الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني والثلاثون
81 -
وما في معناه من حديث عائشة رضي الله عنها ، قالت: صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاكٍ ، صلَّى جالساً ، وصلَّى وراءه قومٌ قياماً ، فأشار إليهم: أنِ اجلسوا ، فلَمّا انصرف ، قال: إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربّنا لك الحمد ، وإذا صلَّى جالساً فصلّوا جلوساً أجمعون. (1)
قوله: (في بيته) أي: في المشربة التي في حجرة عائشة. كما بيّنه أبو سفيان عن جابر (2)، وهو دالٌّ على أنّ تلك الصّلاة لَم تكن في المسجد، وكأنّه صلى الله عليه وسلم عجَزَ عن الصّلاة بالنّاس في المسجد ، فكان يُصلِّي في بيته بمن حضر، لكنّه لَم ينقل أنّه استخلف.
ومن ثَمَّ قال عياض: إنّ الظّاهر أنّه صلَّى في حجرة عائشة ، وائتمّ به من حضر عنده ومن كان في المسجد، وهذا الذي قاله محتمل.
ويحتمل أيضاً: أن يكون استخلف وإن لَم ينقل.
ويلزم على الأوّل صلاة الإمام أعلى من المأمومين ، ومذهب عياض
(1) أخرجه البخاري (656 ، 1062 ، 1179 ، 5334) ومسلم (412) من طرق عن هشام بن عروة عن أبي عن عائشة به.
(2)
أخرجه أبو داود (602) وابن حبان في " صحيحه "(5/ 476) من طريق الأعمش عن أبي سفيان به. وإسناده صحيح.
وسيأتي بعض ألفاظه أثناء الشرح. وتصحيح الشارح له.
خلافه، لكن له أن يقول محلّ المنع ما إذا لَم يكن مع الإمام في مكانه العالي أحد ، وهنا كان معه بعض أصحابه.
قوله: (وهو شاكٍ) بتخفيف الكاف بوزن قاضٍ من الشّكاية وهي المرض، وكان سبب ذلك ما في حديث أنس أنه سقط عن فرس (1).
قوله: (فصلَّى جالساً) قال عياض: يحتمل أن يكون أصابه من السّقطة رضٌّ في الأعضاء منعه من القيام. قال: وليس كذلك، وإنّما كانت قدمه صلى الله عليه وسلم انفكّت. كما في رواية بشر بن المفضّل عن حميدٍ عن أنس. عند الإسماعيليّ، وكذا لأبي داود وابن خزيمة من رواية أبي سفيان عن جابر كما قدّمناه.
وأمّا قوله في رواية الزّهريّ عن أنس بن مالك " جحش شقّه الأيمن " ، وفي رواية يزيد عن حميدٍ عن أنس عند البخاري " جحش ساقه " أو " كتفه " ، فلا ينافي ذلك كون قدمه انفكّت لاحتمال وقوع الأمرين.
والجحش: الخدش. والخدش قشر الجلد.
ووقع من رواية سفيان عن الزّهريّ عن أنس ، قال سفيان:
(1) أخرجه البخاري (1114) ومواضع أخرى ، ومسلم (948) من طريق الزهري ، قال: أخبرني أنس بن مالك الأنصاري ، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرساً، فجحش شقه الأيمن، قال أنس: فصلَّى لنا يومئذ صلاة من الصلوات وهو قاعد، فصلّينا وراءه قعودا، ثم قال لَمّا سلَّم: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا.
حفظت من الزّهريّ شقّه الأيمن، فلمّا خرجنا ، قال ابن جريجٍ: ساقه الأيمن.
قلت: ورواية ابن جريجٍ. أخرجها عبد الرّزّاق عنه، وليست مصحّفةً كما زعم بعضهم لموافقة رواية حميدٍ المذكورة لها، وإنّما هي مفسّرةٌ لمحل الخدش من الشّقّ الأيمن ، لأنّ الخدش لَم يستوعبه.
وحاصل ما في القصّة. أنّ عائشة أبهمت الشّكوى، وبيّن جابر وأنس السّبب وهو السّقوط عن الفرس، وعيّن جابر العلة في الصّلاة قاعداً. وهي انفكاك القدم.
وأفاد ابن حبّان: أنّ هذه القصّة كانت في ذي الحجّة سنة خمسٍ من الهجرة
قوله: (وصلَّى وراءَه قومٌ قياماً) ولمسلمٍ من رواية عبدة عن هشام " فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه .. الحديث.
وقد سُمِّي منهم في الأحاديث أنس كما في البخاري، وجابر كما تقدّم، وأبو بكر كما في حديث جابر، وعمر كما في رواية الحسن مرسلاً عند عبد الرّزّاق.
قوله: (فأشار إليهم) كذا للأكثر هنا من الإشارة، وكذا لجميعهم (1) في الطّبّ من رواية يحيى القطّان عن هشام، ووقع هنا للحمويّ " فأشار عليهم " من المشورة.
(1) أي: أنَّ رُواة البخاري رووه في " كتاب الطب " من صحيح البخاري عن القطّان. بلفظ (فأشار إليهم).
والأوّل أصحّ. فقد رواه أيّوب عن هشام بلفظ " فأومأ إليهم ". ورواه عبد الرّزّاق عن معمر عن هشام بلفظ " فأخلف بيده يومئ بها إليهم " ، وفي مرسل الحسن " ولَم يبلغ بها الغاية ".
قوله: (إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به) تقدّم في الحديث قبله
قوله: (فإذا ركع فاركعوا) قال ابن المنير: مقتضاه أنّ ركوع المأموم يكون بعد ركوع الإمام إمّا بعد تمام انحنائه ، وإمّا أن يسبقه الإمام بأوّله. فيشرع فيه بعد أن يشرع، قال: وحديث أنس (1) أتمّ من حديث عائشة ، لأنّه زاد فيه المتابعة في القول أيضاً.
قلت: قد وقعت الزّيادة المذكورة وهي قوله: " وإذا قال سمع الله لمن حمده " في حديث عائشة أيضاً.
ووقع في رواية الليث عن الزّهريّ عن أنس زيادة أخرى في الأقوال. وهي قوله في أوّله " فإذا كبّر فكبّروا " كما في البخاري ، وكذا فيه من رواية الأعرج عن أبي هريرة.
وزاد في رواية عبدة عن هشام في البخاري " وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا " ، وهو يتناول الرّفع من الرّكوع والرّفع من السّجود وجميع السّجدات، وكذا وردت زيادة ذلك في حديث أنس.
قوله: (فقولوا: ربّنا ولك الحمد) كذا لجميع الرّواة في حديث عائشة بإثبات الواو، وكذا لهم في حديث أبي هريرة وأنس إلَّا في رواية الليث عن الزّهريّ في البخاري ، فللكشميهنيّ بحذف الواو.
(1) حديث أنس. أخرجاه في الصحيحين ، كما تقدم لفظه. في التعليق ما قبل السابق.
ورجَحَ إثبات الواو. بأنّ فيها معنىً زائداً لكونها عاطفة على محذوف تقديره ، ربّنا استجب أو ربّنا أطعناك ولك الحمد ، فيشتمل على الدّعاء والثّناء معاً.
ورجّح قوم حذفها ، لأنّ الأصل عدم التّقدير فتكون عاطفة على كلام غير تامّ، والأوّل أوجه. كما قال ابن دقيق العيد.
وقال النّوويّ: ثبتت الرّواية بإثبات الواو وحذفها، والوجهان جائزان بغير ترجيح.
وسيأتي في باب صفة الصّلاة (1) الكلام على زيادة " اللهمّ " قبلها.
ونقل عياض عن القاضي عبد الوهّاب ، أنّه استدل به على أنّ الإمام يقتصر على قوله " سمع الله لمن حمده ". وأنّ المأموم يقتصر على قوله " ربّنا ولك الحمد " وليس في السّياق ما يقتضي المنع من ذلك ، لأنّ السّكوت عن الشّيء لا يقتضي ترك فعله.
نعم. مقتضاه أنّ المأموم يقول " ربّنا لك الحمد " عقب قول الإمام " سمع الله لمن حمده " فأمّا منع الإمام من قول " ربّنا ولك الحمد " ، فليس بشيءٍ لأنّه ثبت أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يجمع بينهما. كما سيأتي في باب صفة الصلاة.
قوله: (وإذا صلَّى جالساً فصلّوا جلوساً أجمعون) استدل به على صحّة إمامة القاعد المعذور بمثله وبالقائم أيضاً.
وخالف في ذلك مالك في المشهور عنه ومحمّد بن الحسن. فيما حكاه
(1) انظر حديث أبي هريرة رقم (90)
الطّحاويّ، ونقل عنه. أنّ ذلك خاصٌّ بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم.
واحتجّ بحديث جابر عن الشّعبيّ مرفوعاً: لا يَؤمَّنَّ أحدٌ بعدي جالساً. (1)
واعترضه الشّافعيّ ، فقال: قد علم من احتجّ بهذا أن لا حجّة فيه ، لأنّه مرسل، ومن رواية رجلٍ يرغب أهل العلم عن الرّواية عنه. يعني: جابراً الجعفيّ.
وقال ابن بزيزة: لو صحّ لَم يكن فيه حجّة ، لأنّه يحتمل أن يكون المراد منع الصّلاة بالجالس، أي: يعرب قوله جالساً مفعولاً. لا حالاً.
وحكى عياض عن بعض مشايخهم: أنّ حديث عائشة ، أنَّ أبا بكر يُصلِّي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم. والناس بصلاة أبي بكر والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد " (2) ، يدلّ على نسخ أمره المتقدّم لهم بالجلوس لَمّا صلوا خلفه قياماً.
(1) أخرجه عبد الرزاق في " المصنف "(4088) والدارقطني في " سننه "(1/ 398) والبيهقي في " الكبرى "(3/ 80) من طريق جابر الجعفي عن الشعبي رفعه.
وهو ضعيف مع إرساله كما بيّنه الشارح.
(2)
أخرجه البخاري (687) ومواضع أخرى ، ومسلم (418) عن عائشة. في قصة مرض النبي صلى الله عليه وسلم وتأخرِه عن الخروج إلى الصلاة. وفيه: ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفةً، فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر ، وأبو بكر يُصلِّي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخّر، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يتأخر، قال: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، قال: فجعل أبو بكر يُصلِّي وهو يأتمّ بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، والناس بصلاة أبي بكر، والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد .. الحديث "
وتعقّب: بأنّ ذلك يحتاج لو صحّ إلى تاريخ، وهو لا يصحّ. لكنّه زعم أنّه تقوّى بأنّ الخلفاء الرّاشدين لَم يفعله أحد منهم.
قال: والنّسخ لا يثبت بعد النّبيّ صلى الله عليه وسلم، لكن مواظبتهم على ترك ذلك تشهد لصحّة الحديث المذكور.
وتعقّب: بأنّ عدم النّقل لا يدلّ على عدم الوقوع، ثمّ لو سلم لا يلزم منه عدم الجواز لاحتمال أن يكونوا اكتفوا باستخلاف القادر على القيام للاتّفاق على أنّ صلاة القاعد بالقائم مرجوحة بالنّسبة إلى صلاة القائم بمثله، وهذا كافٍ في بيان سبب تركهم الإمامة من قعود.
واحتجّ أيضاً: بأنّه صلى الله عليه وسلم إنّما صلَّى بهم قاعداً لأنّه لا يصحّ التّقدّم بين يديه لنهي الله عن ذلك ، ولأنّ الأئمّة شفعاء (1) ولا يكون أحدٌ شافعاً له.
وتعقّب: بصلاته صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرّحمن بن عوف، وهو ثابت بلا خلاف (2) وصحّ أيضاً. أنّه صلَّى خلف أبي بكر. (3)
والعجب أنّ عمدة مالكٍ في منع أُمامة القاعد قول ربيعة: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان في تلك الصّلاة مأموماً خلف أبي بكر، وإنكاره أن يكون صلى الله عليه وسلم
(1) أخرج الدارقطني (2/ 463) والبيهقي في " الكبرى "(3/ 129) من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوا أئمتكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم. وقال البيهقي: إسناد هذا الحديث ضعيف.
ووردتْ أحاديث بنحوه ، ولا يصحُّ منها شيءٌ. انظر نصب الراية (2/ 26) والمقاصد الحسنة (ص 486)
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه (274)
(3)
انظر الفتح كتاب الأذان. باب حد المريض أن يشهد الجماعة.
أمَّ في مرض موته قاعداً كما حكاه عنه الشّافعيّ في الأمّ، فكيف يدّعي أصحابه عدم تصوير أنّه صلَّى مأموماً؟ وكأنّ حديث إمامته المذكور لَمّا كان في غاية الصّحّة ، ولَم يمكنهم ردُّه سلكوا في الانتصار وجوهاً مختلفة.
وقد تبيّن بصلاته خلف عبد الرّحمن بن عوف أنّ المراد بمنع التّقدّم بين يديه في غير الإمامة، وأنّ المراد بكون الأئمّة شفعاء. أي: في حقّ من يحتاج إلى الشّفاعة. ثمّ لو سلم أنّه لا يجوز أن يؤمّه أحد لَم يدلّ ذلك على منع أُمامة القاعد.
وقد أمَّ قاعداً جماعةٌ من الصّحابة بعده صلى الله عليه وسلم منهم أسيد بن حضيرٍ ، وجابر ، وقيس بن قهد ، وأنس بن مالك، والأسانيد عنهم بذلك صحيحة ، أخرجها عبد الرّزّاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وغيرهم. بل ادّعى ابن حبّان وغيره إجماع الصّحابة على صحّة إمامة القاعد. كما سيأتي.
وقال أبو بكر بن العربيّ: لا جواب لأصحابنا عن حديث مرض النّبيّ صلى الله عليه وسلم يخلص عند السّبك، واتّباع السّنّة أولى، والتّخصيص لا يثبت بالاحتمال.
قال: إلَاّ أنّي سمعت بعض الأشياخ يقول: الحال أحد وجوه التّخصيص، وحال النّبيّ صلى الله عليه وسلم والتّبرّك به وعدم العوض عنه يقتضي الصّلاة معه على أيّ حال كان عليها، وليس ذلك لغيره. وأيضاً فنقص صلاة القاعد عن القائم لا يتصوّر في حقّه، ويتصوّر في حقّ
غيره.
والجواب عن الأوّل: ردّه بعموم قوله صلى الله عليه وسلم " صلّوا كما رأيتموني أصلي ". وعن الثّاني: بأنّ النّقص إنّما هو في حقّ القادر في النّافلة، وأمّا المعذور في الفريضة فلا نقص في صلاته عن القائم.
واستدل به (1) على نسخ الأمر بصلاة المأموم قاعداً إذا صلَّى الإمام قاعداً لكونه صلى الله عليه وسلم أقرّ الصّحابة على القيام خلفه وهو قاعد.
هكذا قرّره الشّافعيّ، وكذا نقله البخاري عن شيخه الحميديّ - وهو تلميذ الشّافعيّ - وبذلك يقول أبو حنيفة وأبو يوسف والأوزاعيّ، وحكاه الوليد بن مسلم عن مالك.
وأنكر أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك ، وجَمعَ بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين:
إحداهما: إذا ابتدأ الإمام الرّاتب الصّلاة قاعداً لمرضٍ يرجى برؤه فحينئذٍ يصلّون خلفه قعوداً.
ثانيتهما: إذا ابتدأ الإمام الرّاتب قائماً لزم المأمومين أن يصلّوا خلفه قياماً. سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعداً أم لا. كما في الأحاديث التي في مرض موت النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنّ تقريره لهم على القيام دلَّ على أنّه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة ، لأنّ أبا بكر ابتدأ الصّلاة بهم قائماً وصلوا معه قياماً، بخلاف الحالة الأولى. فإنّه صلى الله عليه وسلم
(1) أي: حديث عائشة الذي تقدم ذكره في الشرح " أن أبا بكر يُصلِّي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، والناس بصلاة أبي بكر ، والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد. أخرجاه في الصحيحين
ابتدأ الصّلاة جالساً ، فلمّا صلوا خلفه قياماً أنكر عليهم.
ويقوّي هذا الجمع. أنّ الأصل عدم النّسخ، لا سيّما وهو في هذه الحالة يستلزم دعوى النّسخ مرّتين، لأنّ الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يُصلِّي قاعداً، وقد نسخ إلى القعود في حقّ من صلَّى إمامه قاعداً، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع النّسخ مرّتين وهو بعيدٌ.
وأبعد منه ما تقدّم عن نقل عياض فإنّه يقتضي وقوع النّسخ ثلاث مرّات.
وقد قال بقول أحمد. جماعةٌ من مُحدّثي الشّافعيّة كابن خزيمة وابن المنذر وابن حبّان.
وأجابوا عن حديث الباب بأجوبةٍ أخرى:
منها. قول ابن خزيمة: إنّ الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يُصلِّي قاعداً تبعاً لإمامه لَم يختلف في صحّتها ولا في سياقها، وأمّا صلاته صلى الله عليه وسلم قاعداً فاختلف فيها ، هل كان إماماً أو مأموماً؟.
قال: وما لَم يختلف فيه لا ينبغي تركه لمختلفٍ فيه.
وأجيب: بدفع الاختلاف ، والحمل على أنّه كان إماماً مرّة ومأموماً أخرى.
ومنها: أنّ بعضهم جمع بين القصّتين بأنّ الأمر بالجلوس كان للنّدب، وتقريره قيامهم خلفه كان لبيان الجواز، فعلى هذا الأمر من أمّ قاعداً لعذرٍ تخيّر من صلَّى خلفه بين القعود والقيام، والقعود أولى
لثبوت الأمر بالائتمام والاتّباع وكثرة الأحاديث الواردة في ذلك.
وأجاب ابن خزيمة عن استبعاد من استبعد ذلك: بأنّ الأمر قد صدر من النّبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك ، واستمرّ عليه عمل الصّحابة في حياته وبعده.
فروى عبد الرّزّاق بإسنادٍ صحيح عن قيس بن قهد - بفتح القاف وسكون الهاء - الأنصاريّ ، أنّ إماماً لهم اشتكى لهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: فكان يؤمّنا وهو جالس ونحن جلوس.
وروى ابن المنذر بإسنادٍ صحيح عن أسيد بن حضيرٍ ، أنّه كان يؤمّ قومه فاشتكى، فخرج إليهم بعد شكواه، فأمروه أن يُصلِّي بهم ، فقال: إنّي لا أستطيع أن أصلي قائماً فاقعدوا، فصلَّى بهم قاعداً وهم قعود.
وروى أبو داود من وجه آخر عن أسيد بن حضيرٍ ، أنّه قال: يا رسولَ الله. إنّ إمامنا مريض، قال: إذا صلَّى قاعداً فصلّوا قعوداً.
وفي إسناده انقطاع.
وروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عن جابر ، أنّه اشتكى، فحضرت الصّلاة فصلَّى بهم جالساً وصلوا معه جلوساً.
وعن أبي هريرة ، أنّه أفتى بذلك. وإسناده صحيح أيضاً.
وقد ألزم ابنُ المنذر مَن قال بأنّ الصّحابيّ أعلم بتأويل ما روى بأن يقول بذلك ، لأنّ أبا هريرة وجابراً رويا الأمر المذكور، واستمرّا على العمل به والفتيا بعد النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ويلزم ذلك مَن قال إنّ الصّحابيّ إذا روى وعمل بخلافه ، أنّ العبرة بما عمل من باب الأولى ، لأنّه هنا
عمل بوفق ما روى.
وقد ادّعى ابن حبّان الإجماع على العمل به ، وكأنّه أراد السّكوت، لأنّه حكاه عن أربعة من الصّحابة الذين تقدّم ذكرهم.
وقال: إنّه لا يحفظ عن أحد من الصّحابة غيرهم القول بخلافه لا من طريق صحيح ولا ضعيفٍ.
وكذا قال ابن حزمٍ: إنّه لا يحفظ عن أحدٍ من الصّحابة خلاف ذلك، ثمّ نازع في ثبوت كون الصّحابة صلَّوا خلفه صلى الله عليه وسلم وهو قاعدٌ قياماً غير أبي بكر، قال: لأنّ ذلك لَم يرد صريحاً، وأطال في ذلك بما لا طائل فيه.
والذي ادّعى نفيه قد أثبته الشّافعيّ ، وقال: إنّه في رواية إبراهيم عن الأسود عن عائشة.
ثمّ وجدتُّه مصرّحاً به أيضاً في مصنّف عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ أخبرني عطاء. فذكر الحديث. ولفظه: فصلَّى النّبيّ صلى الله عليه وسلم قاعداً ، وجعل أبو بكر وراءه بينه وبين النّاس ، وصلَّى النّاس وراءه قياماً.
وهذا مرسل يعتضد بالرّواية التي علَّقها الشّافعيّ عن النّخعيّ، وهذا هو الذي يقتضيه النّظر، فإنّهم ابتدءوا الصّلاة مع أبي بكر قياماً بلا نزاع، فمن ادّعى أنّهم قعدوا بعد ذلك فعليه البيان.
ثمّ رأيت ابن حبّان استدلَّ على أنّهم قعدوا بعد أن كانوا قياماً بما رواه من طريق أبي الزّبير عن جابر قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلَّينا وراءه وهو قاعد ، وأبو بكر يسمع النّاس تكبيره، قال:
فالتفت إلينا فرآنا قياماً فأشار إلينا فقعدنا. فلمّا سلَّم قال: إن كدتم لتفعلون فعل فارس والرّوم، فلا تفعلوا " الحديث.
وهو حديث صحيح. أخرجه مسلم، لكنّ ذلك لَم يكن في مرض موته، وإنّما كان ذلك حيث سقط عن الفرس كما في رواية أبي سفيان عن جابر أيضاً قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً بالمدينة فصرعه على جذع نخلة فانفكّت قدمه. الحديث. أخرجه أبو داود وابن خزيمة بإسنادٍ صحيح.
فلا حجّة على هذا لِمَا ادّعاه، إلَاّ أنّه تمسّك بقوله في رواية أبي الزّبير " وأبو بكر يسمع النّاس التّكبير ".
وقال: إنّ ذلك لَم يكن إلَاّ في مرض موته ، لأنّ صلاته في مرضه الأوّل كانت في مشربة عائشة ومعه نفر من أصحابه لا يحتاجون إلى من يسمعهم تكبيره بخلاف صلاته في مرض موته فإنّها كانت في المسجد بجمعٍ كثير من الصّحابة فاحتاج أبو بكر أن يسمعهم التّكبير. انتهى.
ولا راحة له فيما تمسّك به ، لأنّ إسماع التّكبير في هذا لَم يتابِع أبا الزّبير عليه أحدٌ، وعلى تقدير أنّه حفظه فلا مانع أن يسمعهم أبو بكر التّكبير في تلك الحالة ، لأنّه يحمل على أنّ صوته صلى الله عليه وسلم كان خفيّاً من الوجع، وكان من عادته أن يجهر بالتّكبير فكان أبو بكر يجهر عنه بالتّكبير لذلك.
ووراء ذلك كلّه أنّه أمر محتملٌ لا يترك لأجله الخبر الصّريح بأنّهم
صلّوا قياماً كما تقدّم في مرسل عطاء وغيره، بل في مرسل عطاء أنّهم استمرّوا قياماً إلى أن انقضت الصّلاة.
نعم. وقع في مرسل عطاء المذكور متّصلاً به بعد قوله: وصلَّى النّاس وراءه قياماً ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما صليتم إلَاّ قعوداً، فصلّوا صلاة إمامكم ما كان، إن صلَّى قائماً فصلّوا قياماً ، وإن صلَّى قاعداً فصلّوا قعوداً.
وهذه الزّيادة تقوّي ما قال ابن حبّان: إنّ هذه القصّة كانت في مرض موت النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ويستفاد منها نسخ الأمر بوجوب صلاة المأمومين قعوداً إذا صلَّى إمامهم قاعداً ، لأنّه صلى الله عليه وسلم لَم يأمرهم في هذه المرّة الأخيرة بالإعادة.
لكن إذا نسخ الوجوب يبقى الجواز، والجواز لا ينافي الاستحباب فيحمل أمره الأخير بأن يصلّوا قعوداً على الاستحباب لأنّ الوجوب قد رفع بتقريره لهم وترك أمرهم بالإعادة. هذا مقتضى الجمع بين الأدلة. وبالله التّوفيق. والله أعلم