الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثّالث: سبب السّرية والمهمّة التي أُنيطت بها:
أشارت الروايات التي نقلت خبر السرية إلى أنّها كانت لتأديب القبائل وأهل القرى في تلك المنطقة الذين شاركوا في غزوة مؤتة ضدّ المسلمين، ففي رواية عروة، والزهري، وموسى بن عقبة:
[12]
"أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغير على مؤتة، وعلى جانب فلسطين، حيث أُصيب زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة"1. وفي رواية ابن سعد قال: "سِر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل"2.
وفصَّل الواقدي القول في ذلك، فقال:
[13]
"لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر مقتل زيد بن حارثة، وجعفر، وأصحابه، وَوجد عليهم وجداً شديداً، فلمّا كان يوم الإثنين لأربع ليالٍ بقين من صَفَر سنة إحدى عشرة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالتّهيّؤ لغزو الروم، وأمرهم بالانكماش3 في غزوهم، فتفرّق المسلمون من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم مُجِدّون في الجهاد، فلمّا أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد، يوم الثلاثاء لثلاثٍ بقين من
1 سبق تخريجها برقم: [1] .
2 سبق تخريجها برقم: [10] .
3 الانكماش: الإسراع.
صفر، دعا أُسامة بن زيد، فقال: يا أُسامة! سِر على اسم الله وبركته حتّى تنتهي إلى مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل
…
" 1.
قال العامري، والبنا:"ولذلك أمَّره على حداثة سنة، ليدرك ثأره"2.
قلت: ربّما يكون ذلك أحد أسباب بعث هذه السرية، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال حصرها بهذا السبب وحده، فنظر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أبعد من مجرّد الانتقام وإدراك التأثر، لأنّ استراتيجيته صلى الله عليه وسلم كقائد للأمّة الإسلامية، وبشيراً ونذيراً للناس كافّة، كانت بعيدة المدى جداً، وقضايا التّأُثر والانتقام من القضايا التي عفا عليها الزمن في الإسلام، وأصبحت من أدران الجاهلية التي قضى عليها الإسلام، وتركها المسلمون وراءهم، وإنّما كانت تلك السرية تدخل ضمن نطاق التمهيد الذي بدأه رسول الله صلى الله عليه وسلم للفتوح في الشام، فكان لا يمكن القفز من على تلك المناطق التي لم تخضع لسلطان المسلمين بعد، والتوغل في مناطق الشام الداخلية قبل تمهيد الطريق إليها. والله تعالى أعلم.
1 المغازي 3/1117.
2 العامري: بهجة المحافل 1/99، البنا: الفتح الرباني 21/221.