الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثالث والسبعون
122 -
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، أنّه قال: من أكل ثوماً أو بصلاً ، فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته.
وأُتِي بقِدْرٍ فيه خضراتٌ من بقولٍ ، فوجد لها ريحاً ، فسأل؟ فأُخبر بما فيها من البقول ، فقال: قرّبوها إلى بعض أصحابي ، فلمّا رآه كره أكلها ، قال: كُل. فإنّي أناجي من لا تناجي. (1)
الحديث الرابع والسبعون
123 -
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: مَن أكل الثّومَ والبصلَ والكرّاثَ فلا يقْرَبنّ مسجدنا، فإنّ الملائكةَ تتأذّى ممّا يتأذّى منه الإنسان. وفي روايةٍ: بني آدم. (2)
قوله: (عن جابر) وللبخاري " أنَّ جابر بن عبد الله زعم ".
قال الخطّابيّ: لَم يقل زعم على وجه التّهمة، لكنّه لَمّا كان أمراً مختلفاً
(1) أخرجه البخاري (817 ، 5137 ، 6926) ومسلم (564) من طريق يونس عن الزهري عن عطاء عن جابر رضي الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري (816) ومسلم (564) من طريق ابن جريج عن عطاء عن جابر رضي الله عنه. واللفظ لمسلم. واختصره البخاري كما سيذكر الشارح.
وأخرجه مسلم (653) من رواية هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر. نحو رواية الباب.
فيه ، أتى بلفظ الزّعم ، لأنّ هذا اللفظ لا يكاد يستعمل إلَاّ في أمر يرتاب به أو يختلف فيه.
قلت: وقد يستعمل في القول المحقّق أيضاً، وكلام الخطّابيّ لا ينفي ذلك، وفي رواية أحمد بن صالح عند البخاري عن جابر ، ولَم يقل " زعم ".
قوله: (من أكل ثوماً) وللبخاري عن ابن جريج عن عطاء عن جابر: من أكل من هذه الشجرة - يريد الثوم - فلا يغشانا في مساجدنا ، قلت: ما يعني به؟ قال: ما أراه يعني إلَاّ نيئه، وقال مخلد بن يزيد: عن ابن جريج: إلَاّ نتنه.
وقوله: " يريد الثّوم " لَم أعرف الذي فسّره ، وأظنّه ابن جريجٍ فإنّ في رواية الزّهريّ عن عطاء الجزم بذكر الثّوم.
على أنّه قد اختلف في سياقه عن ابن جريجٍ.
فقد رواه مسلم من رواية يحيى القطّان عن ابن جريجٍ بلفظ " من أكل من هذه البقلة الثّوم " وقال مرّة " من أكل البصل والثّوم والكرّاث " ، ورواه أبو نعيمٍ في " المستخرج " من طريق روح بن عبادة عن ابن جريجٍ مثله ، وعيّن الذي قال، وقال مرّة ، ولفظه: قال ابن جريجٍ: وقال عطاء في وقت آخر: الثّوم والبصل والكرّاث.
ورواه أبو الزّبير عن جابر بلفظ: نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن أكل البصل والكرّاث ، قال: ولَم يكن ببلدنا يومئذٍ الثّوم. هكذا أخرجه ابن خزيمة من رواية يزيد بن إبراهيم وعبد الرّزّاق عن ابن عيينة كلاهما
عن أبي الزّبير.
قلت: هذا لا ينافي التّفسير المتقدّم ، إذ لا يلزم من كونه لَم يكن بأرضهم أن لا يجلب إليهم، حتّى لو امتنع هذا الحمل لكانت رواية المثبت مقدّمة على رواية النّافي، والله أعلم
قال ابن بطّال: هذا يدلّ على إباحة أكل الثّوم، لأنّ قوله " من أكل " لفظ إباحة.
وتعقّبه ابن المنير: بأنّ هذه الصّيغة إنّما تعطي الوجود لا الحكم، أي: من وجد منه الأكل، وهو أعمّ من كونه مباحاً أو غير مباح.
وفي حديث أبي سعيد عند مسلم الدّلالة على عدم تحريمه ، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئاً، فلا يقربنا في المسجد ، فقال الناس: حرمت، حرمت، فبلغ ذاك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس إنه ليس بي تحريم ما أحلَّ الله لي، ولكنها شجرة أكره ريحها.
قوله: (فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا) شكّ من الرّاوي وهو الزّهريّ، ولَم تختلف الرّواة عنه في ذلك
قوله: (وليقعد في بيته) بواو العطف، وكذا لمسلمٍ، ولإبي ذر " أو ليقعد في بيته " بالشّكّ أيضاً ، وهي أخصّ من الاعتزال ، لأنّه أعمّ من أن يكون في البيت أو غيره.
قوله: (وأتي بقدرٍ) وللبخاري " وأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أتي بقدر " هذا حديث آخر، وهو معطوف على الإسناد المذكور، والتّقدير. وحدّثنا سعيد بن عفير قال: حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب،
زعم عطاء، أنَّ جابر بن عبد الله زعم ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أتي .. ".
وهذا الحديث الثّاني كان متقدّماً على الحديث الأوّل بستّ سنين، لأنّ الأوّل في حديث ابن عمر في البخاري وغيره ، أنّه وقع منه صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر - وكانت سنة سبع - وهذا وقع في السّنة الأولى عند قدومه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ونزوله في بيت أبي أيّوب الأنصاريّ كما سأبيّنه.
قوله: (بقدرٍ) بكسر القاف وهو ما يطبخ فيه، ويجوز فيه التّأنيث والتّذكير، والتّأنيث أشهر، لكنّ الضّمير في قوله " فيه خُضَرات " يعود على الطّعام الذي في القدر، فالتّقدير أتي بقدرٍ من طعام فيه خُضَرات، ولهذا لَمّا أعاد الضّمير على القدر أعاده بالتّأنيث حيث قال " فأخبر بما فيها " وحيث قال " قرّبوها "
وللبخاري في الاعتصام حدثنا أحمد بن صالح عن ابن وهب فقال " أتي ببدر " فخالف سعيدَ بن عفير في هذه اللفظة فقط ، وشاركه في سائر الحديث عن ابن وهب بإسناده المذكور ، وفيه قول ابن وهب " يعني: طبقاً فيه خضرات "، وكذا أخرجه أبو داود عن أحمد بن صالح، لكن أخّر تفسير ابن وهب فذكره بعد فراغ الحديث. وأخرجه مسلم عن أبي الطّاهر وحرملة كلاهما عن ابن وهب فقال " بقدرٍ " بالقاف.
ورجّح جماعةٌ من الشّرّاح روايةَ أحمد بن صالح لكون ابن وهب فسّر " البدر " بالطّبق فدلَّ على أنّه حدّث به كذلك.
وزعم بعضهم أنّ لفظة " بقدرٍ " تصحيف ، لأنّها تشعر بالطّبخ ،
وقد ورد الإذن بأكل البقول مطبوخة، بخلاف الطّبق فظاهره أنّ البقول كانت فيه نيئة.
والذي يظهر لي أنّ رواية " القدر " أصحّ لِمَا جاء من حديث أبي أيّوب وأمّ أيّوب جميعاً، فإنّ فيه التّصريح بالطّعام، ولا تعارض بين امتناعه صلى الله عليه وسلم من أكل الثّوم وغيره مطبوخاً ، وبين إذنه لهم في أكل ذلك مطبوخاً، فقد علَّل ذلك بقوله " إنّي لست كأحدٍ منكم ".
وترجم ابن خزيمة على حديث أبي أيّوب (ذِكْر ما خصّ الله نبيّه به من ترك أكل الثّوم ونحوه مطبوخاً).
وقد جمع القرطبيّ في " المفهم " بين الرّوايتين: بأنّ الذي في القدر لَم ينضج حتّى تضمحلّ رائحته ، فبقي في حكم النّيء.
وقوله " ببدرٍ " بفتح الموحّدة وهو الطّبق، سُمِّي بذلك لاستدارته تشبيهاً له بالقمر عند كماله.
قوله: (خُضَرات) بضمّ الخاء وفتح الضّاد المعجمتين. كذا ضُبط في رواية أبي ذرّ، ولغيره بفتح أوّله وكسر ثانيه وهو جمع خضرة، ويجوز مع ضمّ أوّله ضمّ الضّاد وتسكينها أيضاً.
قوله: (إلى بعض أصحابه) قال الكرمانيّ: فيه النّقل بالمعنى، إذ الرّسول صلى الله عليه وسلم لَم يقله بهذا اللفظ ، بل قال: قرّبوها إلى فلان مثلاً، أو فيه حذف. أي: قال: قرّبوها مشيراً أو أشار إلى بعض أصحابه.
قلت: والمراد بالبعض أبو أيّوب الأنصاريّ، ففي صحيح مسلم من حديث أبي أيّوب في قصّة نزول النّبيّ صلى الله عليه وسلم عليه ، قال: فكان يصنع
للنّبيّ صلى الله عليه وسلم طعاماً فإذا جيء به إليه - أي بعد أن يأكل النّبيّ صلى الله عليه وسلم منه ، سأل عن موضع أصابع النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فصنع ذلك مرّة فقيل له: لَم يأكل، وكان الطّعام فيه ثوم، فقال: أحرام هو يا رسولَ الله؟ قال: لا. ولكن أكرهه.
قوله: (كل فإنّي أناجي من لا تناجي) أي: الملائكة، وفي حديث أبي أيّوب عند ابن خزيمة وابن حبّان من وجه آخر ، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليه بطعامٍ من خضرة فيه بصل أو كرّاث ، فلم ير فيه أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يأكل، فقال له: ما منعك؟ قال: لَم أر أثر يدك ، قال: أستحي من ملائكة الله ، وليس بمحرّمٍ.
ولهما من حديث أمّ أيّوب ، قالت: نزل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلَّفنا له طعاماً فيه بعض البقول، فذكر الحديث نحوه. وقال فيه: كُلوا، فإنّي لست كأحدٍ منكم، إنّي أخاف أوذي صاحبي.
وكان أبو أيّوب استدل بعموم قوله تعالى {لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ} على مشروعيّة متابعته في جميع أفعاله ، فلمّا امتنع النّبيّ صلى الله عليه وسلم من أكل تلك البقول تأسّى به ، فبيّن له النّبيّ صلى الله عليه وسلم وجه تخصيصه فقال: إنّي أناجي من لا تناجي.
واختلف هل كان أكلُ ذلك حراماً على النّبيّ صلى الله عليه وسلم أو لا؟.
فقيل: كان محرماً عليه ، والرّاجح الحلّ ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: وليس بمحرّمٍ. كما تقدّم من حديث أبي أيّوب عند ابن خزيمة.
وحجّة الأوّل: أنّ العلة في المنع ملازمة الملك له صلى الله عليه وسلم، وأنّه ما من
ساعة إلَاّ وملك يمكن أن يلقاه فيها.
قوله في حديث جابر الثاني (فلا يقربنّ) وللبخاري عن أنس مرفوعاً: من أكل من هذه الشجرة فلا يقرَبَنّا. بفتح الرّاء والموحّدة وتشديد النّون.
وليس في حديث أنس تقييد النّهي بالمسجد ، فيستدلّ بعمومه على إلحاق الْمَجَامع بالمساجد كمُصلَّى العيد والجنازة ومكان الوليمة.
وقد ألحقها بعضهم بالقياس والتّمسّك بهذا العموم أولى، ونظيره قوله " وليقعد في بيته " كما تقدّم.
لكن قد علَّل المنع في الحديث بترك أذى الملائكة وترك أذى المسلمين، فإن كان كلّ منهما جزء عِلَّة اختصّ النّهي بالمساجد وما في معناها، وهذا هو الأظهر، وإلَاّ لعمّ النّهي كلّ مجمع كالأسواق.
ويؤيّد هذا البحث قوله في حديث أبي سعيد عند مسلم: من أكل من هذه الشّجرة شيئاً فلا يقربنا في المسجد.
قال القاضي ابن العربيّ: ذِكْر الصّفة في الحكم يدلّ على التّعليل بها، ومن ثَمَّ ردّ على المازريّ حيث قال: لو أنّ جماعة مسجد أكلوا كلّهم ما له رائحة كريهة لَم يمنعوا منه، بخلاف ما إذا أكل بعضهم، لأنّ المنع لَم يختصّ بهم بل بهم وبالملائكة، وعلى هذا يتناول المنع من تناول شيئاً من ذلك ودخل المسجد مطلقاً ولو كان وحده.
واستدل بأحاديث الباب على أنّ صلاة الجماعة ليست فرض عين.
قال ابن دقيق العيد: لأنّ اللازم من منعه أحد أمرين:
الأول: إمّا أن يكون أكل هذه الأمور مباحاً فتكون صلاة الجماعة ليست فرض عين.
الثاني: أو حراماً فتكون صلاة الجماعة فرضاً.
وجمهور الأمّة على إباحة أكلها فيلزم أن لا تكون الجماعة فرض عين. وتقريره أن يقال: أكل هذه الأمور جائز، ومن لوازمه ترك صلاة الجماعة، وترك الجماعة في حقّ آكلها جائز، ولازم الجائز جائز وذلك ينافي الوجوب (1).
ونقل عن أهل الظّاهر أو بعضهم تحريمها ، بناء على أنّ الجماعة فرض عين، وتقريره أن يقال: صلاة الجماعة فرض عين، ولا تتمّ إلَاّ بترك أكلها، وما لا يتمّ الواجب إلَاّ به فهو واجب، فترك أكل هذا واجب فيكون حراماً. انتهى.
وكذا نقله غيره عن أهل الظّاهر، لكن صرّح ابن حزم منهم. بأنّ أكلها حلال مع قوله بأنّ الجماعة فرض عين، وانفصل عن اللّزوم المذكور. بأنّ المنع من أكلها مختصّ بمن علم بخروج الوقت قبل زوال
(1) قال الشيخ ابن باز (2/ 443): ليس هذا التقرير بجيد ، والصواب أنَّ إباحةَ أكل هذه الخضراوات ذوات الرائحة الكريهة لا ينافي كون الجماعة فرض عين ، كما أنَّ حضور الطعام يسوغ ترك الجماعة لمن قُدِّم بين يديه مع كون ذلك مباحاً. وخلاصة الكلام أنَّ الله سبحانه يسَّر على عباده ، وجعل مثل هذه المباحات عذراً في ترك الجماعة لمصلحة شرعيّة ، فإذا أراد أحد أن يتخذها حيلة لترك الجماعة حرم عليه ذلك. والله أعلم
الرّائحة. ونظيره أنّ صلاة الجمعة فرض عين بشروطها، ومع ذلك تسقط بالسّفر. وهو في أصله مباح، لكن يحرم على من أنشأه بعد سماع النّداء.
وقال ابن دقيق العيد أيضاً: قد يستدلّ بهذا الحديث على أنّ أكل هذه الأمور من الأعذار المرخّصة في ترك حضور الجماعة، وقد يقال: إنّ هذا الكلام خرج مخرج الزّجر عنها ، فلا يقتضي ذلك أن يكون عذراً في تركها إلَاّ أن تدعو إلى أكلها ضرورة. قال: ويبعد هذا من وجه تقريبه إلى بعض أصحابه، فإنّ ذلك ينفي الزّجر. انتهى
ويمكن حمله على حالتين، والفرق بينهما أنّ الزّجر وقع في حقّ من أراد إتيان المسجد، والإذن في التّقريب وقع في حالة لَم يكن فيها ذلك، بل لَم يكن المسجد النّبويّ إذ ذاك بني، فقد قدّمت أنّ الزّجر متأخّر عن قصّة التّقريب بستّ سنين.
وقال الخطّابيّ: توهّم بعضهم أنّ أكل الثّوم عذر في التّخلّف عن الجماعة، وإنّما هو عقوبة لآكله على فعله إذ حرم فضل الجماعة. انتهى
وكأنّه يخصّ الرّخصة بما لا سبب للمرء فيه كالمطر مثلاً، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون أكلها حراماً، ولا أنّ الجماعة فرض عين.
واستدل المُهلَّب بقوله " فإنّي أناجي من لا تناجي " على أنّ الملائكة أفضل من الآدميّين.
وفيه نظرٌ، لأنّ المراد بمن كان صلى الله عليه وسلم يناجيه من ينزل عليه بالوحي وهو في الأغلب الأكثر جبريل، ولا يلزم من وجود دليل يدلّ على
أفضليّة جبريل على مثل أبي أيّوب أن يكون أفضل ممّن هو أفضل من أبي أيّوب، ولا سيّما إن كان نبيّاً، ولا يلزم من تفضيل بعض الأفراد على بعض تفضيل جميع الجنس على جميع الجنس.
ونقل ابن التّين عن مالكٍ قال: الفجل إن كان يظهر ريحه فهو كالثّوم. وقيّده عياضٌ بالجشاء.
قلت: وفي الطّبرانيّ الصّغير من حديث أبي الزّبير عن جابر التّنصيص على ذكر الفجل في الحديث، لكن في إسناده يحيى بن راشد. وهو ضعيف.
وألْحَقَ بعض الشافعية بذلك مَن بفيه بَخرٌ أو به جرح له رائحة. وزاد بعضهم ، فألحق أصحاب الصّنائع كالسّمّاك، والعاهات كالمجذوم، ومن يؤذي النّاس بلسانه ، وأشار ابن دقيق العيد: إلى أنّ ذلك كلّه توسّع غير مرضيّ.
واختلف في الكراهية:
القول الأول: الجمهور على التّنزيه.
القول الثاني: عن الظّاهريّة التّحريم.
وأغرب عياضٌ فنقل عن أهل الظّاهر تحريم تناول هذه الأشياء مطلقاً ، لأنّها تمنع حضور الجماعة والجماعة فرض عين ، ولكن صرَّح ابن حزمٍ بالجواز ، ثمّ يحرم على من يتعاطى ذلك حضور المسجد ، وهو أعلم بمذهبه من غيره.
قوله: (مسجدنا) وللبخاري من طريق يحيى القطان عن عبيد الله
عن نافع عن ابن عمر ، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزوة خيبر: من أكل من هذه الشجرة - يعني الثوم - فلا يقربن مسجدنا " ، قوله قال (في غزوة خيبر) قال الداودي: أي حين أراد الخروج ، أو حين قدم.
وتعقبه ابن التين. بأن الصواب أنه قال ذلك وهو في الغزاة نفسها ، قال: ولا ضرورة تمنع أن يخبرهم بذلك في السفر. انتهى.
فكأنَّ الذي حمل الداوديَّ على ذلك. قوله في الحديث: فلا يقربن مسجدنا. لأنَّ الظاهر أنَّ المراد به مسجد المدينة فلهذا حمل الخبر على ابتداء التوجه إلى خيبر أو الرجوع إلى المدينة ، لكن حديث أبي سعيد عند مسلم دلَّ على أنّ القول المذكور صدر منه صلى الله عليه وسلم عقب فتح خيبر.
فعلى هذا فقوله " مسجدنا " يريد به المكان الذي أعدّ ليصلِّي فيه مدّة إقامته هناك ، أو المراد بالمسجد الجنس ، والإضافة إلى المسلمين. أي: فلا يقربنّ مسجد المسلمين
ويؤيّده رواية أحمد عن يحيى القطّان فيه بلفظ " فلا يقربنّ المساجد " ونحوه لمسلمٍ. وهذا يدفع قول من خصّ النّهيَّ بمسجد النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد حكاه ابن بطّال عن بعض أهل العلم ووهّاه.
وفي مصنّف عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ قال: قلت لعطاءٍ: هل النّهي للمسجد الحرام خاصّة ، أو في المساجد؟ قال: لا. بل في المساجد.
فائدتان:
الفائدة الأولى: في قوله " شجرة " مجاز ، لأنّ المعروف في اللّغة أنّ
الشّجرة ما كان لها ساقٌ ، وما لا ساق له يقال له نجم، وبهذا فسّر ابن عبّاسٍ وغيره قوله تعالى (والنّجم والشّجر يسجدان).
ومن أهل اللّغة مَن قال: كلّ ما ثبتت له أرومة، أي: أصل في الأرض يخلف ما قطع منه فهو شجرٌ، وإلا فنجمٌ.
وقال الخطّابيّ: في هذا الحديث إطلاق الشّجر على الثّوم ، والعامّة لا تعرف الشّجر إلَاّ ما كان له ساق. انتهى.
ومنهم مَن قال: بين الشّجر والنّجم عمومٌ وخصوصٌ، فكلّ نجمٍ شجرٌ من غير عكس كالشّجر والنّخل، فكلّ نخلٍ شجر من غير عكس.
الفائدة الثانية: حكم رحبة المسجد وما قرب منها حكمه، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحها في المسجد أمر بإخراج من وجدت منه إلى البقيع كما ثبت في مسلم عن عمر رضي الله عنه.
تنبيهٌ: وقع في حديث حذيفة عند ابن خزيمة: من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربنّ مسجدنا، ثلاثاً. وبوّب عليه " توقيت النّهي عن إتيان الجماعة لآكل الثّوم ".
وفيه نظرٌ، لاحتمال أن يكون قوله " ثلاثاً " يتعلق بالقول، أي: قال ذلك ثلاثاً، بل هذا هو الظّاهر، لأنّ عِلَّة المنع وجود الرّائحة. وهي لا تستمرّ هذه المدّة.