الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الرابع: سير الأحداث:
في شهر شوَّال من السنة السابعة من مُهَاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم:
[1]
"قدم رجل من أشجع، يُقال له، حُسَيْل بن نويرة، وقد كان دليل النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أين يا حُسيل؟ قال: "قدمت من الجناب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما وراءك؟ قال: "تركت جمعاً من غطفان بالجناب، وقد بعث إليهم عُيَيْنة يقول لهم: "إمَّا تسيروا إلينا وإمَّا نسير إليكم، فأرسلوا إليه أن سِرْ إلينا حتَّى نزحف إلى محمَّدٍ جميعاً، وهم يريدونك، أو بعض أطرافك"1".
وكعادته صلى الله عليه وسلم في استباق الأحداث، وسياسته المتبعة مع الأعداء عامَّة، والأعراب خاصَّة، بالتحرُّك سريعاً للقضاء على قُوَّة العدو، ووئدها في مهدها، قبل أن تستفحل وتنتشر، ولأنَّ لِعُيَيْنَة سابقة من هذا النوع من قبل، سارع النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم باستدعاء صاحبيه، ووزيريه (أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق رضي الله عنهما ، وشاورهما في الأمر:
1 أخرجه الواقدي (مغازي 2/728) ، عن يحيى بن عبد العزيز عن بشير بن محمّد عن عبد الله بن زيد، وسنده فيه رجال غير معروفين. كما أنّ فيه انقطاعاً بين بشير بن محمّد وبين قوله: قدم رجل من أشجع. فإنه لم يدرك النّبيّ صلى الله عليه وسلم. ورواه نقلاً عن الواقدي كُلّ من الطبري (التاريخ 3/23) ، والبيهقي (الدلائل 4/301) ، وابن كثير (البداية 4/223) ، والذهبي (التاريخ 451) .
[2]
"فقالا جميعاً: "ابعَث بشير بن سعد! فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيراً، فعقد له لواء، وبعث معه ثلاثمائة رجل، وأمرهم أن يسيروا الليل، ويكمنوا النَّهار، وخرج معهم حُسيل بن نويرة دليلاً1".
[3]
"فساروا الليل، وكمنوا النهار، حتَّى أتوا إلى يمن وجبار، وهي نحو الجناب، والجناب يعارض سلاح، وخيبر ووادي القرى، فنزلوا بسلاح2، ثُمَّ دنوا من القوم3".
1 من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم [1] .
2 قال ياقوت: "سلاح كأنه على وزن قطام، موضع أسفل من خيبر، وسلاح - أيضاً، ماء لبني كلاب شبكة ملحة لا يشرب منه أحد إلَاّ سلح"(معجم 3/233) .
وقال العباسي: "أخرج أبو داود، والطبراني بسندٍ جيِّدٍ حديث ابن عمر "يوشك المسلمون أن يخلصوا إلى المدينة حتى يكون أدنى مسالحهم بسلاح".
قلت: أخرجه أبو داود (انظر: عون المعبود 11/321) . قال: "حدّتُ عن ابن وهب، قال: أخبرنا جرير بن حازم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال: قال سول الله صلى الله عليه وسلم:
…
، ثُمَّ ذكره نحوه. قال المنذري: فيه مجهول؛ لأنَّ أبا داود قال: حُدِّثت، ولم يبيِّن مَنْ حدَّث به. ويقول البلادي: تقع سلاح إلى طرف قرية العشاش من الجنوب. وهي من قرى بلدة خيبر. وهي على ربوة ترتفع عن مجرى السيل. فُقْر عين سلاح القديمة مجصَّصة ظاهرة. وظلّت سلاح محطَّة للحُجَّاج حتّى تحوَّل الطريق الشامي إلى تبوك. فالعُلا، فاندثرت. ثُمَّ بنى بعض العنَزيين عشاشاً بجوار البلد القديم فسُمِّيَت العشاش. ولمَّا عُبِّدَ طريقُ الحجاز أخذت العشاش في الانتعاش وحفر أهلها آباراً على فُقُر عين سلاح القديمة. ولكنَّ الماء ليس غزيراً. وعليها اليوم زراعة وبها مقاهٍ ومحطَّات محروقات. (رحلات في بلاد العرب26-28) .
3 أخرجه ابن سعد (طبقات 2/120) مُعَلَّقاً بلفظ: قالوا، عن شيوخه.
[4]
"فقال لهم الدَّليل: "بينكم وبين القوم ثُلُثا نهار أو نصفه، فإن أحببتم كمنتم1، وخرجت طليعة لكم حتى آتيكم بالخبر، وإن أحببتم سرنا جميعاً". قالوا:"بل نقدِّمك، فقدَّموه فغاب عنهم ساعة، ثُمَّ كرَّ2 عليهم، فقال: "هذا أوائل سرحهم، فهل لكم أن تغيروا عليهم؟ فاختلف أصحاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم:"إنْ أغرنا الآن حذِرَنَا الرجال والعَطَن3". وقال آخرون: "نغنم ما ظهر لنا ثُمَّ نطلب القوم4".
ثُمَّ إنَّهم أغاروا على سرح القوم، فأصابوا نعماً كثيرة ملأوا منها أيديهم:
[5]
"وتفرَّق الرعاء فحذَّروا الجمع، فتفرَّقوا ولحقوا بعلياء بلادهم، وخرج بشير بن سعد في أصحابه حتَّى أتوا محالّهم فيجدها وليس فيها أحد"5".
[6]
"فرجع بالنعم حتَّى إذا كانوا بسلاح راجعين لقوا عَيْناً6 لعُيينة فقتلوه، ثُمَّ لقوا جمع عيينة، وعيينة لا يشعر بهم، فناوشوهم، ثُمَّ
1 كمن له: استخفى، والكمين: القوم يكمنون في الحرب. (القاموس: كمن) .
2 كرَّ عليه: عطف. (القاموس: كرَّ) .
3 العَطَن - محرَّكة - وطن الإبل ومبركها حول الحوض، ومربض الغنم حول الماء.
4 من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم [1] .
5 من رواية ابن سعد عن شيوخه، وقد سبق تخريجها برقم [3] .
6 العين: الجاسوس.
انكشف جمع عيينة، وتبعهم أصحاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فأصابوا منهم رجلاً أو رجلين فأسروهما أسراً1".
ونفَّذ عُيينة بجلده هارباً، بعد أن دخله الرعب من المسلمين، فانهزم
على فرس له عتيق يعدو به عدواً سريعاً، لا يلوي على شئ، حتَّى إنَّ حليفة الحارث بن عوف المري لمَّا استوقفه ليسأله عن شأنه، ردَّ عليه:
[7]
"لا ما أقدرُ! الطلب خلفي! أصحاب محمَّد! وهو يركض". قال الحارث بن عوف: "أما لك بعد أن تبصر ما أنت عليه؟ إنَّ محمَّداً قد وطئ البلاد وأنت مُوضِعٌ في غير شيء". قال الحارث: "فتنحيت عن سَنن2 خيل محمَّد حتَّى أراهم ولا يروني، فأقمت من حين زالت الشمس إلى الليل، ما أرى أحداً - وما طلبوه إلَاّ الرعب الذي دخله". قال: "فلقيته بعد ذلك، فقال الحارث: "فلقد أقمت في موضع حتى الليل، ما رأيت من طلب". قال عيينة:"هو ذاك، إني خفتُ الإسار، وكان أثري عند محمَّدٍ ما تعلم في غير موطن". قال الحارث: "أيُّها الرجل، قد رأيت ورأينا معك أمراً بيِّناً في بني النضير، ويوم الخندق، وقريظة، وقبل ذلك قينقاع، وفي خيبر، إنَّهم كانوا أعزّ يهود الحجاز كُلِّه، يُقِرُّون لهم بالشجاعة والسَّخاء، وهم أهل حُصون منيعة، وأهل نخل، واللهِ إن كانت
1 من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم [1] .
2 سَنَنُ الطريق، مثلثة وبضمتين: نهجه وجهته. (القاموس: سن) .
العرب لتلجأ إليهم فيمتنعون بهم، لقد سار حارثة بن الأوس حيث كان بينهم وبين قومهم ما كان فامتنعوا بهم من النَّاس، ثُمَّ قد رأيت حيث نزل بهم كيف ذهبت تلك النجدة وكيف أُديل عليهم". فقال عيينة:"هو واللهِ ذاك، ولكنَّ نفسي لا تُقِرّني". قال الحارث: "فادخل مع محمَّد، قال: "أصير تابعاً! قد سبق قومٌ إليه فهم يزرُون1 بمن جاءَ بعدهم يقولون: "شهدنا بدراً وغيرها". قال الحارث: "وإنَّما هو على ما ترى، فلو تقدَّمنا إليه لكُنَّا من عِليَة أصحابه، قد بقي قومُه بعدهم منه في مُوادعَة وهو مُوقِعٌ بهم وقعةً، ما وُطِئَ له الأمْرُ". قال عُيينة: "أرى واللهِ! فاتَّعدا يُريدان الهجرة والقُدوم على النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إلى أن مرَّ بهما فروة بن هبيرة القُشَيْري يُريد العُمرة وهما يتقاولان، فأخبراه بما كانا فيه وما يُريدان". قال فروة: "لو استأنيتم حتى تنظروا ما يصنع قومه في هذه المُدَّة التي هُم فيها وآتيكم بخبرهم! فأخَّروا القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضى فَرْوَة حتَّى قدم مكَّة فتحسَّب من أخبارهم، فإذا القوم على عداوة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، لا يريدون أن يدخلوا طائعين أبداً، فخبَّرهم بما أوقع محمَّد بأهل خيابر2". قال فروة:
1 زرى عليه زرياً وزراية ومزرية ومزراة وزُرياناً بالضم: عابه، وعاتبه. (القاموس: زرى) .
2 خيبر.
"وقد تركت رؤساء الضاحية على مثل ما أنتم عليه من العداوة لمُحَمَّد". قالت قريش: "فما الرأي، فأنت سيِّد أهل الوبر؟ قال: "نقضي هذه المدَّة التي بينكم وبينه، ونستجلب العرب، ثُمَّ نغزوه في عُقْرِ داره، وأقام أياماً يجول في مجالس قريش، ويسمع به نَوْفَل ابن معاوية الدِّيَلِيِّ، فنَزل من باديته فأخبره بما قال لقُرَيْش، فقال نَوْفَل:"إذاً لأجِدُ عندكم شيئاً! قدمت الآن لمقدمك حيث بلغني، ولنا عدوٌّ قريبٌ دارُه، وهم عَيْبَة نُصْح محمَّد لا يغيبون عليه حرفاً من أُمورنا، قال: "من هُم؟ قال: "خُزاعة، قال: "قَبُحَت خزاعة؛ قعدت بها يمينها! قال فروَة: "فماذا؟ قال: "استنصرْ قُرَيْشاً أن يعينونا عليهم، قال فروة:"فأنا أكفيكم". فلقي رؤساءَهم، صفوان ابن أُمَيَّة، وعبد الله بن أبي ربيعة، وسُهَيْل بن عمرو، فقال:"ألا ترون ماذا نزل بكم! إنَّكم رضيتم أن تدافعوا مُحَمَّداً بالراح". قالوا: "فما نصنع؟ قال: "تُعينون نَوْفَل بن مُعاوية على عدوِّه وعدوِّكم". قالوا: "إذاً يغزونا محمَّدٌ فيما لا قِبَلَ لنا به فيوطئنا غَلَبَةً، وننْزِل على حُكْمِهِ، ونحن الآن في مُدَّة وعلى ديننا". فلقي نوفل ابن معاوية، فقال: "ليس عند القوم شيء، ورجع فلقي عيينة والحارث فأخبرهم، وقال:"رأيت قومه قد أيقنوا عليه فقاربوا الرجل وتدبَّروا الأمر، فقدَّموا رِجْلاً وأخَّروا أُخرى1".
1 من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم [1] .