الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الواحد والأربعون
90 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصّلاة يكبّر حين يقوم ، ثمّ يكبّر حين يركع ، ثمّ يقول: سمع الله لمن حمده ، حين يرفع صلبه من الرّكعة ، ثمّ يقول وهو قائمٌ: ربّنا ولك الحمد ، ثمّ يكبّر حين يهوي ، ثمّ يكبّر حين يرفع رأسه ، ثمّ يكبّر حين يسجد ، ثمّ يكبّر حين يرفع رأسه ، ثمّ يفعل ذلك في صلاته كلها ، حتّى يقضيها ، ويكبّر حين يقوم من الثّنتين بعد الجلوس. (1)
قوله: (يكبّر حين يقوم) فيه التّكبير قائماً، وهو بالاتّفاق في حقّ القادر.
قوله: (ثمّ يكبّر حين يركع) قال النّوويّ: فيه دليلٌ على مقارنة التّكبير للحركة وبسطه عليها، فيبدأ بالتّكبير حين يشرع في الانتقال إلى الرّكوع، ويمدّه حتّى يَصِلَ إلى حدّ الرّاكع. انتهى.
ودلالة هذا اللفظ على البسط الذي ذكره غير ظاهرةٍ.
قوله: (حين يرفع .. إلخ) فيه أنّ التّسميع ذكر النّهوض، وأنّ التّحميد ذكر الاعتدال.
وفيه دليلٌ على أنّ الإمام يجمع بينهما خلافاً لمالكٍ وأبي حنيفة كما
(1) أخرجه البخاري (752 ، 756 ، 771 ، 772) ومسلم (392) من طريق الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبي سلمة عن أبي هريرة. مطولاً ومختصراً
وأخرجه البخاري (762) ومسلم (392) من طرق أخرى عن أبي هريرة نحوه.
حكاه الطحاوي.
واستدلوا بحديث أبي هريرة في الصحيحين ، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده ، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد.
وفيه نظرٌ. لأنّه ليس فيه ما يدلّ على النّفي، بل فيه أنّ قول المأموم ربّنا لك الحمد يكون عقب قول الإمام سمع الله لمن حمده، والواقع في التّصوير ذلك ، لأنّ الإمام يقول التّسميع في حال انتقاله والمأموم يقول التّحميد في حال اعتداله، فقوله يقع عقب قول الإمام كما في الخبر.
وهذا الموضع يقرب من مسألة التّأمين من أنّه لا يلزم من قوله " إذا قال ولا الضّالين ، فقولوا: آمين " أنّ الإمام لا يؤمّن بعد قوله " ولا الضّالين "، وليس فيه أنّ الإمام يؤمّن كما أنّه ليس في هذا أنّه يقول ربّنا لك الحمد، لكنّهما مستفادان من أدلة أخرى صحيحة صريحة كما في التّأمين ، وكما في حديث الباب أنّه صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين التّسميع والتّحميد.
وأمّا ما احتجّوا به من حيث المعنى من أنّ معنى " سمع الله لمن حمده " طلب التّحميد فيناسب حال الإمام، وأمّا المأموم فتناسبه الإجابة بقوله ربّنا لك الحمد
ويقوّيه حديث أبي موسى الأشعريّ عند مسلم وغيره ففيه: وإذا قال سمع الله لمن حمده ، فقولوا: ربّنا ولك الحمد ، يسمع الله لكم.
فجوابه أن يقال: لا يدلّ ما ذكرتم على أنّ الإمام لا يقول ربّنا ولك
الحمد، إذ لا يمتنع أن يكون طالباً ومجيباً، وهو نظير ما تقدّم في مسألة التّأمين من أنّه لا يلزم من كون الإمام داعياً والمأموم مؤمّناً أن لا يكون الإمام مؤمّناً.
ويقرب منه الجمع بين الحيعلة والحوقلة لسامع المؤذّن. وقضيّة ذلك أنّ الإمام يجمعهما وهو قول الشّافعيّ وأحمد وأبي يوسف ومحمّد والجمهور، والأحاديث الصّحيحة تشهد له.
وزاد الشّافعيّ: أنّ المأموم يجمع بينهما أيضاً.
لكن لَم يصحّ في ذلك شيء ، وقد ورد في ذلك حديث عن أبي هريرة أيضاً أخرجه الدّارقطنيّ بلفظ: كنّا إذا صلَّينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: سمع الله لمن حمده، قال مَن وراءه: سمع الله لمن حمده.
ولكن قال الدّارقطنيّ: المحفوظ في هذا " فليقل من وراءه ربّنا ولك الحمد ".
ولَم يثبت عن ابن المنذر أنّه قال: إنّ الشّافعيّ انفرد بذلك ، لأنّه قد نقل في الإشراف عن عطاء وابن سيرين وغيرهما القول بالجمع بينهما للمأموم.
وأمّا المنفرِد فحكى الطّحاويّ وابن عبد البرّ الإجماع على أنّه يجمع بينهما، وجعله الطّحاويّ حجّةً لكون الإمام يجمع بينهما. للاتّفاق على اتّحاد حكم الإمام والمنفرد، لكن أشار صاحب الهداية إلى خلاف عندهم في المنفرد.
قوله: (ولك الحمد) كذا ثبت زيادة الواو في طرق كثيرة، وفي
بعضها كما في البخاري بحذفها.
قال النّوويّ: المختار لا ترجيح لأحدهما على الآخر.
وقال ابن دقيق العيد: كأنّ إثبات الواو دالٌّ على معنى زائد، لأنّه يكون التّقدير مثلاً ربّنا استجب ولك الحمد، فيشتمل على معنى الدّعاء ومعنى الخبر. انتهى
وهذا بناء على أنّ الواو عاطفة، وقيل: هي زائدةٌ ، وقيل: هي واو الحال. قاله ابن الأثير ، وضعّف ما عداه. والأكثر رجّحوا ثبوتها.
وقال الأثرم: سمعت أحمد يثبت الواو في " ربّنا ولك الحمد " ويقول: ثبت فيه عدّة أحاديث.
قوله: (ثمّ يكبّر حين يهوي) يعني ساجداً و " يهوي " ضبطناه بفتح أوّله، أي يسقط. وفيه أنّ التّكبير ذكرُ الهويّ، فيبتدئ به من حين يشرع في الهويّ بعد الاعتدال إلى حين يتمكّن ساجداً.
قوله: (ويكبّر حين يقوم من الثّنتين بعد الجلوس) أي: الرّكعتين الأوليين. والمعنى أنه يكبر إذا قام إلى الثالثة.
وفيه أنّه يشرع في التّكبير من حين ابتداء القيام إلى الثّالثة بعد التّشهّد الأوّل، خلافاً لِمَن قال إنّه لا يكبّر حتّى يستوي قائماً.
فأما رواية الطيالسي عن ابن أبي ذئب عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ " وكان يكبّر بين السّجدتين " فالمراد بها التّكبير للسّجدة الثّانية، وكأنّ بعض الرّواة ذكر ما لَم يذكر الآخر.
قوله: (بعد الجلوس) أي: في التّشهّد الأوّل.
وهذا الحديث مفسّرٌ للأحاديث المجملة حيث قال فيها " كان يكبّر في كل خفضٍ ورفعٍ " هو عامٌّ في جميع الانتقالات في الصّلاة، لكن خصّ منه الرّفع من الرّكوع بالإجماع فإنّه شرع فيه التّحميد.
وقد جاء بهذا اللفظ العامّ من حديث أبي هريرة في الصحيحين، ومن حديث أبي موسى عند أحمد والنّسائيّ، ومن حديث ابن مسعودٍ عند الدّارميّ والطّحاويّ، ومن حديث ابن عبّاسٍ عند البخاري، ومن حديث ابن عمر عند أحمد والنّسائيّ.
ومن حديث عبد الله بن زيدٍ عند سعيد بن منصورٍ، ومن حديث وائل بن حجرٍ عند ابن حبّان، ومن حديث جابرٍ عند البزّار.