الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: وصف حي لقتال القادة الثلاثة واستشهادهم:
وبدأ هجوم المسلمين باندفاع قائدهم زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - بلواء رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو صفوف العدو "فحارب مستقتلاً مستميتاً حتَّى مزَّقته رماح العدو"1 وذلك وفق وصف رواية عروة:
[50]
"حتى شاط في رماح القوم"2.
إنَّ ذلك الوصف يدل على قوة اندفاع زيد - رضي الله تعالى عنه - واستماتته في القتال، مع عدم اكتراثه بقوة العدو، وكثافته العَدَدِيَّة والعُدَدِيَّة، وهو أمر يدل على فرط شجاعته وجرأته واستهانته بالموت ما دام في سبيل الله عز وجل.
وكلمة (شاط) 3 تعطي عمقاً بعيداً عن مدى شراسة الحملات التي قام بها ذلك البطل المغوار في العمق داخل صفوف العدو، وما تمزيق جسده الطَّاهر برماحهم إلَاّ نتيجة حتمية لتلك الجرأة العظيمة التي كان يتمتع بها، ويحمل بها على العدو، معطياً من نفسه القدوة الصالحة لجنده، وما ذلك إلَاّ لعلو نفسه، وقوة رباطة جأشه.
1 خطَّاب: الرسول القائد صلى الله عليه وسلم 307.
2 سبق تخريجها برقم [31] .
3 أصل الإشاطة: الإحراق، أي كأنه احترق برماح الأعداء من شدَّة تمزيقها له، وكأنَّهم حنقوا عليه نتيجة الحملات الشرسة والقوية التي كان يحمل بها عليهم في العُمْق.
نعم! لَمَّا كانت نفس زيد بن حارثة الكلبي - رضي الله تعالى عنه - حِبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كبيرةً توَّاقةً للمعالي، دفَعَ جسده الطاهر الزكي الثَّمَن غالياً في أحضان رماح العدو وحرابهم1، وما كاد يسقط القائد البطل شهيداً في سبيل الله تعالى، حتَّى تلقَّف منه اللواء، ومِن ثَمَّ خلفه في القيادة - حسب أمر القائد الأعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطل آخر شاب من آل بيت النَّبيّ صلى الله عليه وسلم موئل البطولات، وأركان الشجاعة، ولا غَرْوَ في ذلك، فهو جعفر ابن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه، ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بطل الأبطال، وقائد الشجعان.
وتقدَّم البطل الشاب بفرسه يصول ويجول براية رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا ما ألحمه القتال، ترجَّل عن فرسه، كما يذكر أَحَد شهود العيان:
[51]
"والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرسٍ له شقراء، فعقرها، ثُمَّ قاتل القوم"2، راجلاً، وهو يرتجز:
1 يذكر ابن دريد (الاشتقاق 551) أنَّ الذي باشر قتل زيد رضي الله تعالى عنه، هو مالك بن رافلة قائد العرب المتنصِّرة. ولم أر أحداً قال به غيره.
والله تعالى أعلم.
2 أخرجه أبو داود (السنن 3/62-63) ، وذكره ابن هشام (السيرة 4/378) ، من حديث ابن إسحاق، قال: حدَّثَني ابن عبَّاد، عن أبيه عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، حدَّثني أبي الذي أرضعني، وهو أحد بني مرة بن عوف وكان في تلك الغزوة.
وقال أبو داود: "هذا الحديث ليس بالقوي".
وقال الزرقاني (شرح المواهب 2/272) مُعَقِّباً: "وكأنه يريد ليس بصحيح، وإلَاّ فهو حسن، كما جزم به الحافظ، وتبعه المصنِّف".
وقال مغلطاي (الزهر الباسم، الجزء الثاني والعشرين ص 24) : "على أنَّ لقائلٍ أن يقول: ليس الحديث بضعيف، بل هو صحيح على رسم مسلم في ابن إسحاق، ومحمَّد بن سلمة، وأمَّا يحي بن عباد فوثَّقه غير واحد، وأبوه حديثه في الصحيحين، وجهالة اسم الصحابي لا تضر".
وقال أحمد شاكر (حاشية سنن أبي داود 3/63) : "صرَّح ابن إسحاق بسماعه من يحي بن عباد، والإسناد صحيح".
قلت: الإسناد حسن كما جزم بذلك الحافظ (فتح7/511) ، والقسطلاني (المواهب 1/551) ، والألباني (صحيح سنن أبي داود 2/489) وذلك لأنَّ ابن إسحاق صدوق. والله تعالى أعلم.
يا حبَّذا الجنَّة واقترابها
…
طيبة وبارد شرابها
والروم روم قددنا عذابها
…
كافرة بعيدة أنسابها
عليَّ إذا لاقيتها ضرابها
ثُمَّ اندفع يقاتل بشجاعة نادرة، وجرأة لا مثيل لها، ورباطة جأش عظيمة، والضربات تنهال عليه من كُلِّ جانبٍ ما بين طعنة رمح، وضربة سيف، ورميل نبل، دون أن تثنيه عن الاستمرار، أو تعيق تقدمه بلواء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يمثل رمزاً عظيماً للمسلمين في معاركهم، لأجل ذلك كان تركيز العدوّ على إسقاطها شديداً، فلمَّا أعياهم البطل جعفر - رضي الله تعالى عنه - بقوة تماسُكه، ورباطة جأشه العظيمة، ورأوا أنَّ الضربات على جسده لم تزده إلَاّ إمعاناً وتقدُّماً نحو صفوفهم، عندها حوَّلوا ضرباتهم إلى اليد العظيمة التي كانت تمسك اللواء بقوة، وتقاتل به
بلا هوادة، فقطعوها، وظنَّ الأعداءُ أنَّها النهاية، وأنَّ اللواء سوف يسقط، فتسقط معه معنويات المسلمين، ولكنَّ القائد العظيم تلقَّفه:
[52]
"بشماله، فقُطِعَت، فاحتضنه بعضديه"1، ولكن "ورغم استبسال جعفر وثباته هذا، فقد انتهى صموده الرائع بأن سقط شهيداً بعد أن اعتورته سيوف الرومان، وهو يحتضن اللواء في إصرارٍ وتصميمٍ، حتَّى صعدت روحه الطاهرة، ليأخذ مكانه بين الصِّدِّيقين والشُّهداء"2.
بل بين الملائكة:
1 ذكره ابن هشام (السيرة 4/378) روايةً عن مبهم، ولكن له شاهد، أخرجه الحاكم (المستدرك 3/232) من حديث عطاء، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال فيه حكايةً عن جعفر رضي الله تعالى عنه: ”ثُمَّ أخذت اللواء بيدي اليُمنى فقُطِعَت، ثُمَّ أخذت بيدي اليُسرى فقُطِعَت
…
" الخ. وقد سكت عنه الحاكم، والذهبي، وأخرجه الطبراني كما في (المجمع للهيثمي 9/273) وقال عنه الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين، وأحدهما حسن. وقال عنه ابن حجر (فتح الباري 7/76) : إسناده جيد. وقال ابن كثير (البداية 4/246) : ومِمَّا يشهد لِمَا ذكره ابن هشام مِن قطع يمينه وهي مُمْسِكة باللواء، ثُمَّ شماله، ما رواه البخاري: ثنا محمَّد بن أبي بكر ثنا عمر ابن علي، عن إسماعيل بن أبي خلَاّد، عن عامر قال: "كان ابن عمر إذا حَيِّا ابن جعفر قال: السَّلام عليك يا ابن ذي الجناحين".
2 با شميل: غزوة مؤتة 296.
[53]
"فقد صحَّ أنَّ الله قد عوَّضه من يديه جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة1، ويأكل من ثمارها حيث شاء، فلذلك سُمِّيَ
1 أحاديث الجناحين كثيرة، منها الصحيح، والحسن، والضعيف. وهي بمجموعها تُدَلِّل وتؤكد صحَّة الخبر:
أ - أخرج البخاري (الصحيح 5/87) حديث ابن عمر من طريق الشعبي قال: "كان ابن عمر إذا حيَّا ابن جعفر قال: السلام عليك با ابن ذي الجناحين". قال ابن حجر (فتح الباري 7/76) : كأنه يشير إلى حديث عبد الله بن جعفر.
ب- قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هنيئاً لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء". أخرجه الطبراني بإسنادٍ حسنٍ. انتهى.
ج- وأخرج الطبراني، كما في (مجمع الزوائد 9/273) بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حديثاً طويلاً عن المعركة، قال في آخره:"ذا جناحين يطير بهما حيث شاء، مخضوبة قوادمه بالدماء". قال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين وأحدهما حسن.
د- وأخرج ابن سعد (الطبقات 4/39) بسنده من حديث حمَّاد بن زيد، عن عبد الله ابن المختار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مرَّ بِيَ جعفر بن أبي طالب الليلة في ملأٍ من الملائكة له جناحان
…
". وقد وصله الحاكم بإسناده عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، فذكر نحوه. وقال الحاكم (المستدرك 3/234) : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرِّجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص. وابن حجر (فتح الباري 7/76) .
هـ- وأخرج ابن سعد أيضاً (الطبقات 4/39) بسنده عن الحسن البصري أنه قال: "إنَّ لجعفر جناحين يطير بهما في الجنَّة
…
". وسنده إلى الحسن لا بأس به، إلَاّ أنه مرسل. أخرجه ابن سعد (الطبقات4/39) من حديث حسين بن عبد الله ابن ضمير، عن أبيه، عن جده، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. فذكر مثله مرفوعاً. وحسين كذَّبه مالك وغيره.
و وأخرج الترمذي (انظر: تحفة الأحوذي، مناقب جعفر بن أبي طالب، حديث رقم 3852) بسنده عن أبي هريرة-رضي الله تعالى عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم: "رأيت جعفراً يطير في الجنَّة مع الملائكة". قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلَاّ من حديث عبد الله بن جعفر، وقد ضعَّف يحي بن معين وغيره عبد الله بن جعفر، وهو والد علي ابن المديني.
وأخرجه الحاكم (المستدرك 3/231) بسنده من طريق علي بن عبد الله بن جعفر المديني به نحوه، إلَاّ أنه قال فيه:"ملكاً يطير مع الملائكة بجناحين".
وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه. وقال الذهبي في التلخيص: المديني واهٍ. وقال ابن حجر (فتح الباري 7/76) في إسناده ضعف.
وصحَّحه الألباني في ثلاثة مواضع (الأحاديث الصحيحة 1226، ومشكاة المصابيح 6153، وصحيح سنن الترمذي 2963) .
قلت: والصحيح أنه ضعيف لضعف عبد الله بن المديني، كما ذكر الذهبي، وابن حجر. والله تعالى أعلم.
ز- وأخرج الطبراني (المعجم 2/107) ، والحاكم (المستدرك 3/231) بسنديهما من طريق زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دخلت البارحة الجنَّة فرأيت فيها جعفراً يطير مع الملائكة". قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه. وقال مصطفى عبد القادر عطا (حاشية المستدرك 3/231) حذفه الذهبي من التلخيص لضعف سلمة بن وهرام. قال أحمد: روى مناكير أخشى أن يكون ضعيفاً. وقال أبو داود: ضعيف.
قلت: ولكنَّ ابن حجر (التقريب 248) قال عنه: صدوق، وقال في التهذيب 2/384: وثَّقه أبو زرعة، وابن معين. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس برويايات الأحاديث التي يرويها عنه غير زمعة. انتهى.
ولكن في إسناده زمعة ابن صالح، قال عنه ابن حجر (التقريب 217) : ضعيف، وحديثه عند مسلم مقرون.
ح -وأخرج ابن عساكر: تاريخ دمشق (عبد الله بن جابر - عبد الله بن زيد ص 27) بسنده من طريق عمر بن هارون البلخي، عن عبد الملك بن عيسى الثقفي، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:"لَمَّا جاء نعي جعفر بن أبي طالب دخل النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم على أسماء بنت عميس، فوضع عبد الله ومحمَّداً ابني جعفر على فخذه، ثُمَّ قال: "إنَّ جبريل أخبرني أنَّ الله عز وجل استشهد جعفراً، وإنَّ له جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنَّة
…
".
وأخرجه الطبراني كما ذكر الهيثمي (المجمع 9/373) وقال عنه: فيه عمر بن هارون، وهو ضعيف، وقد وُثِّق، وبقية رجاله ثقات.
قلت: عمر بن هارون قال عنه ابن حجر (تقريب 417) : متروك.
ط -وقال السيوطي (الخصائص 74) : أخرج الدارقطني في غرائب مالك عن ابن عمر قال: "كُنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه إلى السماء فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فقال الناس: يا رسول الله ما هذا؟ قال: مرَّ بي جعفر بن أبي طالب في ملأٍ من الملائكة فسلَّم عليَّ". قال عنه ابن حجر (الإصابة 1/238) : ضعيف.
ي -وأخرج ابن سعد (الطبقات4/39) بسنده عن إسماعيل بن أبي خالد، عن رجلٍ، أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"لقد رأيته في الجنَّة - يعني جعفراً - له جناحان مضرجان بالدماء مصبوغُ القوادم".
قلت: سنده ضعيف لجهالة الراوي عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ولانقطاع السند إسماعيل بن أبي خالد من الرابعة. والله تعالى أعلم.
ك -وأخرج ابن سعد أيضاً (الطبقات 4/39) من حديث حسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّ لجعفر بن أبي طالب جناحين يطير بهما في الجنَّة مع الملائكة".
قلت: سنده ضعيف، حسين بن عبد الله بن ضميرة، كذَّبه مالك وغيره، ولجهالة أبيه. والله تعالى أعلم.
ل -كما أخرج الطبري (التاريخ 3/41) بسنده من طريق ابن إسحاق، عن عبد الله ابن أبي بكر قال: لَمَّا أُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مصاب جعفر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قد مرَّ جعفر البارحة في نفرٍ من الملائكة له جناحان مختضب القوادم بالدم، يريدون بيشة أرضاً باليمن".
قلت: سنده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق، ولإرساله، عبد الله بن أبي بكر، من الخامسة، كما أنَّ في متنه نكارة. والله تعالى أعلم.
..............................................................................................
ابن ضمير، عن أبيه، عن جده، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. فذكر مثله مرفوعاً. وحسين كذَّبه مالك وغيره.
و وأخرج الترمذي (انظر: تحفة الأحوذي، مناقب جعفر بن أبي طالب، حديث رقم 3852) بسنده عن أبي هريرة-رضي الله تعالى عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم: "رأيت جعفراً يطير في الجنَّة مع الملائكة". قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلَاّ من حديث عبد الله بن جعفر، وقد ضعَّف يحي بن معين وغيره عبد الله بن جعفر، وهو والد علي ابن المديني.
وأخرجه الحاكم (المستدرك 3/231) بسنده من طريق علي بن عبد الله بن جعفر المديني به نحوه، إلَاّ أنه قال فيه:"ملكاً يطير مع الملائكة بجناحين".
وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه. وقال الذهبي في التلخيص: المديني واهٍ. وقال ابن حجر (فتح الباري 7/76) في إسناده ضعف.
وصحَّحه الألباني في ثلاثة مواضع (الأحاديث الصحيحة 1226، ومشكاة المصابيح 6153، وصحيح سنن الترمذي 2963) .
قلت: والصحيح أنه ضعيف لضعف عبد الله بن المديني، كما ذكر الذهبي، وابن حجر. والله تعالى أعلم.
ز- وأخرج الطبراني (المعجم 2/107) ، والحاكم (المستدرك 3/231) بسنديهما من طريق زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دخلت البارحة الجنَّة فرأيت فيها جعفراً يطير مع الملائكة". قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه. وقال مصطفى عبد القادر عطا (حاشية المستدرك 3/231) حذفه الذهبي من التلخيص لضعف سلمة بن وهرام. قال أحمد: روى مناكير أخشى أن يكون ضعيفاً. وقال أبو داود: ضعيف.
...................................................................................................
قلت: ولكنَّ ابن حجر (التقريب 248) قال عنه: صدوق، وقال في التهذيب 2/384: وثَّقه أبو زرعة، وابن معين. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس برويايات الأحاديث التي يرويها عنه غير زمعة. انتهى.
ولكن في إسناده زمعة ابن صالح، قال عنه ابن حجر (التقريب 217) : ضعيف، وحديثه عند مسلم مقرون.
ح -وأخرج ابن عساكر: تاريخ دمشق (عبد الله بن جابر - عبد الله بن زيد ص 27) بسنده من طريق عمر بن هارون البلخي، عن عبد الملك بن عيسى الثقفي، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:"لَمَّا جاء نعي جعفر بن أبي طالب دخل النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم على أسماء بنت عميس، فوضع عبد الله ومحمَّداً ابني جعفر على فخذه، ثُمَّ قال: "إنَّ جبريل أخبرني أنَّ الله عز وجل استشهد جعفراً، وإنَّ له جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنَّة
…
".
وأخرجه الطبراني كما ذكر الهيثمي (المجمع 9/373) وقال عنه: فيه عمر بن هارون، وهو ضعيف، وقد وُثِّق، وبقية رجاله ثقات.
قلت: عمر بن هارون قال عنه ابن حجر (تقريب 417) : متروك.
ط -وقال السيوطي (الخصائص 74) : أخرج الدارقطني في غرائب مالك عن ابن عمر قال: "كُنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه إلى السماء فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فقال الناس: يا رسول الله ما هذا؟ قال: مرَّ بي جعفر بن أبي طالب في ملأٍ من الملائكة فسلَّم عليَّ". قال عنه ابن حجر (الإصابة 1/238) : ضعيف.
ي -وأخرج ابن سعد (الطبقات4/39) بسنده عن إسماعيل بن أبي خالد، عن رجلٍ، أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"لقد رأيته في الجنَّة - يعني جعفراً - له جناحان مضرجان بالدماء مصبوغُ القوادم ".قلت: سنده ضعيف لجهالة الراوي عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ولانقطاع السند إسماعيل بن أبي خالد من الرابعة. والله تعالى أعلم.
ك -وأخرج ابن سعد أيضاً (الطبقات 4/39) من حديث حسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّ لجعفر بن أبي طالب جناحين يطير بهما في الجنَّة مع الملائكة".
قلت: سنده ضعيف، حسين بن عبد الله بن ضميرة، كذَّبه مالك وغيره، ولجهالة أبيه. والله تعالى أعلم.
ل -كما أخرج الطبري (التاريخ 3/41) بسنده من طريق ابن إسحاق، عن عبد الله ابن أبي بكر قال: لَمَّا أُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مصاب جعفر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قد مرَّ جعفر البارحة في نفرٍ من الملائكة له جناحان مختضب القوادم بالدم، يريدون بيشة أرضاً باليمن".
قلت: سنده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق، ولإرساله، عبد الله بن أبي بكر، من الخامسة، كما أنَّ في متنه نكارة. والله تعالى أعلم.
الطيَّار في الجنَّة"1.
1 أخرجه الحاكم (المستدرك 3/232) من حديث سعدان بن الوليد، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، وسكت عنه.
وأخرجه الطبراني في الأوسط، كما ذكر (الهيثمي: مجمع 9/273) وقال الهيثمي: وفيه سعدان بن الوليد لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
قلت: قال عنه ابن حجر (فتح 7/76) : إسناده جيِّد. انتهى. أمَّا سعدان بن الوليد، فهو سعيد بن يحي، ولقبه سعدان، كما تبيَّن في رواية الحاكم الثانية للخبر (3/234-235) وهو صدوق، له حديث واحد عند البخاري (تقريب 242) ، وبذلك يستقيم قول ابن حجر في إسناده. والله تعالى أعلم.
كما أخرجه الطبراني، كما في (المجمع) وقال عنه الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين وأحدهما حسن.
"ويكون أوَّل من حاز على لقب طيَّار في التاريخ الإسلامي، ويتفرَّد به دون النَّاس أجمعين"1. ولكنَّه في ذات الوقت ليس طيَّاراً عادياً، أو حتى رائد فضاء، بل طيَّاراً في الجنَّة مع الملائكة المقرَّبين، يطير مع جبريل، وميكائيل، وقد ميَّزه الله سبحانه وتعالى عن الملائكة بأن جعل جناحيه مضرجين، مخضوبةً قوادمه بالدماء2. وذلك علامة على أنَّهما وسام شرف علوي مُنِحَ له مكان يديه اللتين ضحَّى بهما بإصرارٍ في سبيل الله تعالى، وهو يقاوم بقوة وعنادٍ عجيبين ألَاّ تسقط راية رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضاً.
نعم! سقط القائد الشاب شهيداً، وفي جسده بضعٌ وتسعون ما بين طعنة ورمية، منها:
[54]
"خمسون بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره، يعني في ظهره"3.
وفي ذلك "بيان فرط شجاعته وإقدامه"4.
1 منير غضبان (فقه السيرة 548) .
2 سبق تخريجه برقم [53] . انظر الحديث رقم (ج) .
3 أخرجه البخاري (الصحيح 5/86) .
4 ابن حجر (فتح 7/512) .
فلمَّا قُتِلَ جعفر، أخذ عبد الله بن رواحة الراية، ثُمَّ تقدَّم بها، وهو على فرسه، وكان لمقتل صاحبيه الواحد تلو الآخر على ذلك النحو المؤثِّر، أثره في نفسه، فيذكر ابن إسحاق بسندٍ حسنٍ عن شاهد عيان من بني مرة، أنه:
[55]
"جعل يستنْزل نفسه ويتردَّد، بعض التردُّد، ويرتجز:
أقسمت يا نفس لتنزلنَّه
…
لتنزلن أو لتكرهنَّه
إن أجلب الناس وشدُّوا الرنَّة1
…
مالي أراك تكرهين الجنَّة
قد طال ما كنت مطمئنة
…
هل أنت إلَاّ نطفة في شنَّة2
وقال أيضاً:
يا نفس إلَاّ تُقْتَلي تموتي
…
هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيتِ فقد أُعْطِيتِ
…
إنْ تفعلي فعلهما هُدِيتِ
يريد صاحبيه زيداً، وجعفراً، ثُمَّ نزل، فلمَّا نزل أتاه ابن عم له بعرق3 من لحم، فقال: شُدَّ بهذا صُلبك، فإنَّك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده، ثُمَّ انتهس منه نهسة4، ثُمَّ سمع الحطمة5 في
1 أجلب الناس: يُقَال: أجلب القوم إذا صاحوا واجتمعوا. والرَّنة: صوت فيه ترجيع شبه البكاء.
2 النطفة: الماء القليل الصافي. والشَّنة: القربة القديمة.
3 العرق: العظم الذي عليه بعض لحم.
4 انتهس: أي أخذ منه بفمه يسيراً.
5 الحطمة: الكسرة. والمراد بها هنا اشتداد القتال بين الطرفين.
ناحية النَّاس، فقال: وأنت في الدُّنيا! ثُمَّ ألقاه من يده، ثُمَّ أخذ سيفه، فتقدَّم، فقاتل حتَّى"1.
[56]
"طُعِنَ، فاستقبل الدم بيده، فدلك به وجهه، ثُمَّ صُرِعَ بين الصَّفين، فجعل يقول: يا معشر المسلمين، ذُبُّوا2 عن لحم أخيكم، فجعل المسلمون يحملون حتَّى يحوزوه3، فلم يزالوا كذلك حتَّى مات مكانه"4.
وينفي بعض المعاصرين رواية تردُّد عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه، كونها تتعارض مع موقفه قبل ذلك من تشجيعه للمسلمين لملاقاة الروم، وتحرُّقه للشهادة في سبيل الله5.
بينما يربط بعضهم هذا الموقف بما عُرِفَ من تقلبات نفسية الشُّعراء وحساسيتهم6.
1 سبق تخريجه برقم [51] .
2 الذَّبُّ: الدفع، والمنع. (القاموس: ذَبَّ) .
3 الحوز: الجمع وضم الشيء، كالحيازة والاحتياز. (القاموس: الحوز) .
4 أخرجه ابن عساكر: تاريخ (عبد الله بن جابر، عبد الله بن زيد ص 357) من طريق أبي إسحاق الفزاري بسنده عن مصعب بن شيبة.
وكذلك ذكره الذهبي (تاريخ الإسلام، قسم المغازي 497-498) ، وابن الأثير (أُسْد الغابة 3/238) تعليقاً عن مصعب.
قلت: وهو منقطع، مصعب بن شيبة العبدري لم يدرك الوقعة.
5 انظر: (الدويدار: صور من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم 521-523) .
6 انظر: (عماد الدين خليل: دراسة في السيرة 297) .
بينما ما حدث من عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - لا يعدو كونه أمراً طبعياً، وموقفاً من مواقف ضعف النفس البشرية يعتريها أوقات الشدة والأزمات، وهو بالتالي لا يُدلِّل على خَوَرِ عبد الله رضي الله تعالى عنه وجُبْنَه، كما يفهمه البعض من ظاهر الرواية، فذلك أمرٌ مفروغٌ منه، فعبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - مشهودٌ له بالشجاعة، والجرأة، ورباطة الجأش، وليس اختيار النَّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو الخبير في أصحابه - له قائداً من قوَّاد هذه الموقعة العظيمة التي كانت في عمق الأراضي الخاضعة لنفوذ الدولة البيزنطية، وبعيداً عن قاعدة المسلمين، وانتدابه له سابقاً في أقوى سراياه وبعوثه، وأصعبها مهمّة وجُرأة، وهي سرايا المغاوير، إلَاّ دليلاً من الأدلة القاطعة على ذلك.
والصحابة - رضي الله تعالى عنهم، وإن كانوا مشهورين بالشجاعة والجرأة وحُب الموت في سبيل الله تعالى، فهم في النهاية ليسوا ملائكة، بل بشر يعتريهم الخوف والضَّعْف في مواطنهما، بل ربَّما مغادرة ميدان المعركة، كما حدث من بعضهم في بعض المواقع، وقد سوَّغ لهم الشرع التحيُّز إلى فئة، وعدم الاستقتال.
إنَّ ما حدث من عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - أمرٌ طبعي يمكن أن يحدث لكُلِّ إنسان في مثل تلك الظروف الصعبة والمواقف المحرجة.
ولكن معالجة الموقف بمثل تلك القوة، والشجاعة، ورباطة الجأش، لا تحدث من كُلِّ إنسان، فما قام به عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه، لا يقوم به إلَاّ رجال أبطال مؤمنون أمثاله، ولو كان غير ذلك لأطلَقَ لنفسه العنان، ولما استطاع مصابرتها والتغلُّب على فلتاتها.
وكان يمكن أن يمر ذلك الموقف دون أن يحس به أحد من الناس، ولكنَّ رجلاً شجاعاً، شاعراً، مؤمناً، مرهف الحسّ، صادقاً مع نفسه، كعبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه، لا يمكن أن يدعه يمر عليه هكذا بسهولة، دون أن يُصَوِّر أحاسيسه تجاهه تصويراً صادقاً قوياً، ويُعَبِّر عن خلجات نفسه نحوه تعبيراً دقيقاً رائعاً بصوتٍ عالٍ مرتفعٍ، استطاع معه شهود العيان، ومِن ثَمَّ الرواة تسجيله بمدادِ العزَّةِ والكرامة، لتتطلَّع عليه الأجيال الإسلامية تلو الأجيال، فتعتبر، ولعلَّه أراد ذلك فعلاً، وبالإضافة إلى ما ذكرناه، فإنَّ سند الرواية التي نقلت الخبر، ساقه ابن إسحاق بطريق حسن إلى شاهد عيان1، شارك في المعركة، وقد يعتضد بالمتابعات إلى درجةٍ أعلى، كما أنه لم يصح حديث السرير الذي ذكره ابن إسحاق بلاغاً بلا سند
[57]
وذُكِرَ فيه أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنَّ منْزلة عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - دون منْزلة صاحبيه في الجنَّة نتيجة تردُّده"2.
1 سبق تخريجها برقم [55] .
2 أخرجه الهيثمي (مجمع 6/159-160) وعزاه للطبراني من حديث ابن إسحاق، وقال عنه: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
قلت: أُدْخِل هذا الحديث في حديث عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، الذي رواه عن أبيه الذي أرضعه من بني مرّة. والدليل على ذلك أنَّ ابن إسحاق روى هذا الحديث بلاغاً، ووقع ذلك في السيرة عند ابن هشام (4/380) ، وعند البيهقي (دلائل 2/368)،وعند ابن عساكر: تاريخ (عبد الله بن جابر، عبد الله بن زيد ص 349) .
وقد حكم عليه ابن كثير رحمه الله تعالى بالانقطاع، وعارضه بحديثٍ الصحيح1.
[58]
كما أنَّ الأحاديث الأُخرى المماثلة، جاءت من طُرُق واهية لا يُعْتَدُّ بها2.
1 ابن كثير (البداية 4/245) .
2 أخرج عبد الرزَّاق (المصنَّف 5/266) عن ابن عيينة، عن ابن جدعان، عن ابن المسيب قال: قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "مثّلوا لي في الجنَّة في خيمة من دُرّ، كُلّ واحد منهم على سرير، فرأيت زيداً، وابن رواحة في أعناقهما صدوداً، وأمَّا جعفر فمستقيم ليس فيه صدود
…
الخ".
قلت: سنده ضعيف آفته ابن جدعان علي بن زيد التيمي، ضعَّفوه. وذكر ابن أبي حاتم، والعجلي أنه يتشيَّع. وقال ابن عدي: كان يغالي في التشيُّع. وذكر حمَّاد بن زيد أنه كان يقلب الحديث.
قلت: وهذه الرواية التي ذكرها تفوح منها رائحة التشيُّع بقوَّة. والله تعالى أعلم.
كما أخرج الطبراني (معجم 19/167-168) من طريق ثابت بن دينار، عن أبي اليسر، حديث أبي عامر الأشعري الذي ذكر فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"دخلت الجنَّة فرأيت جعفراً ذا جناحين مضرجين بالدماء، وزيد مقابله، وابن رواحة معهما، كأنه يعرض عنهما، وسأخبركم عن ذلك، إنَّ جعفراً حين تقدَّم فرأى القتل لم يصرف وجهه، وزيد كذلك، وابن رواحة صرف وجهه".
قال الهيثمي (مجمع 6/161) : فيه ثابت بن دينار، أبو حمزة، وهو ضعيف. وقال عنه ابن حجر (تقريب 132) : رافضيٌّ ضعيف.
قلت: ويظهر التشيُّع في روايته بذكره حديث جعفر رضي الله تعالى عنه فقط من بين أُمراء الوقعة في بداية حديثه عنها. والله تعالى أعلم.