكَ إلَيْهَا. " (وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) :" وَفِي حَمْلِ الزَّوْجِ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ لِزَوْجِهِ عَلَى الْوَكَالَةِ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ أَوْ حَتَّى يَثْبُتَ دَلِيلَا سَمَاعُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَسَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى ".
(قَالَ الشَّارِحُ) : " يَظْهَرُ أَنَّ الْوَكَالَةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ بِالنَّصِّ - وَلَا إشْكَالَ - وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ كَالزَّوْجِ مَعَ زَوْجَتِهِ وَكَالِابْنِ مَعَ أَبِيهِ وَهُوَ دَلِيلُ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الزَّوْجَةِ وَصِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَى أُخْتِهِ الْبِكْرِ إذَا أَجَازَهُ الْأَبُ، وَإِبَاحَةِ الْمُخَاصَمَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَبِ وَالِابْنِ عَنْ صَاحِبِهِ.
وَمَوْتُ زَوْجٍ أَوْ وَكِيلٍ إنْ عَرَضْ
…
مِنْ غَيْرِ دَفْعِ مَا بِتَحْقِيقٍ قَبَضْ
مِنْ مَالِهِ يَأْخُذُ ذَاكَ قَائِمُ
…
بِالْفَوْرِ وَالْعَكْسُ لِعَكْسٍ لَازِمُ
يَعْنِي إذَا قَبَضَ الزَّوْجُ ثَمَنَ مَا بَاعَتْهُ زَوْجَتُهُ أَوْ قَبَضَ دَيْنًا لَهَا عَلَى غَيْرِهِ أَوْ قَبَضَ الْوَكِيلُ ذَلِكَ مِنْ مُوَكِّلِهِ ثُمَّ مَاتَ الْقَابِضُ مِنْ زَوْجٍ أَوْ وَكِيلٍ وَلَمْ يُحَقِّقْ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ مِمَّا قَبَضَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ قَرِيبًا مِنْ قَبْضِهِ لِمَا قَبَضَ، أَوْ بَعْدَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ فَلَا شَيْءَ لِلزَّوْجَةِ قِبَلَ وَرَثَةِ الزَّوْجِ، وَلَا لِلْمُوَكِّلِ قِبَلَ وَرَثَةِ الْوَكِيلِ، وَغَايَةُ مَا تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ الْيَمِينُ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَقِيَ قِبَلَ مَوْرُوثِهِمْ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ أَوْ الْوَكِيلُ بِالْقُرْبِ فَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِهِمَا إذَا عُرِفَ الْقَبْضُ وَجُهِلَ الدَّفْعُ وَالْمَرْأَةُ وَالْمُوَكِّلُ يَدَّعِيَانِ عَدَمَ الدَّفْعِ.
(قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ) : " قَالَ مُطَرِّفٌ: " فَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ وَالْوَكِيلُ بِحِدْثَانِ مَا جَرَى عَلَى أَيْدِيهِمَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فَذَلِكَ كُلُّهُ فِي أَمْوَالِهِمَا إذَا كَانَ قَدْ عُرِفَ الْقَبْضُ وَجُهِلَ الدَّفْعُ وَالْمَرْأَةُ وَالْمُوَكِّلُ يَدَّعِيَانِ ذَلِكَ وَمَا كَانَ مِنْ مَوْتِهِمَا بِغَيْرِ حِدْثَانِهِ وَمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْمَخْرَجُ وَالْقَضَاءُ وَالدَّفْعُ فَلَا شَيْءَ فِي أَمْوَالِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ الدَّفْعُ وَلَمْ يُذْكَرْ ".
(ابْنُ عَرَفَةَ) وَإِنْ مَاتَ الْوَكِيلُ بِحِدْثَانِ قَبْضِهِ كَانَ فِي مَالِهِ وَبَعْدَهُ مِمَّا يُمْكِنُ فِيهِ الْقَضَاءُ وَالدَّفْعُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ اهـ.
(وَسُئِلَ) الْأُسْتَاذُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ لُبٍّ عَنْ امْرَأَةٍ تُوُفِّيَ وَالِدُهَا وَتَوَلَّى زَوْجُهَا قَبْضَ مِيرَاثِهَا مِنْهُ، ثُمَّ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا فَأَثْبَتَتْ أَنَّ مَا قَبَضَ زَوْجُهَا مِنْ مَتْرُوكِ وَالِدِهَا أَدْخَلَهُ فِي مَصَالِحِهِ وَلَمْ يُمَكِّنْهَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ، (فَأَجَابَ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّ مَا قَبَضَ لَمْ يُمَكِّنْهَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ لَمْ تُثْبِتْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِالْقَبْضِ خَاصَّةً فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ قَبَضَ بِإِذْنِ الزَّوْجَةِ وَمَاتَ بِحِدْثَانِ الْقَبْضِ فَذَلِكَ لَازِمٌ لِتَرِكَتِهِ بَعْدَ يَمِينِ الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ حِدْثَانِهِ بَلْ بَعْدَ شَهْرٍ وَنَحْوِهِ فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ مَا قَبَضَ، وَإِنْ كَانَ الْقَبْضُ تَعَدِّيًا مِنْهُ وَتَجَاسُرًا عَلَى مَالِ الزَّوْجَةِ وَتَحَامُلًا فَذَلِكَ لَازِمٌ لِمَالِهِ وَلِتَرِكَتِهِ بَعْدَ يَمِينِ الْقَضَاءِ. انْتَهَى.
[بَابُ الصُّلْحِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
(ابْن عَرَفَةَ) : الصُّلْحُ انْتِقَالٌ عَنْ حَقٍّ أَوْ دَعْوَى بِعِوَضٍ لِرَفْعِ نِزَاعٍ أَوْ خَوْفِ وُقُوعِهِ. وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ هُوَ قَبْضُ شَيْءٍ عَنْ عِوَضٍ يَدْخُلُ فِيهِ مَحْضُ الْبَيْعِ وَهُوَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَقَدْ يَعْرِضُ وُجُوبُهُ عِنْدَ تَعْيِينِ مَصْلَحَتِهِ وَحُرْمَتِهِ وَكَرَاهَتِهِ لَا لِاسْتِلْزَامِ مَفْسَدَةٍ وَاجِبَةِ الدَّرْءِ أَوْ رَاجِحَتِهِ (الرَّصَّاعُ) . قَوْلُهُ (عَنْ حَقٍّ أَوْ دَعْوَى) الْأَوَّلُ الصُّلْحُ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَالثَّانِي عَلَى الْإِنْكَارِ (وَبِعِوَضٍ) يَتَعَلَّقُ بِانْتِقَالٍ وَخَرَجَ الِانْتِقَالُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَقَوْلُهُ لِرَفْعِ نِزَاعٍ يَخْرُجُ بِهِ بَيْعُ الدَّيْنِ وَمَا شَابَهَهُ، وَقَوْلُهُ أَوْ خَوْفِ وُقُوعِهِ يَدْخُلُ فِيهِ الصُّلْحُ عَنْ الْمَحْجُورِ وَمَا شَابَهَهُ.
الصُّلْحُ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ
…
لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ
وَهُوَ كَمِثْلِ الْبَيْعِ فِي الْإِقْرَارِ
…
كَذَاكَ لِلْجُمْهُورِ فِي الْإِنْكَارِ
فَجَائِزٌ فِي الْبَيْعِ جَازَ مُطْلَقَا
…
فِيهِ وَمَا اُتُّقِيَ بَيْعًا يُتَّقَى
كَالصُّلْحِ بِالْفِضَّةِ أَوْ بِالذَّهَبِ
…
تَفَاضُلًا أَوْ بِتَأَخُّرٍ أَبِي
أَخْبَرَ أَنَّ الصُّلْحَ جَائِزَةٌ وَأَنَّ جَوَازَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ.
(التَّوْضِيحُ) " الصُّلْحُ مَأْخُوذٌ مِنْ صَلَحَ الشَّيْءُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا إذَا كَمُلَ وَهُوَ خِلَافُ الْفَسَادِ، وَالصُّلْحُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَقَدْ اصْطَلَحَا وَاصَّالَحَا وَتَصَالَحَا. (وَرَوَى) التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» . اهـ بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ. وَالْمُرَادُ بِالْجَائِزِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْجَوَازُ الْأَعَمُّ الشَّامِلُ لِلْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، وَالْمُبَاحِ، وَالْمَكْرُوهِ، وَقَوْلُهُ
لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ
أَيْ لَكِنَّ جَوَازَهُ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَيْ فِي كُلِّ صُورَةٍ صُورَةٌ وَفِي وَجْهٍ وَجْهٌ بَلْ هُوَ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ وَمِنْهُ مَا هُوَ غَيْرُ جَائِزٍ ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ الصُّلْحَ كَالْبَيْعِ وَالْبَيْعُ مِنْهُ مَا هُوَ جَائِزٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مَمْنُوعٌ فَكَذَلِكَ الصُّلْحُ فَلِذَلِكَ أَتَى بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ (فَجَائِزٌ) أَيْ فَمَا جَازَ فِي الْبَيْعِ جَازَ فِي الصُّلْحِ وَمَا امْتَنَعَ فِي الْبَيْعِ امْتَنَعَ فِي الصُّلْحِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ كَمِثْلِ الْبَيْعِ.) الْبَيْتَيْنِ.
فَقَوْلُهُ (جَازَ فِيهِ) أَيْ فِي الصُّلْحِ، وَ (مَا اُتُّقِيَ بَيْعًا) أَيْ فِي الْبَيْعِ يُتَّقَى فِي الصُّلْحِ، وَالْكَافُ الدَّاخِلَةُ عَلَى (مِثْلِ) زَائِدَةٌ عَلَى حَدِّ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] وَكَوْنُ الصُّلْحِ كَالْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَهُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الصُّلْحُ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَأَمَّا عَلَى الْإِنْكَارِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ كَمِثْلِ الْبَيْعِ.) الْبَيْتَ، وَقَوْلُهُ
كَالصُّلْحِ بِالْفِضَّةِ أَوْ بِالذَّهَبِ
الْبَيْتَ هُوَ تَمْثِيلٌ لِبَعْضِ مَا شَمِلَهُ قَوْلُهُ (وَمَا اُتُّقِيَ بَيْعًا يُتَّقَى) وَ (أَبِي) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ مَبْنِيًّا لِلنَّائِبِ أَيْ أَبَاهُ الْفُقَهَاءُ وَمَنَعُوهُ وَكَأَنَّهُ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ (وَمَا اُتُّقِيَ بَيْعًا يُتَّقَى)(قَالَ فِي الْمُفِيدِ) : " وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الصُّلْحِ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ إذَا كَانَ عَلَى طَوْعٍ مِنْ الْمُتَصَالِحَيْنِ لَا يَدْخُلُهُ إكْرَاهٌ وَالصُّلْحُ كَالْبَيْعِ فَمَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ جَازَ فِي الصُّلْحِ، وَمَا امْتَنَعَ فِي الْبَيْعِ امْتَنَعَ فِي الصُّلْحِ. اهـ.
(وَفِي ابْنِ الْحَاجِبِ)" الصُّلْحُ مُعَاوَضَةٌ كَالْبَيْعِ وَإِبْرَاءٌ وَإِسْقَاطٌ ".
(التَّوْضِيحُ) عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ " الْمُعَاوَضَةُ أَخْذُ مَا يُخَالِفُ الشَّيْءَ الْمُدَّعَى فِيهِ إمَّا فِي الْجِنْسِ أَوْ فِي الصِّفَةِ، وَالْإِبْرَاءُ إسْقَاطُ بَعْضِ مَا فِي الذِّمَّةِ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى فِيهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَالْإِسْقَاطُ وَضْعُ بَعْضِ الْمُدَّعَى فِيهِ الْمُعَيَّنِ كَدَارٍ أُخِذَ بَعْضُهَا " اهـ. وَذُكِرَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ " هَذِهِ احْتِمَالَاتٌ أُخَرُ ".
(وَفِي الْجَوَاهِرِ) " الصُّلْحُ عَنْ الدَّيْنِ كَبَيْعِ الدَّيْنِ وَإِنْ صَالَحَ عَنْ بَعْضِهِ فَهُوَ إبْرَاءٌ مِنْ الْبَعْضِ، وَلَوْ صَالَحَ مِنْ حَالٍّ إلَى مُؤَجَّلٍ مِثْلِهِ أَوْ أَقَلَّ جَازَ وَلَا يَجُوزُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِنْ صَالَحَ عَنْ مُؤَجَّلٍ عَلَى حَالِّ بَعْضِهِ وَإِسْقَاطِ بَعْضِهِ لَمْ يَجُزْ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الْقِسْمُ مِنْ الصُّلْحِ بَيْعٌ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَيْعِ فِي الْمُعَيَّنِ كَانَ أَوْ فِي الدَّيْنِ، وَيُقَدَّرُ الْمُدَّعَى بِهِ وَالْمَقْبُوضُ كَالْعِوَضَيْنِ فِيمَا يَجُوزُ بَيْنَهُمَا وَمَا يُمْنَعُ، وَتَمْنَعُ الْجَهَالَةُ وَالْغَرَرُ وَوَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ مِنْ جِنْسٍ إلَى أَجَلٍ وَالْوَضْعُ عَلَى التَّعْجِيلِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُشْبِهُ اهـ.
وَهَذَا كُلُّهُ مُنْدَرِجٌ فِي قَوْلِهِ (فَجَائِزٌ فِي الْبَيْعِ) الْبَيْتُ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ (كَالصُّلْحِ بِالْفِضَّةِ) إلَى أَنَّهُ كَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَبِيعَ فِضَّةً مَصُوغَةً بِفِضَّةٍ مَسْكُوكَةً أَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ ذَهَبٍ مَسْكُوكًا بِذَهَبٍ مَصُوغٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فَكَذَلِكَ يَمْتَنِعُ الصُّلْحُ عَنْ أَحَدِهِمَا بِجِنْسِهِ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَقَلَّ وَلَوْ يَدًا بِيَدٍ لِفَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَكَذَلِكَ يَمْتَنِعُ الصُّلْحُ عَنْ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ، وَبِالْعَكْسِ نَسِيئَةً، وَلَوْ مِثْلًا بِمِثْلٍ لِفَوَاتِ الْمُنَاجَزَةِ، وَأَمَّا
أَخْذُ الْفِضَّةِ عَنْ فِضَّةٍ قَدْرِهَا، أَوْ ذَهَبٍ عَنْ ذَهَبٍ قَدْرِهِ، وَلَوْ نَسِيئَةً، فَجَائِزٌ لِأَنَّ هَذَا اقْتِضَاءُ دَيْنٍ لَا صُلْحٌ فَقَوْلُهُ كَالصُّلْحِ بِالْفِضَّةِ أَيْ عَنْ الْفِضَّةِ أَيْضًا، لَكِنْ تَفَاضُلًا، وَقَوْلُهُ أَوْ بِالذَّهَبِ أَيْ عَنْ الذَّهَبِ أَيْضًا مُتَفَاضِلًا. قَوْلُهُ أَوْ بِتَأَخُّرٍ أَيْ الصُّلْحُ عَنْ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ، أَوْ الْعَكْسِ مِنْ غَيْرِ يَدٍ بِيَدٍ.
وَكَذَا الصُّلْحُ عَنْ أَحَدِهِمَا بِجِنْسِهِ غَيْرِ يَدٍ بِيَدٍ، لَا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ مِنْ الدَّيْنِ، وَقَدْ نَقَلَ الْمَوَّاقُ فِي قَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ:" وَجَازَ عَنْ دَيْنٍ بِمَا يُبَاعُ بِهِ فُرُوعًا خَمْسَةً، عَنْ ابْنِ يُونُسَ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ. وَقَدْ نَقَلْنَا عَنْهُ فِي فَصْلِ بَيْعِ الدَّيْنِ. فَلِذَلِكَ لَمْ نُعِدْهُ هُنَا (ابْنُ الْحَاجِبِ) " الصُّلْحُ عَنْ الدَّيْنِ كَبَيْعِ الدَّيْنِ، وَيُقَدَّرُ الدَّيْنُ، وَالْمَقْبُوضُ كَالْعِوَضَيْنِ فَيُعْتَبَرُ: ضَعْ، وَتَعَجَّلْ، وَحُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدُكَ، وَبَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ " (التَّوْضِيحُ) عُطِفَ قَوْلُهُ:" فَيُعْتَبَرُ ضَعْ " بِالْفَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَالنَّتِيجَةِ عَمَّا قَبْلَهُ، " وَضَعْ وَتَعَجَّلْ " يَكُونُ فِي الْعَيْنِ وَغَيْرِهِ، كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ عَشْرَةِ أَثْوَابٍ إلَى شَهْرٍ فَأَقَرَّ بِذَلِكَ، ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى ثَمَانِيَةٍ نَقْدًا، " وَحُطَّ الضَّمَانَ، وَأَزِيدُكَ " إنَّمَا يَكُونُ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ كَمَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِعَشْرَةِ أَثْوَابٍ إلَى شَهْرٍ، فَصَالَحَهُ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ نَقْدًا، وَإِنْ صَالَحَهُ عِنَبًا بِدَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ، أَوْ دَرَاهِمَ مُؤَجَّلَةٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ:" وَبَيْعُ الدَّيْنِ بِالدِّينِ "، وَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ الصَّرْفُ الْمُؤَخَّرُ كَمَا لَوْ صَالَحَهُ عَلَى دَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ بِدَرَاهِمَ، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ ادَّعَى بِطَعَامٍ مِنْ بَيْعٍ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ مَا يُصَالِحُ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَمْ يَجُزْ. وَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي صُلْحِ الْوَلَدِ لِلزَّوْجَةِ عَلَى إرْثِهَا مَعْرِفَتَهَا لِجَمِيعِ التَّرِكَةِ، وَحُضُورَ أَصْنَافِهَا، وَحُضُورَ مَنْ عَلَيْهِ الْعَرْضُ، وَإِقْرَارَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ. وَكَانَ الْمُصَنِّفُ عَبَّرَ بِالْمَوَانِعِ الثَّلَاثَةِ عَلَى مَا عَدَاهَا اهـ.
وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ الشُّيُوخِ هَذِهِ الْمَوَانِعَ الَّتِي تُتَّقَى فِي بَيْعِ الدَّيْنِ بِقَوْلِهِ:
جَهْلًا وَفَسْخًا وَنَسَا وَحُطَّ ضَعْ
…
وَالْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ إنْ صَالَحْتَ دَعْ
أَيْ إنْ صَالَحْتَ فَدَعْ أَيْ اُتْرُكْ الْجَهْلَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَهُوَ فَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ، وَرِبَا النَّسَاءِ أَيْ التَّأَخُّرِ فِي الصَّرْفِ مَثَلًا، وَحُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدُكَ وَضَعْ وَتَعَجَّلْ، وَبَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ (فَرْعَانِ: الْأَوَّلُ) :.
اُخْتُلِفَ فِي الصُّلْحِ عَنْ تَرْكِ الْقِيَامِ بِالْعَيْبِ فَابْنُ الْقَاسِمِ يَرَى أَنَّهُ مُبَايَعَةٌ بَعْدَ فَسْخِ الْأَوَّلِ، يُعْتَبَرُ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ وَفَسْخِ دَيْنٍ وَأَشْهَبُ يَرَى الْبَيْعَ الْأَوَّلَ بَاقِيًا وَهَذَا عِوَضٌ عَنْ الْإِسْقَاطِ، فَيَعْتَبِرُ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنْ سَلَفٍ جَرَّ مَنْفَعَةً وَفَسْخِ دَيْنٍ اُنْظُرْ مَا يَنْبَنِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ابْنِ الْحَاجِبِ فِي التَّوْضِيحِ أَوَّلَ بَابِ الصُّلْحِ (الثَّانِي) مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَوَازِ الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ هُوَ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِلَّا فَلِجَوَازِهِ شُرُوطُهُ، فَشُرُوطُهُ عِنْدَ مَالِكٍ ثَلَاثَةٌ: وَهُوَ أَنْ يَجُوزَ عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي، وَعَلَى إنْكَارِ الْمُنْكِرِ، وَعَلَى ظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَابْنُ الْقَاسِمِ يَشْتَرِطُ الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ. وَأَصْبَغُ يَشْتَرِطُ شَرْطًا وَاحِدًا: وَهُوَ أَنْ لَا تَتَّفِقَ دَعْوَاهُمَا عَلَى فَسَادٍ. اُنْظُرْ بَيَانَ ذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ.
وَالصُّلْحُ بِالْمَطْعُومِ فِي الْمَطْعُومِ
…
نَسِيئَةً رُدَّ عَلَى الْعُمُومِ
وَالْوَضْعُ مِنْ دَيْنٍ عَلَى التَّعْجِيلِ
…
أَوْ الْمَزِيدُ فِيهِ لِلتَّأْجِيلِ
وَالْجَمْعُ فِي الصُّلْحِ لِبَيْعٍ وَسَلَفْ
…
وَمَا أَبَانَ غَرَرًا بِذَا اتَّصَفْ
وَالصُّلْحُ بِالْمَطْعُومِ قَبْلَ الْقَبْضِ
…
مِنْ ذِمَّةٍ فَذَاكَ غَيْرُ مَرْضِي
وَإِنْ يَكُنْ يَقْبِضُ مِنْ أَمَانَهْ
…
فَحَالَةُ الْجَوَازِ مُسْتَبَانَهْ
. جَمِيعُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْأَبْيَاتُ الْخَمْسُ، هُوَ مِمَّا انْدَرَجَ فِي قَوْلِهِ:" قَبْلُ " وَهُوَ كَمِثْلِ الْبَيْعِ، إلَى أَنْ قَالَ
فَجَائِزٌ فِي الْبَيْعِ جَازَ مُطْلَقَا
…
فِيهِ وَمَا اُتُّقِيَ بَيْعًا يُتَّقَى
وَقَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَسَائِلَ:
(الْأُولَى) - مَنْ لَك عَلَيْهِ طَعَامٌ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ وَدِيعَةٍ، أَوْ هِبَةٍ فَصَالَحْتَهُ بِطَعَامٍ آخَرَ إلَى أَجَلٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ، وَفَسْخُ دَيْنٍ فِي دِينٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الطَّعَامُ الَّذِي لَكَ عَلَى الْغَرِيمِ مِنْ بَيْعٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَأْخُذَ عَنْهُ غَيْرَهُ، لَا طَعَامًا وَلَا غَيْرَهُ لَا نَقْدًا وَلَا إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَفَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، (قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي مُنْتَخَبِهِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَسَأَلْتُ مُطَرِّفًا وَابْنَ الْمَاجِشُونِ عَنْ الصُّلْحِ يَقَعُ بِمَا لَا يَجُوزُ التَّبَايُعُ بِهِ.
مِثْلُ الرَّجُلِ يَدَّعِي عَلَى الرَّجُلِ شَعِيرًا، فَيُصَالِحَهُ بِقَمْحٍ إلَى أَجَلٍ، فَقَالَ: لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ بِمَا ذَكَرْتَ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ صُرَاحٌ، وَالصُّلْحُ بِهِ مَفْسُوخٌ إنْ عُثِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَ، فَإِنْ فَاتَ قَبْلَ الْفَسْخِ؛ صُحِّحَ بِالْقِيمَةِ عَلَى قَابِضِهِ، كَمَا يُصَحَّحُ الْبَيْعُ الْحَرَامُ إذَا فَاتَ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ فِي دَعْوَاهُ الْأُولَى، إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا صُلْحًا آخَرَ بِمَا يَجُوزُ بِهِ الصُّلْحُ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ:" فَصَالَحَهُ بِقَمْحٍ إلَى أَجَلٍ " أَنَّهُ لَوْ صَالَحَهُ بِقَمْحٍ عَجَّلَهُ لَهُ جَازَ وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ إنْ كَانَ كَمِثْلِ الشَّعِيرِ فِي الْكَيْلِ، وَهَذَا أَيْضًا إذَا كَانَ الشَّعِيرُ تَرَتَّبَ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ وَدِيعَةٍ، أَوْ نَحْوِهَا، وَأَمَّا إنْ تَرَتَّبَ مِنْ شِرَاءٍ، فَإِنْ قُلْنَا الْمُخَالَفَةُ فِي الصِّنْفِ كَالْمُخَالَفَةِ فِي الْجِنْسِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ كَالْمُخَالِفِ فِي الْجِنْسِ جَازَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَذَكَّرْ قَوْلَهُ فِي بُيُوعِ الْآجَالِ، وَهَلْ غَيْرُ صِنْفِ طَعَامِهِ كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ مُخَالِفٌ، أَوْ لَا تَرَدُّدَ؟ وَإِلَى هَذَا الْفَرْعِ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ فَقَوْلُهُ:" نَسِيئَةً " حَالٌ مِنْ الْمَطْعُومِ الْأَوَّلِ، " وَفِي " الدَّاخِلَةُ عَلَى الْمَطْعُومِ الثَّانِي بِمَعْنَى " عَنْ "، وَجُمْلَةُ رُدَّ خَبَرُ الصُّلْحِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ:" عَلَى الْعُمُومِ " أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسَيْنِ، كَقَوْلِ مُؤَخَّرٍ عَنْ قَمْحٍ، أَوْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مُخْتَلِفِ الصِّنْفِ مُتَّفِقِ الْقَدْرِ، كَقَمْحٍ مُؤَخَّرٍ عَنْ شَعِيرٍ، أَوْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَصِنْفٍ وَاحِدٍ، كَقَمْحٍ مُؤَخَّرٍ عَنْ قَمْحٍ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ مَمْنُوعَةٌ فِي الْبَيْعِ، فَتُمْنَعُ فِي الصُّلْحِ أَيْضًا، فَالْمَنْعُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِلنَّسَاءِ فَقَطْ، وَفِي الثَّالِثِ لِلْفَضْلِ وَالنَّسَاءِ مَعًا، وَأَمَّا أَخْذُ قَمْحٍ مَثَلًا مُؤَخَّرٍ عَنْ قَمْحٍ مُمَاثِلٍ لِلْأَوَّلِ فِي الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ، فَلَيْسَ بِصُلْحٍ وَإِنَّمَا هُوَ اقْتِضَاءٌ بَعْدَ تَأْجِيلٍ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) - الْوَضْعُ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى تَعْجِيلِهِ. كَأَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ عَشْرَةً إلَى شَهْرٍ، فَيَقُولُ: أَعْطِنِي ثَمَانِيَةً نَقْدًا. فَهَذَا مَمْنُوعٌ فِي الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ فِي الصُّلْحِ، وَلَعَلَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي تَسْمِيَتِهِ بَيْعًا أَوْ صُلْحًا، وَوَجْهُ مَنْعِهِ أَنَّ مَنْ عَجَّلَ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ يُعَدُّ مُسَلِّفًا، فَقَدْ سَلَّفَ الْآنَ ثَمَانِيَةً لِيَقْتَضِيَ مِنْ نَفْسِهِ عَشْرَةً عِنْدَ الْأَجَلِ، فَهُوَ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا، وَكَذَلِكَ تَأْخِيرُ الدَّيْنِ لِلزِّيَادَةِ فِيهِ، كَمَنْ كَانَ لَكَ عَلَيْهِ عَشْرَةٌ حَلَّتْ، فَأَخَّرْتَهُ شَهْرًا مَثَلًا لِيُعْطِيَكَ أَحَدَ عَشْرَ، لِأَنَّ مَنْ أَخَّرَ مَا وَجَبَ لَهُ عُدَّ مُسَلِّفًا، فَقَدْ سَلَّفَ لِيَنْتَفِعَ وَإِلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ " وَالْوَضْعُ مِنْ دَيْنٍ " الْبَيْتَ (قَالَ فِي الْمُفِيدِ) : وَاَلَّذِي لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ فِيهِ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ قِبَلَ الرَّجُلِ حَقٌّ إلَى أَجَلٍ، فَيُصَالِحَهُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ بَعْضَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَيَحُطَّ عَنْهُ بَعْضَهُ فَهَذَا لَا يَجُوزُ.
(وَفِي الرِّسَالَةِ) وَكَانَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ فِي الدُّيُونِ إمَّا أَنْ يَقْضِيَهُ، وَإِمَّا أَنْ يُرْبِيَ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ وَلَا تَجُوزُ الْوَضِيعَةُ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى تَعْجِيلِهِ، وَلَا التَّأْخِيرُ بِهِ عَلَى الزِّيَادَةِ فِيهِ، وَإِلَى هَذَا الْفَرْعِ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْجَمْعُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ. فَكَمَا يَمْتَنِعُ فِي بَابِ الْبُيُوعِ يَمْتَنِعُ فِي بَابِ الصُّلْحِ (قَالَ الشَّارِحُ) : وَمِثَالُ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ فِي الصُّلْحِ أَنْ يَكُونَ لِلْغَرِيمِ قِبَلِ غَرِيمِهِ دِينَارٌ، وَهُوَ لَهُ مُنْكِرٌ أَوْ بِهِ مُقِرٌّ، فَيَصْطَلِحَانِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ عَرَضًا بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَيُؤَخِّرَهُ بِالنِّصْفِ الْبَاقِي إلَى أَجَلٍ، فَقَدْ اجْتَمَعَ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ، لِأَنَّ الْعَرَضَ مَبِيعٌ بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ مِنْ الدِّينَارِ سَلَفٌ إلَى الْأَجَلِ الَّذِي أَخَّرَهُ إلَيْهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَالْجَمْعُ فِي الصُّلْحِ لِبَيْعٍ وَسَلَفْ
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) الصُّلْحُ بِمَا فِيهِ غَرَرٌ. كَالْعَبْدِ الْآبِقِ، وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ، فَكَمَا يَمْتَنِعُ بَيْعُ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ الصُّلْحُ بِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَمَا أَبَانَ غَرَرًا بِذَا اتَّصَفْ
(الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) أَنْ يُصَالِحَ عَنْ دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ، بِطَعَامٍ لَمْ يَقْبِضْهُ مِنْ ذِمَّةِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، فَكَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ بِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الطَّعَامُ الْمُصَالَحُ بِهِ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا؛ فَيَجُوزُ الصُّلْحُ بِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنْ مُصَالَحَةِ الْوَرَثَةِ لِزَوْجِ الْمُتَوَفَّى وَمَا لَا يَجُوزُ مَا نَصُّهُ (قُلْتُ) : فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مِنْ سَلَمٍ