الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السابع والسبعون
126 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: اللهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر ، وعذاب النّار ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح الدّجّال. (1)
وفي لفظٍ لمسلمٍ: إذا تشهّد أحدكم فليستعذ بالله من أربعٍ ، يقول: اللهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب جهنّم. (2)
قوله: (من عذاب القبر) فيه ردّ على من أنكره مطلقاً من الخوارج وبعض المعتزلة كضرار بن عمرو وبشر المريسيّ ومن وافقهما.
وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة وجميع أهل السّنّة وغيرهم ، وأكثروا من الاحتجاج له.
وذهب بعض المعتزلة كالجيّانيّ: إلى أنّه يقع على الكفّار دون المؤمنين.
قوله: (وعذاب النّار) وللبخاري عن عائشة " ومن فتنة النار " هي سؤال الخزنة على سبيل التّوبيخ، وإليه الإشارة بقوله تعالى (كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها أَلَم يأتكم نذير).
(1) أخرجه البخاري (1311) ومسلم (588) من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
أخرجه مسلم (588) من طريق الأوزاعي عن حسان بن عطية عن محمد بن أبي عائشة عن أبي هريرة ، وعن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه به.
وأخرجه مسلم أيضاً من طرق أخرى عن أبي هريرة.
قوله: (فتنة المحيا والممات) قال ابن دقيق العيد: فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدّة حياته من الافتتان بالدّنيا والشّهوات والجهالات، وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت.
وفتنة الممات.
يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك.
ويجوز أن يراد بها فتنة القبر، وقد صحّ يعني في حديث أسماء في البخاري " إنّكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة الدّجّال " ، ولا يكون مع هذا الوجه متكرّراً مع قوله " عذاب القبر " ، لأنّ العذاب مرتّب عن الفتنة والسّبب غير المسبّب.
وقيل: أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصّبر، وبفتنة الممات السّؤال في القبر مع الحيرة، وهذا من العامّ بعد الخاصّ، لأنّ عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدّجّال داخلة تحت فتنة المحيا.
وأخرج الحكيم التّرمذيّ في " نوادر الأصول " عن سفيان الثّوريّ ، أنّ الميّت إذا سئل من ربّك؟ تراءى له الشّيطان فيشير إلى نفسه إنّي أنا ربّك، فلهذا ورد سؤال التّثبّت له حين يسأل.
ثمّ أخرج بسندٍ جيّد إلى عمرو بن مرّة: كانوا يستحبّون إذا وضع الميّت في القبر أن يقولوا: اللهمّ أعذه من الشّيطان.
قوله: (من فتنة المسيح الدّجّال) قال أهل اللّغة: الفتنة الامتحان والاختبار.
قال عياض: واستعمالها في العرف لكشف ما يكره. انتهى.
وتُطلق على القتل والإحراق والنّميمة وغير ذلك.
قوله: (المسيح) بفتح الميم وتخفيف المهملة المكسورة وآخره حاء مهملة ، يطلق على الدّجّال ، وعلى عيسى ابن مريم عليه السلام، لكن إذا أريد الدّجّال قيّد به.
وقال أبو داود في السّنن: المسيح مثقّل الدّجّال ومخفّف عيسى، والمشهور الأوّل.
وأمّا ما نقل الفربريّ في رواية المستملي وحده عنه عن خلف بن عامر - وهو الهمدانيّ أحد الحفّاظ - أنّ المسيح بالتّشديد والتّخفيف واحد يقال للدّجّال ، ويقال: لعيسى. وأنّه لا فرق بينهما بمعنى لا اختصاص لأحدهما بأحد الأمرين ، فهو رأي ثالث.
وقال الجوهريّ: مَن قاله بالتّخفيف فلمسحه الأرض، ومَن قاله بالتّشديد فلكونه ممسوح العين. وحكى بعضهم ، أنّه قال: بالخاء المعجمة في الدّجّال. ونسب قائله إلى التّصحيف.
واختلف في تلقيب الدّجّال بذلك.
فقيل: لأنّه ممسوح العين، وقيل: لأنّ أحد شقّي وجهه خلق ممسوحاً لا عين فيه ولا حاجب، وقيل: لأنّه يمسح الأرض إذا خرج.
وأمّا عيسى عليه السلام.
فقيل: سُمِّي بذلك لأنّه خرج من بطن أمّه ممسوحاً بالدّهن، وقيل
: لأنّ زكريّا مسحه، وقيل: لأنّه كان لا يمسح ذا عاهة إلَاّ برئ، وقيل: لأنّه كان يمسح الأرض بسياحته.
وقيل: لأنّ رجله كانت لا أخمص لها، وقيل: للبسه المسوح، وقيل: هو بالعبرانيّة ماشيخا فعرّب المسيح، وقيل: المسيح الصّدّيق.
وذكر شيخنا الشّيخ مجد الدّين الشّيرازيّ صاحب القاموس ، أنّه جمع في سبب تسمية عيسى بذلك خمسين قولاً. أوردها في شرح المشارق.
قوله: (إذا تشهّد أحدكم) ولمسلمٍ أيضاً من رواية الوليد بن مسلم حدثني الأوزاعي حدثنا حسان بن عطية حدثني محمد بن أبي عائشة، أنه سمع أبا هريرة بلفظ " إذا فرغ أحدكم من التّشهّد الأخير " فذكره، وصرّح بالتّحديث في جميع الإسناد.
ثمّ قد أخرج ابن خزيمة من رواية ابن جريجٍ أخبرني عبد الله بن طاوسٍ عن أبيه (1)، أنّه كان يقول بعد التّشهّد كلمات يعظّمهنّ جدّاً. قلت: في المثنى كليهما؟ قال: بل في التّشهّد الأخير، قلت: ما هي؟ قال: أعوذ بالله من عذاب القبر " الحديث. قال ابن جريجٍ: أخبرنيه عن أبيه عن عائشة مرفوعاً.
فهذا فيه تعيين هذه الاستعاذة بعد الفراغ من التّشهّد، فيكون سابقاً على غيره من الأدعية. وما ورد الإذن فيه أنّ المُصلِّي يتخيّر من
(1) تقدم نقل الوجوب عن طاوس وأهل الظاهر في شرح حديث ابن مسعود قبل حديث. عند قوله (فليتخير من المسألة ما شاء)
الدّعاء ما شاء ، يكون بعد هذه الاستعاذة وقبل السّلام.
وقد استشكل دعاؤه صلى الله عليه وسلم بما ذكر مع أنه معصوم مغفور له ما تقدم وما تأخر.
وأجيب بأجوبة:
أحدها: أنه قصد التعليم لأمته.
ثانيها: أن المراد السؤال منه لأمته. فيكون المعنى هنا أعوذ بك لأمتي.
ثالثها: سلوك طريق التواضع وإظهار العبودية وإلزام خوف الله وإعظامه والافتقار إليه وامتثال أمره في الرغبة إليه ، ولا يمتنع تكرار الطلب مع تحقق الإجابة ، لأنَّ ذلك يحصِّل الحسنات ويرفع الدرجات.
وفيه تحريض لأمته على ملازمة ذلك ، لأنه إذا كان مع تحقق المغفرة لا يترك التضرع. فمن لَم يتحقق ذلك أحرى بالملازمة.
وأما الاستعاذة من فتنة الدجال مع تحققه أنه لا يدركه. فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين.
وقيل: على الثالث يحتمل أن يكون ذلك قبل تحقق عدم إدراكه.
ويدل عليه قوله في الحديث الآخر عند مسلم: إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه. الحديث. والله أعلم