الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثامن والعشرون
77 -
عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه ، أنّ جدَّته مُلَيْكة دعتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لطعامٍ صنعته ، فأكل منه ، ثمّ قال: قوموا فلأُصلي لكم. قال أنسٌ: فقمت إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طول ما لُبس ، فنضحته بماءٍ ، فقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصففت أنا واليتيم وراءه ، والعجوز من ورائنا. فصلَّى لنا ركعتين ، ثمّ انصرف. (1)
ولمسلمٍ: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى به وبأمّه فأقامني عن يمينه ، وأقام المرأة خلفنا. (2)
قال المصنف: اليتيم. هو ضُميرة جدّ حسين بن عبد الله بن ضميرة.
قوله: (عن أنس بن مالك ، أنّ جدّته مُلَيْكة) أي: بضمّ الميم تصغير ملكة، والضّمير في جدّته يعود على إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الراوي عن أنس، جزم به ابن عبد البرّ وعبد الحقّ وعياض، وصحَّحه النّوويّ.
وجزم ابن سعد وابن منده وابن الحصّار ، بأنّها جدّة أنس والدة أمّه أمّ سليمٍ، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين في النّهاية ومن تبعه. وكلام عبد الغنيّ في العمدة. وهو ظاهر السّياق.
(1) أخرجه البخاري (373 ، 694 ، 822 ، 833 ، 1111) ومسلم (658) من طرق عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس به.
(2)
أخرجه مسلم (660) من طريق عبد الله بن المختار، سمع موسى بن أنس، يحدث عن أنس بن مالك. فذكره.
ويؤيّده ما رويناه في " فوائد العراقيّين " لأبي الشّيخ من طريق القاسم بن يحيى المقدّميّ عن عبيد الله بن عمر عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس قال: أرسلتني جدّتي إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، واسمها مُلَيْكة ، فجاءنا فحضرت الصّلاة. الحديث.
وقال ابن سعد في " الطّبقات ": أمّ سليمٍ بنت ملحان، فساق نسبها إلى عديّ بن النّجّار. وقال: وهي الغميصاء. ويقال: الرّميساء، ويقال: اسمها سهلة ، ويقال: أنيفة. أي: بالنّون والفاء المصغّرة ، ويقال: رميثة.
وأمّها مُلَيْكة بنت مالك بن عديٍّ، فساق نسبها إلى مالك بن النّجّار. ثمّ قال: تزوّجها. أي: أمّ سليمٍ مالك بن النّضر فولدت له أنس بن مالك، ثمّ خلف عليها أبو طلحة. فولدت له عبد الله وأبا عمير.
قلت: وعبد الله هو والد إسحاق، روى هذا الحديث عن عمّه أخي أبيه لأمّه أنس بن مالك، ومقتضى كلام من أعاد الضّمير في جدّته إلى إسحاق أن يكون اسم أمّ سليمٍ مُلَيْكة.
ومستندهم في ذلك ما رواه ابن عيينة عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس قال: صففت أنا ويتيم في بيتنا خلف النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وأمّي أمّ سليمٍ خلفنا. هكذا أخرجه البخاري في أبواب الصّفوف، والقصّة واحدة طوّلها مالك ، واختصرها سفيان.
ويحتمل: تعدّدها فلا تخالف ما تقدّم، وكون مُلَيْكة جدّة أنس لا
ينفي كونها جدّة إسحاق لِمَا بيّنّاه، لكنّ الرّواية التي سأذكرها عن " غرائب مالك " ظاهرة في أنّ مُلَيْكة اسم أمّ سليمٍ نفسها. والله أعلم.
قوله: (لطعامٍ) أي: لأجل طعام، وهو مشعر بأنّ مجيئه كان لذلك ، لا ليصلي بهم ليتّخذوا مكان صلاته مصلّىً لهم كما في قصّة عتبان بن مالك (1)، وهذا هو السّرّ في كونه بدأ في قصّة عتبان بالصّلاة قبل الطّعام، وهنا بالطّعام قبل الصّلاة، فبدأ في كلّ منهما بأصل ما دُعي لأجله.
قوله: (ثمّ قال: قوموا) استدل به على ترك الوضوء ممّا مسّت النّار لكونه صلَّى بعد الطّعام.
وفيه نظرٌ (2) لِمَا رواه الدّارقطنيّ في " غرائب مالك " عن البغويّ
(1) أخرجه البخاري (425) ومسلم (33) محمود بن الربيع الأنصاري ، أنَّ عتبان بن مالك أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، لم أستطع أنْ آتي مسجدهم فأصلّي بهم، ووددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلّي في بيتي، فأتخذَه مُصلّى. قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: سأفعل إن شاء الله. قال عتبان: فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت ثم قال: أين تحبُ أن أصلّي من بيتك؟ قال: فأشرتُ له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبَّر .. الحديث.
(2)
أي: الاستدلال بهذا الحديث. لا أصل المسألة ، فقد تكاثرت الأدلة على ترك الوضوء مما مست النار بعد الأمر بالوضوء منه في الصحيحين وغيرهما.
ولذا قال النووي كما نقله عنه الشارح في " الفتح "(1/ 407) وأقرَّه: كان الخلاف فيه معروفاً بين الصحابة والتابعين ثم استقرَّ الإجماع على أنَّه لا وضوء مما مسَّت النار إلَاّ ما تقدم استثناؤه من لحوم الإبل ، وجمعَ الخطابيُّ بوجه آخر. وهو أنَّ أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب لا على الوجوب. والله أعلم. انتهى
عن عبد الله بن عون عن مالك. ولفظه " صنعتْ مُلَيْكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً فأكل منه وأنا معه، ثمّ دعا بوضوءٍ فتوضّأ " الحديث.
قوله: (فلأصلي لكم) كذا في روايتنا بكسر اللام وفتح الياء، وفي رواية الأصيليّ بحذف الياء.
قال ابن مالك: روي بحذف الياء وثبوتها مفتوحة وساكنة، ووجهه أنّ اللام عند ثبوت الياء مفتوحة لام كي ، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة ، واللام ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف ، والتّقدير قوموا فقيامكم لأصلي لكم.
ويجوز على مذهب الأخفش أن تكون الفاء زائدة واللام متعلقة بقوموا، وعند سكون الياء يحتمل أن تكون اللام أيضاً لام كي ، وسكّنت الياء تخفيفاً أو لام الأمر ، وثبتت الياء في الجزم إجراء للمعتل مجرى الصّحيح كقراءة قنبل " إنّه من يتّقي ويصبر "، وعند حذف الياء اللام لام الأمر، وأمر المتكلم نفسه بفعلٍ مقرونٍ باللام فصيح قليل في الاستعمال. ومنه قوله تعالى (ولنحمل خطاياكم).
قال: ويجوز فتح اللام. ثمّ ذكر توجيهه.
وفيه لغيره بحثٌ اختصرته؛ لأنّ الرّواية لَم ترد به.
وقيل: إنّ في رواية الكشميهنيّ " فأصل " بحذف اللام، وليس هو فيما وقفت عليه من النّسخ الصّحيحة.
وحكى ابن قرقولٍ عن بعض الرّوايات " فلنصل " بالنّون وكسر اللام والجزم، واللام على هذا لام الأمر ، وكسرها لغة معروفة.
قوله: (لكم) أي: لأجلكم ، قال السّهيليّ: الأمر هنا بمعنى الخبر، وهو كقوله تعالى (فليمدد له الرّحمن مدّاً).
ويحتمل: أن يكون أمراً لهم بالائتمام ، لكنّه أضافه إلى نفسه لارتباط فعلهم بفعله.
قوله: (حصير) الحصير معروف يتخذ من السعف وما أشبهه.
قال ابن بطال: إن كان ما يُصلّى عليه كبيراً قدر طول الرجل فأكثر فإنه يقال له حصير ، ولا يقال له خُمرة ، وكلُّ ذلك يصنع من سعف النخل وما أشبهه.
قوله: (من طول ما لُبس) فيه أنّ الافتراش يُسمّى لُبساً.
وقد استدل به على منع افتراش الحرير لعموم النّهي عن لبس الحرير، ولا يرِد على ذلك أنّ من حلف لا يلبس حريراً فإنّه لا يحنث بالافتراش؛ لأنّ الأيمان مبناها على العرف.
قوله: (فنضحتُه) يحتمل: أن يكون النّضح لتليين الحصير. أو لتنظيفه. أو لتطهيره، ولا يصحّ الجزم بالأخير، بل المتبادر غيره؛ لأنّ الأصل الطّهارة.
قوله: (وصففت أنا واليتيم) كذا للأكثر، وللمستملي والحمويّ " فصففت واليتيم " بغير تأكيد والأوّل أفصح.
ويجوز في " اليتيم " الرّفع والنّصب.
قال صاحب العمدة: اليتيم هو ضميرة جدّ حسين بن عبد الله بن ضميرة.
قال ابن الحذّاء: كذا سَمّاه عبد الملك بن حبيب ولَم يذكره غيره، وأظنّه سمعه من حسين بن عبد الله أو من غيره من أهل المدينة. قال: وضميرة هو ابن أبي ضميرة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واختلف في اسم أبي ضميرة. فقيل روح، وقيل غير ذلك. انتهى.
ووهم بعض الشّرّاح. فقال: اسم اليتيم ضميرة ، وقيل: روح، فكأنّه انتقل ذهنه من الخلاف في اسم أبيه إليه.
ووقع عند ابن فتحونٍ فيما رواه عن ابن السّكن بسنده في الخبر المذكور " صليت أنا وسليم " بسينٍ مهملةٍ ولام مصغّراً فتصحّفت على الرّاوي من لفظ " يتيم " ومشى على ذلك ابن فتحونٍ ، فقال في ذيله على الاستيعاب: سليمٌ غير منسوبٍ ، وساق هذا الحديث.
وجزم البخاريّ: بأنّ اسم أبي ضميرة سعد الحميريّ ، ويقال سعيد، ونسبه ابن حبّان ليثيّاً.
واستدل بقوله " فصففت أنا واليتيم وراءه " على أنّ السّنّة في موقف الاثنين أن يصفّا خلف الإمام، خلافاً لِمَن قال من الكوفيّين: إنّ أحدهما يقف عن يمينه والآخر عن يساره.
وحجّتهم في ذلك حديث ابن مسعود. الذي أخرجه أبو داود وغيره. عنه أنّه أقام علقمة عن يمينه والأسود عن شماله. (1)
(1) سنن أبي داود (613) عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: استأذن علقمة والأسود على عبد الله ، وقد كنا أطلنا القعود على بابه. فخرجتِ الجاريةُ فاستأذنت لهما فأذن لهما ، ثم قام فصلَّى بيني وبينه ، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل.
وأخرجه مسلم في الصحيح (534) عن إبراهيم عن علقمة والأسود: أنهما دخلا على عبدالله. فذكر نحوه. وفيه: ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على رُكبنا فضرب أيدينا ثم طبَّق بين يديه ثم جعلهما بين فخذيه. فلما صلَّى قال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأجاب عنه ابن سيرين: بأنّ ذلك كان لضيق المكان، رواه الطّحاويّ.
مسألة: هل يخرج من وقف معه الصبي في الصف عن أن يكون فرداً حتى يَسلم من بطلان صلاته عند من يمنعه أو كراهته؟.
وظاهر حديث أنس يقتضي الإجزاء، فهو حجة على من منع ذلك من الحنابلة مطلقاً، وقد نصَّ أحمد على أنه يجزئ في النفل دون الفرض. وفيه ما فيه (1).
قوله: (والعجوز) هي مُلَيْكة المذكورة أوّلاً.
فيه أنّ المرأة لا تصفّ مع الرّجال، وأصله ما يخشى من الافتتان بها فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور.
وعن الحنفيّة. تفسد صلاة الرّجل دون المرأة.
وهو عجيبٌ ، وفي توجيهه تعسّف حيث قال قائلهم: دليله قول ابن مسعود: أخّروهنّ من حيث أخّرهنّ الله " (2) والأمر للوجوب،
(1) قال الشيخ ابن باز رحمه الله (2/ 447): الصواب صحة مصافة الصبي في الفرض والنفل لحديث أنس ، والأصل أن الفريضة والنافلة سواء في الأحكام إلا ما خصه الدليل ، وليس هنا دليل يمنع من مصافة الصبي في الفرض فوجبت التسوية بينهما. والله أعلم انتهى بتجوز.
(2)
أخرجه عبد الرزاق (5115)، وابن خزيمة في " صحيحه "(1700)، والطبراني في " المعجم الكبير "(9/ 295) عن أبي معمر عن ابن مسعود موقوفاً.
قال الهيثمي (2/ 35): رجاله رجال الصحيح.
وحيث ظرف مكان. ولا مكان يجب تأخّرهنّ فيه إلَاّ مكان الصّلاة ، فإذا حاذت الرّجل فسدت صلاة الرّجل؛ لأنّه ترك ما أمر به من تأخيرها.
وحكاية هذا تغني عن تكلّف جوابه - والله المستعان - فقد ثبت النّهي عن الصّلاة في الثّوب المغصوب وأمر لابسه أن ينزعه (1) فلو خالف فصلَّى فيه ، ولَم ينزعه أثم وأجزأته صلاته، فلِمَ لا يقال في الرّجل الذي حاذته المرأة ذلك؟
وأوضح منه. لو كان لباب المسجد صفّةٌ مملوكةٌ فصلَّى فيها شخصٌ بغير إذنه مع اقتداره على أن ينتقل عنها إلى أرض المسجد بخطوةٍ واحدةٍ صحّت صلاته وأثم، وكذلك الرّجل مع المرأة التي حاذته ، ولا سيّما إن جاءت بعد أن دخل في الصّلاة فصلت بجنبه.
وقال ابن رشيد: الأقرب أنّ البخاريّ (2) قصد أن يبيّن أنّ هذا
(1) لا أعلم دليلاً ينصُّ على هذه المسألة بعينها. ولعلَّ مقصود الشارح عمومات الشريعة في تحريم مال المسلم والأمر بردّه. وقد أخرج الإمام أحمد (5732) عن ابن عمر رفعه قال: من اشترى ثوباً بعشرة دراهم، وفيه درهم حرام، لم يقبل الله له صلاة مادام عليه. لكن سنده واهٍ. ولو صحَّ لكان الثوب المغصوب أولى.
قال المرداوي في " الإنصاف "(1/ 457): قوله (ومَن صلَّى في ثوب حرير، أو مغصوب: لم تصحَّ صلاته) هذا المذهب بلا ريب، مطلقاً وعليه جماهير الأصحاب، وهو من المفردات ، وعنه يصحُّ مع التحريم اختارها الخلال .. إلخ كلامه.
(2)
بوّب على هذا الحديث في كتاب الآذان " باب المرأة وحدها تكون صفّا ".
قال ابن حجر: أي: في حكم الصّفّ، وبهذا يندفع اعتراض الإسماعيليّ حيث قال: الشّخص
الواحد لا يُسمّى صفّاً، وأقلّ ما يقوم الصّفّ باثنين. ثمّ إنّ هذه التّرجمة لفظ حديث أخرجه ابن عبد البرّ من حديث عائشة مرفوعاً " والمرأة وحدها صفّ ".
مستثنىً من عموم الحديث الذي فيه " لا صلاة لمنفردٍ خلف الصّفّ " يعني أنّه مختصٌّ بالرّجال.
والحديث المذكور. أخرجه ابن حبّان من حديث عليّ بن شيبان، وفي صحّته نظرٌ.
واستدل به ابن بطّال على صحّة صلاة المنفرد خلف الصّفّ خلافاً لأحمد، قال: لأنّه لَمّا ثبت ذلك للمرأة كان للرّجل أولى، لكن لمخالفه أن يقول: إنّما ساغ ذلك لامتناع أن تصفّ مع الرّجال، بخلاف الرّجل فإنّ له أن يصفّ معهم وأن يزاحمهم. وأن يجذب رجلاً من حاشية الصّفّ فيقوم معه فافترقا (1).
قوله: (ثمّ انصرف) أي: إلى بيته أو من الصّلاة.
وفي هذا الحديث من الفوائد. إجابة الدّعوة ولو لَم تكن عرساً ، ولو كان الدّاعي امرأة ، لكن حيث تؤمن الفتنة، والأكل من طعام الدّعوة، وصلاة النّافلة جماعة في البيوت، وكأنّه صلى الله عليه وسلم أراد تعليمهم أفعال الصّلاة بالمشاهدة لأجل المرأة ، فإنّها قد يخفى عليها بعض التّفاصيل لبعد موقفها.
(1) قال الشيخ ابن باز رحمه الله (2/ 276): في جواز الجذب المذكور نظرٌ ، لأن الحديث الوارد فيه ضعيفٌ ، ولإنَّ الجذب يُفضي إلى إيجاد فرجة في الصف. والمشروع سد الخلل ، والأولى ترك الجذب وأن يلتمس موضعاً في الصف ، أو يقف عن يمين الإمام. والله أعلم.
وفيه تنظيف مكان المصلَّى، وقيام الصّبيّ مع الرّجل صفّاً، وتأخير النّساء عن صفوف الرّجال، وقيام المرأة صفّاً وحدها إذا لَم يكن معها امرأة غيرها.
واستدل به على جواز صلاة المنفرد خلف الصّفّ وحده، ولا حجّة فيه لذلك.
وفيه الاقتصار في نافلة النّهار على ركعتين خلافاً لمن زعم أنّ التّطوّع في النّهار يكون أربعاً موصولة، واختار الجمهور التّسليم من كل ركعتين في صلاة الليل والنّهار. وقال أبو حنيفة وصاحباه: يخيّر في صلاة النّهار بين الثّنتين والأربع ، وكرهوا الزّيادة على ذلك.
واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم " صلاة الليل مثنى " على أنّ صلاة النّهار بخلاف ذلك.
وقال ابن المنير في الحاشية: إنّما خصّ الليل بذلك ، لأنّ فيه الوتر فلا يقاس على الوتر غيره فيتنفّل المُصلِّي بالليل أوتاراً، فبيّن أنّ الوتر لا يعاد وأنّ بقيّة صلاة الليل مثنى، وإذا ظهرت فائدة تخصيص الليل صار حاصل الكلام صلاة النّافلة سوى الوتر مثنى فيعمّ الليل والنّهار.
وفيه صحّة صلاة الصّبيّ المميّز ووضوئه، وأنّ محلّ الفضل الوارد في صلاة النّافلة منفرداً حيث لا يكون هناك مصلحة كالتّعليم، بل يمكن أن يقال هو إذ ذاك أفضل ولا سيّما في حقّه صلى الله عليه وسلم.
تنبيهان:
الأوّل: أورد مالك هذا الحديث في ترجمة صلاة الضّحى.
وتعقّب: بما رواه أنس بن سيرين عن أنس بن مالك ، أنّه لَم ير النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُصلِّي الضّحى إلَاّ مرّة واحدة في دار الأنصاريّ الضّخم الذي دعاه ليصلي في بيته. أخرجه البخاري.
وأجاب صاحب القبس: بأنّ مالكاً نَظَرَ إلى كون الوقت الذي وقعت فيه تلك الصّلاة هو وقت صلاة الضّحى فحمله عليه، وأنّ أنساً لَم يطّلع على أنّه صلى الله عليه وسلم نوى بتلك الصّلاة صلاة الضّحى.
الثّاني: النّكتة في ترجمة الباب (1) الإشارة إلى ما رواه ابن أبي شيبة وغيره من طريق شُريح بن هانئ ، أنّه سأل عائشة ، أكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُصلِّي على الحصير والله يقول (وجعلنا جهنّم للكافرين حصيراً)(2)؟
(1) أخرجه البخاري في الصلاة ، وبوب عليه " باب الصلاة على الحصير "
(2)
قال العلامة الشنقيطي في " أضواء البيان "(3/ 16): في قوله: {حصيراً} وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، كلٌ منهما يشهد لمعناه قرآن. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أنَّ الآية قد يكون فيها وجهان أو أوجه، وكلها صحيح ، ويشهد له قرآن ; فنورد جميع ذلك لأنه كله حق:
الأول: أنَّ الحصير: المحبس والسجن ; من الحصر وهو الحبس. قال الجوهري: يقال حصره يحصره حصراً: ضيق عليه، وأحاط به.
وهذا الوجه يدلُّ له قوله تعالى: {وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً} ، ونحو ذلك من الآيات.
الوجه الثاني: أنَّ معنى حصيراً ; أي: فراشاً ومهاداً، من الحصير الذي يفرش ; لأنَّ العرب تسمي البساط الصغير حصيراً. قال الثعلبي: وهو وجهٌ حسنٌ.
ويدلُّ لهذا الوجه قوله تعالى: {لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش} الآية، ونحو ذلك من الآيات. والمهاد: الفراش. انتهى
فقالت: لَم يكن يُصلِّي على الحصير.
فكأنّه لَم يثبت عند البخاري ، أو رآه شاذّاً مردوداً لمعارضته ما هو أقوى منه كحديث الباب، بل عند البخاري من طريق أبي سلمة عن عائشة ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان له حصيرٌ يبسطه ويُصلِّي عليه.
وفي مسلم من حديث أبي سعيد ، أنّه رأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُصلِّي على حصير. ويمكن الجمع: بحمل النفي على المداومة ، لكن يخدش فيه ما ذكره شريح من الآية.