الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس: الدروس المستفادة
…
المبحث الخامس: الدّورس المستفادة:
يتبيّن من إسناد النّبي صلى الله عليه وسلم قيادة هذه السرية لسيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه، مدى ما كان يتمتع به عليه السلام من حنكة عسكرية فذّة، وذكاءٍ منقطع النظير، فخالد بن الوليد رضي الله عنه هو القائد المظَفَّر، وبطل مؤتة المُتَوَّج، ولا بُدّ أنّه أصبح معروفاً معرفةً تامّةً لدى القبائل العربية المنتصرة التي واجهته في مؤتة، وعرفت مدى ما كان يتمتّع به مِن ذكاءٍِ قياديّ، وحنكةٍ عسكريةٍ، فأراد النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يستثمر هذا النجاح لخالد ضدَّهم، ويرميهم به ليتحصَّل على أفضل النتائج المرجوة بأقل قدرٍ ممكنٍ من الخسائر، وتلك استراتيجية الرسول القائد صلى الله عليه وسلم دائماً مع أعدائه.
قال الأكيدر لخالد: "والله ما رأيتها قط جاءتنا إلاّ البارحة - يريد البقر - ولقد كنت أضمّر لها إذا أردت أخذها، فأركب لها اليوم واليومين".
ويحقُّ للأكيدر وأهله أن يتعجّبوا من فِعل البَقَر تلك الليلة، لأنّه أمر خلاف العادة، وهكذا المعجزات النّبويّة دائماً تكون خارقة للعادات، ولقد كانت تلك قدرة إلهية، ومعجزة نبويّة، هيأها الله تبارك وتعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم تأييداً له وتمكيناً على أعدائه، فما كانت البقر لتأتي لحتفها بنفسها لولا أنّ خالقها أمرها بذلك، وساقها بلا سائق إلى ذلك المصير، فالبقر وإن كانت حيواناً لا يعقل، ولكنها بفطرتها التي فطرها الله عليها تُدرك مكامن
الخطر ومدارك الهلكة، فتبتعد عنها كثيراً، وهو الأمر الذي تعوَّده الأكيدر عنها حيث كان يضمّر لها الخيل، ويستعد لها ثُمّ يركب في طبلها اليوم واليومين حتّى يجدها في مكامنها البعيدة عن الخطر، ولكن قدر الله عز وجل، وقدرته العلية، وأمره الذي لا يُردّ، سخّر ذلك البقر لنبيّه صلى الله عليه وسلم وجعله في خدمة أهدافه وطوّعه جندياً مجنّداً من جنوده، يستدرج به أعداءه بعيداً عن دار عِزه وسلطانه ليقع فريسة سهلة المنال في يد الجندي الآخر خالد بن الوليد رضي الله عنه، الذي خرج في طاعة قائده وإمامه صلى الله عليه وسلم، ومنطلقاً دونما جدال ولا مناقشة، مِمَّا يدل على ما كان يتمتع به سلفنا الصالح - رضي الله تعالى عنهم - مِنَ الإيمان المُطلق بنبيّهم صلى الله عليه وسلم، وتصديقه فيما يقول، وطاعتهم لولي الأمر، وتأدّبهم الجم مع مقامه الشريف عليه السلام، ومعرفتهم حقّ الإمام من الطاعة فيما يأمر بمعروف.
قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه حينما رآهم يتعجّبون من الجُبَّة التي أهداها له الأكيدر: "أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنّة أحسن من هذا". هذه الحادثة على بساطتها توضح لنا أمرين على درجةٍ كبيرةٍ من الأهمية:
الأمر الأوّل: معرفة مدى ما كان عليه الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - من البساطة، والتواضع، والزهد، وترك بهرج الدنيا، ربّاهم على ذلك المربِّي الأوّل، رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي مات وهو لم يشبع من خُبز الشعير بأبي هو وأُمي، وهو الذي لو أراد لَحِيزَت له الدُّنيا بأسرها.
الأمر الثّاني: معرفة مدى تفاهة متاع الدنيا وملذاتها، مقارنةً بنعيم الآخرة، وما أعدّه الله تبارك وتعالى للمتّقين في جنّات النعيم، فحُلَّة الديباج المنسوجة بالذهب لا تساوي شيئاً إذا قيست بمناديل الجنّة التي هي ليست من اللباس، بل دونه، فما بالك بلباسها؟!.
وهكذا كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يُرَبِّي أصحابه مُوَضحاً لهم أنّ الدُّنيا بملذّاتها ونعيمها، وبما فيها من ذهبٍ وفضّةٍ وحريرٍ وديباجٍ، لا تساوي شيئاً يُذكر بِمَا أعدّه الله تبارك وتعالى لعباده في جنّاتٍ فيها ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر.
وحينما يعرف الإنسان المؤمن التقيّ هذه الحقيقة الناصعة، فإنّه يكون أدعى لترك ما في الدنيا من ملذّات وشهوات، وأقرب للزهد فيها، والتّطلّع لِما ادّخره الله عز وجل لعباده المتّقين بالعمل الصالح، والجدّ في الطاعة، والتّقى والعفاف {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُون} . [سورة المطفِّفين، الآية:26] .
وقد آتت هذه التربية العظيمة أكلها وأينعت ثمارها مع سلفنا الصالح - رضي الله تعالى عنهم - وهكذا رأيناهم حينما فتحت لهم الدّنيا، وانساقت إليهم بحذافيرها، لم يغرّهم بهرجها، ولم ينخدعوا بنعيمها، ولم ينساقوا وراءها، بل كانوا أزهد الناس فيها، فملكوها ولم تملكهم، وساقوها بزمام التقى، والعفاف، وغنى النفس، والورع، والزهد، ولم تسقهم بزمام الشهوات، والملذّات، والنعيم الزائل، والمعاصي الموبقة، روَّضوها لطاعة الله وجعلوها دار عبور وممرّ، وطريقاً إلى الجنّة، ولم تروّضهم لشهواتها وملذاتها، فتجعلها طريقاً لهم إلى النار، ولم يتّخذوها دار بقاء وقرار.
إنّه عندما عرف السلف حقيقة هذه الدّنيا الفانية، دانت لهم فدانت لهم أممها من أقطارها، وعندما ضيَّع الخلف هذه المفاهيم الصحيحة، ولم يعرفوا الدّنيا على حقيقتها، دانوا لها، فتداعت عليهم أُممها من أقطارها:{إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفِسِهِم} . [سورة الرعد، الآية: 11] .