الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني والأربعون
91 -
عن مطرّف بن عبد الله ، قال: صلَّيتُ أنا وعمران بن حصينٍ خلف عليّ بن أبي طالبٍ. فكان إذا سجد كبّر ، وإذا رفع رأسه كبّر ، وإذا نَهَض من الرّكعتين كبّر ، فلمّا قضى الصّلاة أخذ بيدي عمران بن حصينٍ ، وقال: قد ذكّرني هذا صلاةَ محمّدٍ صلى الله عليه وسلم ، أو قال: صلَّى بنا صلاة محمّدٍ صلى الله عليه وسلم. (1)
قوله: (عن مطرِّف بن عبد الله) ابن الشخير من كبار التابعين ، ولا صحبة له.
قوله: (صليت خلف عليّ بن أبي طالبٍ أنا وعمران) استدلَّ به على أنّ موقف الاثنين يكون خلف الإمام. خلافاً لِمَن قال يجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله. (2)
وفيه نظرٌ. لأنّه ليس فيه أنّه لَم يكن معهما غيرهما.
وفي رواية للبخاري " أنّ ذلك كان بالبصرة بعد وقعة الجمل " ، وكذا رواه سعيد بن منصورٍ من رواية حميد بن هلالٍ عن عمران " بالبصرة ".
ووقع لأحمد من طريق سعيد بن أبي عروبة عن غيلان بن جرير عن
(1) أخرجه البخاري (753 ، 792) ومسلم (393) من طريق غيلان بن جرير ، والبخاري أيضاً (751) من طريق أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير كلاهما عن مطرف به.
(2)
تقدّم ذكر الخلاف في هذه المسألة. في حديث رقم (77)
مطرف " بالكوفة " وكذا لعبد الرّزّاق عن معمرٍ عن قتادة وغير واحدٍ عن مطرّفٍ.
فيحتمل: أن يكون ذلك وقع منه بالبلدين، وقد ذكره في رواية أبي العلاء عن مطرف عند البخاري بصيغة العموم ، وهنا بذكر السّجود والرّفع والنّهوض من الرّكعتين فقط ، ففيه إشعارٌ بأنّ هذه المواضع الثّلاثة هي التي كان ترك التّكبير فيها حتّى تذكّرها عمران بصلاة عليٍّ.
قوله: (وإذا نهض من الرّكعتين كبّر) ذهب أكثر العلماء إلى أنّ المُصلِّي يشرع في التّكبير أو غيره عند ابتداء الخفض أو الرّفع.
إلَاّ أنّه اختلف عن مالك في القيام إلى الثّالثة من التّشهّد الأوّل.
فروى في " الموطّأ " عن أبي هريرة وابن عمر وغيرهما ، أنّهم كانوا يكبّرون في حال قيامهم، وروى ابن وهب عنه ، أنّ التّكبير بعد الاستواء أولى، وفي المدوّنة: لا يكبّر حتّى يستوي قائماً.
ووجّهه بعض أتباعه: بأنّ تكبير الافتتاح يقع بعد القيام فينبغي أن يكون هذا نظيره من حيث إنّ الصّلاة فرضت أوّلاً ركعتين ، ثمّ زيدت الرّباعيّة فيكون افتتاح المزيد كافتتاح المزيد عليه.
وكان ينبغي لصاحب هذا الكلام أن يستحبّ رفع اليدين حينئذٍ لتكمل المناسبة، ولا قائل منهم به (1).
(1) قال الشيخ ابن باز (2/ 393) يعني من المالكية. ولا ريب أنَّ السنة في ذلك التكبير حين ينهض إلى الثالثة مع رفع اليدين كما ثبت ذلك من حديث ابن عمر. والله أعلم.
قوله: (قد ذكّرني) بتشديد الكاف وفتح الرّاء.
وفيه إشارةٌ إلى أنّ التّكبير الذي ذكره كان قد ترك، وقد روى أحمد والطّحاويّ بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي موسى الأشعريّ قال: ذكَّرَنا عليٌّ صلاةً كنّا نُصلِّيها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. إمّا نسيناها ، وإمّا تركناها عمداً.
ولأحمد من وجهٍ آخر عن مطرّفٍ قال: قلنا - يعني لعمران بن حصينٍ - يا أبا نجيدٍ - هو بالنّون والجيم مصغّرٌ - مَن أوّل مَن ترك التّكبير؟ قال: عثمان بن عفّان حين كبُر وضعف صوته.
وهذا يحتمل إرادة ترك الجهر.
وروى الطّبرانيّ عن أبي هريرة ، أنّ أوّل من ترك التّكبير معاوية.
وروى أبو عبيدٍ ، أنّ أوّل من تركه زيادٌ. وهذا لا ينافي الذي قبله ، لأنّ زياداً تركه بترك معاوية، وكأنّ معاوية تركه بترك عثمان.
وقد حمل ذلك جماعةٌ من أهل العلم على الإخفاء.
ويرشّحه ما رواه البخاري عن سعيد بن الحارث قال: صلَّى لنا أبو سعيد فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود، وحين سجد وحين رفع وحين قام من الركعتين ، وقال: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن حكى الطّحاويّ: أنّ قوماً كانوا يتركون التّكبير في الخفض دون الرّفع. قال: وكذلك كانت بنو أُميَّة تفعل، وروى ابن المنذر نحوه عن ابن عمر وعن بعض السّلف ، أنّه كان لا يكبّر سوى تكبيرة الإحرام.
وفرّق بعضهم بين المنفرد وغيره، ووجّهه بأنّ التّكبير شرع للإيذان بحركة الإمام فلا يحتاج إليه المنفرد. لكن استقرّ الأمر على مشروعيّة التّكبير في الخفض والرّفع لكل مصلٍّ.
القول الأول: الجمهور على ندبيّة ما عدا تكبيرة الإحرام.
القول الثاني: عن أحمد وبعض أهل العلم بالظّاهر يجب كلّه (1).
قال ناصر الدّين بن المنير: الحكمة في مشروعيّة التّكبير في الخفض والرّفع. أنّ المكلف أمر بالنّيّة أوّل الصّلاة مقرونةً بالتّكبير، وكان من حقّه أن يستصحب النّيّة إلى آخر الصّلاة، فأمر أن يجدّد العهد في أثنائها بالتّكبير الذي هو شعار النّيّة. (2)
قوله: (أو قال) هو شكٌّ من أحد رواته، ويحتمل: أن يكون من حمّاد بن زيد. فقد رواه أحمد من رواية سعيد بن أبي عروبة عن غيلان عن مطرف بلفظ " صلَّى بنا هذا مثل صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولَم يشكّ.
(1) قال الشيخ ابن باز (2/ 249): وهذا القول أظهر من حيث الدليل ، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حافظ عليه وأمر به ، وأصل الأمر الوجوب ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: صلّو كما رأيتموني أصلي ". وأمَّا ما روي عن عثمان ومعاوية من عدم إتمام التكبير فهو محمول على عدم الجهر بذلك. لا أنهما تركاه. إحساناً للظن بهما. وعلى التسليم أنَّ الترك وقع منهما. فالحجة مقدَّمة على رأيهما رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة أجمعين. والله أعلم.
(2)
قال الشيخ ابن باز (2/ 350): ولو قيل: إن الحكمة في تكرار شرعية التكبير تنبيه المُصلِّي على أنَّ الله سبحانه أكبر من كل كبير وأعظم من كل عظيم. فلا ينبغي التشاغل عن طاعته بشيء من الأشياء ، بل ينبغي الإقبال عليها بالقلب ، والقالب والخشوع فيها تعظيماً له سبحانه وطلباً لرضاه ، لكان ذلك متجهاً. والله أعلم
وفي رواية قتادة عن مطرّفٍ قال عمران: ما صليت منذ حينٍ أو منذ كذا وكذا أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الصّلاة.
قال ابن بطّالٍ: ترك النّكير على من ترك التّكبير يدلّ على أنّ السّلف لَم يتلقّوه على أنّه ركنٌ من الصّلاة.
وأشار الطّحاويّ. إلى أنّ الإجماع استقرّ على أنّ من تركه فصلاته تامّةٌ.
وفيه نظرٌ. لِمَا تقدّم عن أحمد، والخلاف في بطلان الصّلاة بتركه ثابتٌ في مذهب مالكٍ إلَاّ أن يريد إجماعاً سابقاً.