الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: السرايا والبعوث النبوية إلى فدك
المبحث الأول: سرية على بن أبي طالب رضي الله عنه إلى بني مرة بفدك
المطلب الأول: تعريف بفدك
…
المطلب الأول: التعريف بفدك:
فدك - بفتح أوَّله، وثانيه، وقيل:"بالفتح". وقيل: "بالتحريك، وآخره كاف، قال ابن دريد: "فدَّكت القطن تفديكاً إذا نفشته، وفدك:"قرية بالحجاز". قال عياض: "هي على يومين، وقيل: "ثلاثة من المدينة، وأقرب الطُّرُق من المدينة إليها من النَّقرة مسيرة يوم على جبل، يُقَال له الحِبَالَة والقذال، ثُمَّ جبل يُقَال له:"جُبار، ثُمَّ يَرْبغ، وهي قرية لولد الرِّضا، وهي كثيرة الفاكهة والعيون، ثُمَّ تركب الحرَّة عشرة أميال، فتهبط إلى فدك، قال الأصمعي: "حرَّة النَّار فدك". وطريق أُخرى، وهي طري مُصَدِّق بني ذبيان وبني محارب من المدينة إلى القصة، وهناك تُصدّق بنو عوال من بني ثعلبة بن سعد، ثُمَّ ينْزل نخلاً، فتصدّق الخضر خضر محارب، ثُمَّ ينْزل المغيثة فتصدّق سائر بني محارب، ثُمَّ الثَّامِلِيَّة لأشجع، ثُمَّ الرقمتين لبني الصَّادر، ثُمَّ مرتفقاً لبني قتَّال بن يربوع، ثُمَّ فدك، ثُمَّ الخُراضة، ثُمَّ خيبر، وفي فدك عين فوَّارة ونخيل كثيرة، وحصن فدك يُقال له: "الشمروخ، وقيل:"سُمِّيَت بفدك بن حام لأنه أوَّل من نزلها". وذكر البكري أنَّ أكثر أهلها أشجع".
وقال ياقوت: "كان أهلها يهود1، فلمَّا فتحت خيبر طلبوا من النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يتركوا له البلد، فكانت له خاصّةً، لأنَّها مِمَّا لم يُوجف
1 ربَّما كان يسكنها اليهود، وقبيلة أشجع، معاً، أو أنَّ اليهود كانوا هم سُكَّان المدينة، وقبيلة أشجع كانوا يسكنون حول المدينة ويشتركون مع يهودها بحلف مثل بقية القبائل الغطفانية الأخرى.
عليه بخيل ولا ركاب، فكان يصرف ما يأتيه منها في أبناء السبيل، وفي رواية:"أنَّهم صالحوه على النصف، ولم يزل أهلها بها حتى أجلى عمر رضي الله عنه اليهود فوجَّه إليهم من قوّم النصف، وعوَّضهم عنه، وأجلاهم إلى الشام".
ولمَّا قُبِضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة - رضي الله تعالى عنها: "إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نحلنيها1، فقال أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه: "أريد لذلك شهوداً، ولها قِصّة، ثُمَّ أدَّى اجتهاد عمر بن الخطَّاب - رضي الله تعالى عنه - بعده لمَّا فُتِحَت الفُتُوح واتَّسعت على المسلمين أن يرُدَّها إلى ورثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان عليُّ بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه، والعبَّاسُ بن عبد المطلب - رضي الله تعالى عنه - يتنازعان فيها، ويتخاصمان إلى عمر - رضي الله تعالى عنه، فيأبى أن يحكُم بينهما، ويقول: "أنتُما أعرف بشأنكما، ولمَّا ولي معاوية - رضي الله تعالى عنه - أقطعها مروان بن الحكم، ووهبها مروان لابنيه عبد الملك، وعبد العزيز، ثُمَّ صارت للوليد بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ولمَّا ولي الوليد استوهبا منه عمر بن عبد العزيز، فكانت له خالِصَةً تغُل له عشرة آلاف دينار، وكانت مِن أحبّ ماله إليه، ولكنَّه حينما ولي الخلافة، كتَبَ إلى عامله بالمدينة يأمره برد فدك إلى ولد فاطمة - رضي الله تعالى عنها، فلمَّا ولي يزيد بن عبد الملك قبضها، فلم تزل في أيدي بني أُمَيَّة حتى ولي السَّفَّاح
1 النَّحْلُ: هو العَطَاءُ بِلا عِوَض.
الخلافة فدفعها إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فكان هو القَيِّم عليها يُفَرِّقُها في بني علي بن أبي طالب، فلمَّا ولي المنصور وخرج عليه بنو الحسن قبضها عنهم، فلمَّا ولي المهدي أعادها عليهم، ثُمَّ موسى الهادي ومَن بعده إلى أيام المأمون، فجاءه رسول بني علي بن أبي طالب فطالب بها، فأمر أن يُسجل لهم بها، فكُتِبَ السجل وقُرِئَ على المأمون، فقام دعبل الشاعر وأنشد:
أصبح وجه الزمان قد ضحكا برد مأمون هاشم فدكا
ولمَّا استخلف جعفر المتوكل ردَّها إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه ".
وفدك: "قرية مشهورة، وقد استغرب مجد الدين الفيروزآبادي الذي عاش في القرن الثامن، والسمهودي في القرن التاسع، عدم معرفة أهل المدينة لها في ذلك الوقت على شهرتها، فربَّما كان ذلك بسبب خرابها، فقد ذكر الحلبي الذي عاش في القرن العاشر أنَّها كانت خراباً في عهده، أو ربَّما لتغيُّر اسمها ففدك اليوم تُعْرَف بالحائط، وتقع ضمن نطاق منطقة حائل الإدارية بين محافظة الحليفة ومحافظة خيبر، وجُلّ أهلها اليوم هم من قبيلة الرشايدة1".
1 انظر: البكري: معجم 3/1015 - 1016 - ياقوت الحموي: معجم 4/238 - 240، الحميري: الروض 438، السمهودي: وفاء 4/1280 - 1281، الحلبي: سيرة 3/185، البلادي: معجم 235.
هذا ومن الملاحظ أنَّ منطقة عمليات السرايا لم تكن قرية فدك ذاتها، وإنَّما المنطقة المحيطة بها، والتي كانت تسكنها قبيلة بني مرّة، وقبيلة بني سعد بن بكر، ولكن باعتبار قربها من فدك تجوَّز أهل المغازي بنسبتها إليها".
قال الحلبي، والزرقاني، تعليقاً على أنَّ بشير بن سعد - رضي الله تعالى عنه - قائد السرية، تحامل على نفسه - حينما أُصيب هو ومَن معه - حتَّى أتى فدك فأقام بها أيّاماً حتَّى ارتفع من الجراح، قالا:"وهذا يدل على أنَّ بني مرّة الذين توجَّه إليهم بشير لم يكونوا بفدك، بل بالقرب منها، فتسمَّحوا في قولهم إلى بني مرّة بفدك لمجاورتها وكونها من أعمالها1". وكذلك الأمر بالنسبة لسرية علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - إلى بني سعد".
1 الحلبي: سيرة 3/192، الزرقاني: شرح 2/350.