الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: راوي الخبر وسياقه:
روى ابن هشام خبر السرية على أنه من زياداته على سيرة ابن
إسحاق فقال: "ومِمَّا لم يذكره ابن إسحاق من بعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه، سرية زيد بن حارثة إلى مدين". ذكر ذلك عبد الله بن حسن بن حسن1، عن أُمِّه فاطمة2 بنت الحسين بن علي - عليهم رضوان الله: "
[3]
"أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث زيد بن حارثة نحو مَدْيَن"
…
الحديث3.
قلت: "ولعلَّ ابن هشام - رحمه الله تعالى، وهم في عدم نسبة الحديث إلى ابن إسحاق، أو لعلَّ الحديث سقط من رواية البكائي، وهي الرواية التي هذَّبها ابن هشام من سيرة ابن إسحاق، ولم يطَّلِع ابن هشام على روايات الحديث الأُخرى، فالحديث أخرجه سعيد بن منصور من طريق "أبي شهاب"4 عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله بن الحسن، عن أُمِّه فاطمة بنت حسين، قالت:
1 عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، المدني، أبو محمَّد (ثقةٌ جليل القدر) من الخامسة، مات أوائل سنة خمسٍ وأربعين. (تقريب 300) .
2 فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمية المدنية، زوج الحسن بن الحسن بن علي (ثقةٌ) من الرابعة، ماتت بعد المائة وقد أسنَّت. (تقريب 751) .
3 من رواية ابن هشام، وقد سبق تخريجها برقم [2] .
4 عبد ربه بن نافع الكناني، الحنَّاط - بمهملة ونون - نزيل المدائن، أبو شهاب الأصغر (صدوق يهم) من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وسبعين. (تقريب 335) .
[4]
"بعَثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى مدينة مقنا"..1". الحديث.
وأخرجه ابن سعد كذلك من طريق "أبي شهاب" به نحوه2".
وعزاه لابن إسحاق كُلٌّ من: "ابن سيد النَّاس3، والشامي4، وتابعهما في ذلك الحلبي5".
أمَّا سياق الخبر ففيه اختلاف جوهري بين رواية سعيد، وابن سعد، ورواية ابن هشام، ففي رواية ابن هشام، ذكر أنَّ ضميرة وأخاه كانا من جنود السرية، بينما وقع في روايتي سعيد، وابن سعد أنَّ زيدَ بن حارثة رضي الله عنه، أصاب ضميرة فيمن أصاب من السَّبْي، ووقع مثل ذلك في روايات أُخَر، منها ما هو متابع، ومنها ما هو شاهد لروايتي سعيد، وابن سعد، وهي بالتأكيد أقوى سنداً من رواية ابن هشام".
فقد أخرج عبد الرَّزَّاق في المصنَّف، من طريق الثوري6، عن عبد الله بن حسن عن أُمِّه فاطمة بنت حسين:
1 من رواية ابن سعد، وقد سبق تخريجها برقم [1] .
2 من رواية ابن إسحاق عند سعيد بن منصور، وعند ابن سعد، وقد سبق تخريجها برقم [1] .
3 عيون الأثر 2/143.
4 سبل الهدى 6/153.
5 السيرة 3/185.
6 سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي (ثقةٌ، حافظٌ، فقيهٌ، عابدٌ إمامٌ، حُجَّة) من رؤوس الطبقة السابعة، وكان ربما دلَّس. مات سنة إحدى وستين. (تقريب 244) .
[5]
"أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بعث زيد بن حارثة في سرية فأصاب سبياً فجاء بهم"
…
ثُمَّ ذكر الحديث". إلَاّ أنَّه قال فيه: ""فاحتاج إلى ظهر1 فباع غلاماً منهم، فجاءت أُمّه فرآها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تبكي، فسأله". فقال: "احتجت إلى بعض ظهر فبعت ابنها". فقال له النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "ارجع فردَّه أو اشتره". فقال: "فوهبه بعد ذلك لعلي". قال: "فكان خازناً له". قال: "وولد له"2".
أمَّا الشاهد، كما ذكر ابن حجر3، فقد أخرجه البخاري في تاريخه من طريق ابن أبي ذئب4، عن حسين بن عبد الله بن ضميرة5، عن أبيه6، عن جده ضميرة:
1 الظهر: المراد به الراحلة، يُكَنَّى به عنها لأنه هو المقصود بالاستعمال منها.
2 أخرجه عبد الرَّزَّاق (المصنف8/307) وسنده منقطع. لأن فاطمةلم تسمع من النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
3 إصابة 2/214.
4 محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني (ثقةٌ، فقيهٌ، فاضلٌ) من السابعة، مات سنة ثمانٍ وخمسين، وقيل: سنة تسع. (تقريب 493) .
5 الحسين بن عبد الله بن أبي ضميرة، سعيد الحميري المدني، روى عن أبيه، وعنه زيد ابن الحباب وغيره (متروك الحديث) كذَّبه مالك وغيره، وقال عنه البخاري:(منكر الحديث ضعيف) .
انظر: (البخاري: الضعفاء الصغير 69، التاريخ الكبير 2/388، الذهبي: ميزان 1/538، ابن حجر: لسان 2/289) .
6 لم أعثر على ترجمته.
[6]
"أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مرَّ بأُمِّ ضميرة وهي تبكي". فقال: "ما يُبْكِيكِ؟ قالت: "يا رسول الله! فُرِّق بيني وبين ابني، فأرسل إلى الذي عنده ضميرة فابتاعه منه ببكر"12".
1 البكَر: بالفتح، ولد الناقة، والفتى منها. (القاموس: بكر) .
2 أخرجه البخاري (التاريخ 2/388 - 389)،وعزاه إليه ابن حجر (إصابة 2/214) وقال:"رويناه بعلو في الأول من حديث المخلّص، قال ابن صاعد: غريب تفرَّد به ابن وهب عن ابن أبي ذئب. قلت: ذكر ابن منده أنَّ زيد بن الحباب تابع ابن أبي ذئب فرواه عن حسين أيضاً، وأخرجه ابن منده من طريق ورَّاد".
قلت: والحديث مداره على الحسين بن عبد الله بن ضميرة، وهو متروك الحديث، كما مرَّ، ولكنَّ الحديث جاء من طُرُق، فقد أخرج أبو داود (كتاب الجهاد، باب في التفريق بين السبي، حديث رقم 2679) من حديث ميمون بن أبي شبيب، عن علي رضي الله عنه "أنه فرَّق بين جارية وولدها، فنهاه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وردَّ البيع".
وأخرجه الحاكم (مستدرك 2/136) بسنده عن ميمون به مثله، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في التلخيص.
قلت: ولكنَّ أبا داود قد أعلَّ الحديث بالانقطاع، بأنَّ ميمون لم يدرك عليّاً (انظر: عون المعبود 7/363) .
كما أخرج الحاكم من حديث شعبة عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي رضي الله عنه قال:"أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبيع أخوين من السبي فبعتهما، ثُمَّ أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ببيعهما، فقال: فرَّقت بينهما؟ قلت: نعم. قال: فارتجعهما، ثُمَّ بِعْهُما ولا تفرِّق بينهما". قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرِّجاه. ووافقه الذهبي (المستدرك 2/136) .
وهذا الحديث بهذا اللفظ أخرجه الترمذي (أبواب البيوع، باب ما جاء في كراهية أن يفرق بين الأخوين، أو بين الوالدة وولدها في البيع، حديث رقم 1302) من حديث ميمون، عن علي، وقال: هذا حديث حسن غريب.
وذكر الشوكاني (نيل الأوطار 5/162) الحديثين عن علي رضي الله تعالى عنه ثُمَّ قال: وحديث علي الأول رجال إسناده ثقات كما قال الحافظ، وقد صحَّحه ابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبان، والحاكم، والطبراني، وابن القطَّان. وحديثه الثاني هو من رواية ميمون بن أبي شبيب عنه، وقد أعلَّه أبو داود بالانقطاع بينهما. وأخرجه الحاكم وصحَّح إسناده، ورجَّحه البيهقي لشواهده.
وأخرجه ابن عبد البر من طريق ابن وهب1به نحوه2".
فكُلُّ هذه الروايات الأقوى سنداً من رواية ابن هشام، ذكرت أنَّ ضميرة كان من سبي تلك السرية، ولم يكن من جنودها". فلعلَّ ابن هشام - رحمه الله تعالى - وهم في ذلك أيضاً". والله تعالى أعلم".
1 عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمَّد المصري، الفقيه (ثقةٌ، حافظٌ عابدُ) من التاسعة، مات سنة سبعٍ وتسعين وله اثنتان وسبعون. (التقريب 328) .
2 الاستيعاب، هامش الإصابة2/214،وقال فيه:"ما يُبْكِيكِ، أجائعةٌ أنتِ أم عارية؟ ".