الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني
51 -
عن عائشة رضي الله عنها ، قالت: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلِّي الفجر ، فيشهد معه نساءٌ من المؤمنات ، متلفّعاتٍ بمروطهنّ ، ثمّ يرجعن إلى بيوتهنّ ما يعرفهنّ أحدٌ ، من الغلَس. (1)
قوله: (عائشة قالت: لقد) اللام في لقد جواب قسم محذوف.
قوله: (نساء من المؤمنات) في رواية لهما " نساء المؤمنات " تقديره نساء الأنفس المؤمنات أو نحوها ذلك حتّى لا يكون من إضافة الشّيء إلى نفسه.
وقيل: إنّ " نساء " هنا بمعنى الفاضلات ، أي: فاضلات المؤمنات كما يقال: رجال القوم ، أي: فضلاؤهم.
قوله: (متلفّعات) قال الأصمعيّ: التّلفّع أن تشتمل بالثّوب حتّى تجلل به جسدك، وفي شرح الموطّأ لابن حبيب: التّلفّع لا يكون إلَاّ بتغطية الرّأس، والتّلفّف يكون بتغطية الرّأس وكشفه.
قوله: (بمروطهن) المروط جمع مرطٍ بكسر الميم ، وهو كساءٌ معلمٌ من خزٍّ أو صوف أو غير ذلك.
(1) أخرجه البخاري (365 ، 553) ومسلم (645) من طريق الزهري عن عروة عن عائشة به.
وأخرجه البخاري (829) ومسلم (645) من طريق عمرة عن عائشة نحوه.
وللبخاري (834) من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها نحوه.
وقيل: لا يسمّى مرطاً إلَاّ إذا كان أخضر ولا يلبسه إلَاّ النّساء، وهو مردودٌ بقوله مرطٌ من شعرٍ أسود (1).
وقد اعترض على استدلال البخاري به على جواز صلاة المرأة في الثّوب الواحد ، بأنّ الالتفاع المذكور يحتمل أن يكون فوق ثياب أخرى.
والجواب عنه: أنّه تمسّك بأنّ الأصل عدم الزّيادة على ما ذكر، على أنّه لَم يصرّح بشيءٍ إلَاّ أنّ اختياره يؤخذ في العادة من الآثار التي يودعها في التّرجمة. كقول عكرمة " لو وارتْ جسدها في ثوب لأجزتُه ".
قال ابن المنذر بعد أن حكى عن الجمهور أنّ الواجب على المرأة أنْ تصلي في درع وخمار: المراد بذلك تغطية بدنها ورأسها، فلو كان الثّوب واسعاً فغطّت رأسها بفضله جاز.
قال: وما رويناه عن عطاء أنّه قال: تصلي في درع وخمار وإزار. وعن ابن سيرين مثله. وزاد " وملحفة " ، فإنّي أظنّه محمولاً على الاستحباب.
قوله: (ما يعرفهنّ أحدٌ) قال الدّاوديّ: معناه لا يعرفن أنساءٌ أم رجالٌ، أي: لا يظهر للرّائي إلَاّ الأشباح خاصّةً.
(1) يشير إلى ما رواه مسلم في الصحيح (2081 - 2424) من حديث عائشة قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة. وعليه مِرطٌ مُرحَّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله
…
الحديث
وقيل: لا يُعرف أعيانهنّ فلا يفرّق بين خديجة وزينب، وضعّفه النّوويّ. بأنّ المتلفّعة في النّهار لا تعرف عينها ، فلا يبقى في الكلام فائدةٌ.
وتعقّب: بأنّ المعرفة إنّما تتعلق بالأعيان، فلو كان المراد الأوّل لعبّر بنفي العلم، وما ذكره من أنّ المتلفّعة بالنّهار لا تعرف عينها فيه نظرٌ، لأنّ لكل امرأةٍ هيئةٌ غير هيئة الأخرى في الغالب ولو كان بدنها مغطّىً.
وقال الباجيّ: هذا يدلّ على أنّهنّ كنّ سافراتٍ ، إذ لو كنّ متنقّباتٍ لمنع تغطية الوجه من معرفتهنّ لا الغلس.
قلت: وفيه ما فيه، لأنّه مبنيّ على الاشتباه الذي أشار إليه النّوويّ، وأمّا إذا قلنا إنّ لكل واحدةٍ منهنّ هيئةً غالباً فلا يلزم ما ذكر. والله أعلم.
قوله: (يرجعن) وفي رواية لهما " ينقلبن " وللبخاري عن القاسم عنها " فينصرفن نساء المؤمنين لا يعرفن من الغلس ، أو لا يعرف بعضهنّ بعضاً " هو على لغة بني الحارث، وكذا قوله " لا يعرفن بعضهنّ بعضاً " وهذا في رواية الحمويّ والكشميهنيّ (1) ، ولغيرهما " لا يعرف " بالإفراد على الجادّة.
قوله: (من الغلس) وهو يعيّن أحد الاحتمالين: هل عدم المعرفة
(1) هو أبو الهيثم محمد بن مكي ، سبق ترجمته (1/ 32)
بهنّ لبقاء الظّلمة أو لمبالغتهنّ في التّغطية؟ ومن ابتدائيّةٌ أو تعليليّةٌ.
ولا معارضة بين هذا وبين حديث أبي برزة الآتي " أنّه كان ينصرف من الصّلاة حين يعرف الرّجل جليسه "(1) ، لأنّ هذا إخبارٌ عن رؤية المتلفّعة على بُعدٍ، وذاك إخبارٌ عن رؤية الجليس.
وفي الحديث استحباب المبادرة بصلاة الصّبح في أوّل الوقت ، وجواز خروج النّساء إلى المساجد لشهود الصّلاة في الليل، ويؤخذ منه جوازه في النّهار من باب أولى ، لأنّ الليل مظنّة الرّيبة أكثر من النّهار، ومحلّ ذلك إذا لَم يخش عليهنّ أو بهنّ فتنةٌ.
واستدل به بعضهم على جواز صلاة المرأة مختمرة الأنف والفم، فكأنّه جعل التّلفّع صفةً لشهود الصّلاة.
وتعقّبه عياضٌ (2): بأنّها إنّما أخبرت عن هيئة الانصراف.
واستدل به البخاري على سرعة انصراف النّساء من الصّبح ، لأنّ طول التّأخير فيه يفضي إلى الإسفار، فناسب الإسراع، بخلاف العشاء فإنّه يفضي إلى زيادة الظّلمة فلا يضرّ المكث.
(1) سيأتي بعد الحديث الآتي برقم (53)
(2)
هو القاضي عياض بن موسى ، سبق ترجمته (1/ 103)