الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث المائة وواحد
150 -
عن أمّ عطيّة نسيبة الأنصاريّة ، قالت: أمرنا - تعني النبيّ صلى الله عليه وسلم أن نخرج في العيدين العواتقَ وذواتِ الْخُدور ، وأمر الْحُيّض أن يَعتزلن مُصلَّى المسلمين. (1)
وفي لفظٍ: كنّا نُؤمر أن نخرج يوم العيد ، حتّى نُخرج البِكْر من خِدرها ، حتّى نخرج الحيّض ، فيَكُنّ خلف النّاس ، فيكبّرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم ، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته. (2)
قوله: (عن أمّ عطيّة نسيبة الأنصاريّة) بنت الحارث الأنصارية.
ونُسيبة بنونٍ ومهملة وموحّدة. والمشهور فيها التّصغير. وقيل: بفتح أوّله. وقع ذلك في رواية أبي ذرّ (3) عن السّرخسيّ ، وكذا ضَبَطَه الأَصيليّ عن يحيى بن معين ، وطاهرُ بن عبد العزيز في " السّيرة الهشاميّة ".
قوله: (أَمَرَنا. تعني النبيّ صلى الله عليه وسلم) وللبخاري " أمرنا نبيّنا صلى الله عليه وسلم "
قوله: (العواتق) جمع عاتق. وهي من بلغت الحلم ، أو قاربت،
(1) أخرجه البخاري (344 ، 931 ، 938) ومسلم (890) من طريق محمد بن سيرين عن أم عطية به.
وأخرجه البخاري (318 ، 928 ، 931 ، 937 ، 1569) ومسلم (890) من طرق عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية.
(2)
أخرجه البخاري (928) ومسلم (890) من طريق عاصم الأحول عن حفصة عن أم عطية به. واللفظ للبخاري.
(3)
هو عبد بن أحمد الهروي ، سبق ترجمته (1/ 114)
أو استحقّت التّزويج، أو هي الكريمة على أهلها، أو التي عتقت عن الامتهان في الخروج للخدمة.
وكأنّهم كانوا يمنعون العواتق من الخروج (1) لِمَا حدث بعد العصر الأوّل من الفساد، ولَم تلاحظ الصّحابة ذلك ، بل رأت استمرار الحكم على ما كان عليه في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
قوله: (وذوات الخدور) بضمّ الخاء المعجمة والدّال المهملة. جمع خدر بكسرها وسكون الدّال، وهو ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه.
وللبخاري من رواية أيوب عن حفصة " العواتق ذوات الخدور أو قال: العواتق وذوات الخدور. شك أيوب " يعني: هل هو بواو العطف أو لا. والأكثر على أنه صفته (2).
ووقع في رواية منصور بن زاذان عن ابن سيرين عند الترمذي " تخرج الأبكار والعواتق وذوات الخدور ". وبين العاتق والبكر عمومٌ
(1) روى البخاري (318) عن حفصة بنت سيرين قالت: كنا نمنع عواتقنا أنْ يخرجن في العيدين، فقدِمتْ امرأة فنزلت قصر بني خلف، فحدَّثت عن أختها، وكان زوج أختها غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثنتي عشرة غزوة، وكانت أختي معه في ست غزوات، قالت: كنا نداوي الكلمى، ونقوم على المرضى، فسألت أختي النبيَّ صلى الله عليه وسلم: أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج؟ قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها ، ولتشهد الخير ودعوة المسلمين، فلما قدمت أم عطية، سألتها. أسمعتِ النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: بأبي، نعم، وكانت لا تذكره إلا قالت: بأبي، سمعته يقول: يخرج العواتق. الحديث.
(2)
أي: أنَّ ذوات الخدور صفةٌ للعواتق. وليست صفةً مستقلّة. وقد وقع الشك أيضاً من عبد الله بن عون عن ابن سيرين عند البخاري (938) فشكَّ كما شكَّ أيوب.
وخصوصٌ وجهيٌّ.
قوله: (وأمر الحُيّض أن يعتزلن مُصلى المسلمين) في رواية للبخاري " ويعتزلن الحيّض المصلى " وهو نحو أكلوني البراغيث.
وحمل الجمهور الأمر المذكور على النّدب؛ لأنّ الْمُصلَّى ليس بمسجدٍ فيمتنع الحيّض من دخوله.
وأغرب الكرمانيّ فقال: الاعتزال واجب، والخروج والشّهود مندوب، مع كونه نقل عن النّوويّ تصويب عدم وجوبه.
وقال ابن المنير: الحكمة في اعتزالهنّ. أنّ في وقوفهنّ وهنّ لا يصلين مع المُصلِّيات إظهار استهانة بالحال. فاستحبّ لهنّ اجتناب ذلك.
قوله: (البكر من خدرها) بكسر المعجمة ، أي: سترها، وفي رواية الكشميهنيّ " من خدرتها " بالتّأنيث
قوله: (فيكبّرن بتكبيرهم) لأنّ ذلك في يوم العيد وهو من أيّام منىً، ويلتحق به بقيّة الأيّام لجامع ما بينهما من كونهنّ أيّاماً معدوداتٍ ، وقد ورد الأمر بالذّكر فيهنّ.
قال الخطّابيّ: حكمة التّكبير في هذه الأيّام. أنّ الجاهليّة كانوا يذبحون لطواغيتهم فيها ، فشرع التّكبير فيها إشارةً إلى تخصيص الذّبح له. وعلى اسمه عز وجل. انتهى
وفيه اختلافٌ بين العلماء في مواضع:
فمنهم: من قصر التّكبير على أعقاب الصّلوات.
ومنهم من خصّ ذلك بالمكتوبات دون النّوافل.
ومنهم من خصّه بالرّجال دون النّساء، وبالجماعة دون المنفرد، وبالمؤدّاة دون المقضيّة، وبالمقيم دون المسافر، وبساكن المصر دون القرية.
وظاهر اختيار البخاريّ شمول ذلك للجميع، والآثار التي ذكرها تساعده (1).
فأخرج سعيد بن منصورٍ من رواية عبيد بن عميرٍ ، قال: كان عمر يكبّر في قبّته بمنىً. ويكبّر أهل المسجد ويكبّر أهل السّوق، حتّى ترتجّ منىً تكبيراً.
وقوله " ترتج " بتثقيل الجيم. أي: تضطرب وتتحرك، وهي مبالغة في اجتماع رفع الأصوات.
وأخرج ابن المنذر والفاكهيّ في " أخبار مكّة " من طريق ابن جريجٍ أخبرني نافعٌ ، أنّ ابن عمر كان يُكبِّر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات ، وعلى فراشه ، وفي فسطاطه ومجلسه، وممشاه تلك الأيام جميعاً.
وأخرج ابن أبي الدنيا في " كتاب العيدين " ، أنَّ النساء كنّ يكبرن خلف أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال
(1) قال البخاري في صحيحه " باب التكبير أيام منى ، وإذا غدا إلى عرفة " ثم ذكر هذه الآثار معلّقةً التي ذكرناها في الشرح. زيادة على ذلك ذِكر ميمونة رضي الله عنها. لكن قال ابن حجر: ولم أقف على أثرها هذا موصولا.
في المسجد.
وقد اشتملت هذه الآثار على وجود التكبير في تلك الأيام عقب الصلوات وغير ذلك من الأحوال ، وللعلماء اختلافٌ أيضاً في ابتدائه وانتهائه.
فقيل: من صبح يوم عرفة، وقيل: من ظهره، وقيل: من عصره، وقيل: من صبح يوم النّحر، وقيل: من ظهره. وقيل: في الانتهاء إلى ظهر يوم النّحر، وقيل: إلى عصره، وقيل: إلى ظهر ثانيه، وقيل: إلى صبح آخر أيّام التّشريق، وقيل: إلى ظهره، وقيل: إلى عصره.
حكى هذه الأقوال كلها النّوويّ. إلَاّ الثّاني من الانتهاء. وقد رواه البيهقيّ عن أصحاب ابن مسعودٍ.
ولَم يثبت في شيءٍ من ذلك عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم حديثٌ.
وأصحّ ما ورد فيه عن الصّحابة قول عليٍّ وابن مسعودٍ ، أنّه من صبح يوم عرفة آخر أيّام منىً. أخرجه ابن المنذر وغيره. والله أعلم.
وأمّا صيغة التّكبير.
فأصحّ ما ورد فيه ما أخرجه عبد الرّزّاق بسندٍ صحيحٍ عن سلمان قال: كبّروا الله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيراً ، ونُقل عن سعيد بن جبيرٍ ومجاهدٍ وعبد الرّحمن بن أبي ليلى. أخرجه جعفرٌ الفريابيّ في " كتاب العيدين " من طريق يزيد بن أبي زيادٍ عنهم. وهو قول الشّافعيّ ، وزاد " ولله الحمد ".
وقيل: يكبّر ثلاثاً ، ويزيد " لا إله إلَاّ الله وحده لا شريك له إلخ ".
وقيل: يكبّر ثنتين ، بعدهما " لا إله إلَاّ الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد " جاء ذلك عن عمر، وعن ابن مسعودٍ نحوه ، وبه قال أحمد وإسحاق.
وقد أُحدث في هذا الزّمان زيادةٌ في ذلك لا أصل لها.
قوله: (ويدعون) كذا لأكثر الرواة. أي يطلبن. وللكشميهني " يدعين " بياء تحتانية بدل الواو. وللبخاري " فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم ".
قوله: (وطهرته) بضمّ الطّاء المهملة وسكون الهاء. لغةٌ في الطّهارة، والمراد بها التّطهّر من الذّنوب.
وفي هذا الحديث من الفوائد.
أنّ من شأن العواتق والمخدّرات عدم البروز ، إلَاّ فيما أذن لهنّ فيه.
واستدل به على وجوب صلاة العيد.
وفيه نظرٌ ، لأنّ من جملة من أمر بذلك من ليس بمكلفٍ، فظهر أنّ القصد منه إظهار شعار الإسلام بالمبالغة في الاجتماع ولتعمّ الجميع البركة، والله أعلم.
وفيه استحباب خروج النّساء إلى شهود العيدين. سواءٌ كنّ شوابّ أم لا وذوات هيئاتٍ أم لا، وقد اختلف فيه السّلف.
ونقل عياضٌ وجوبه عن أبي بكرٍ وعليٍّ وابن عمر، والذي وقع لنا عن أبي بكرٍ وعليٍّ ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنهما. قالا: حقٌّ على كل ذات نطاقٍ الخروج إلى العيدين ، وقد ورد هذا مرفوعاً بإسنادٍ لا
بأس به. أخرجه أحمد وأبو يعلى وابن المنذر من طريق امرأةٍ من عبد القيس عن أخت عبد الله بن رواحة به.
والمرأة لَم تُسمّ، والأخت اسمها عمرة صحابيّةٌ.
وقوله " حقٌّ " يحتمل: الوجوب. ويحتمل: تأكّد الاستحباب، روى ابن أبي شيبة أيضاً عن ابن عمر ، أنّه كان يخرج إلى العيدين من استطاع من أهله، وهذا ليس صريحاً في الوجوب أيضاً، بل قد روي عن ابن عمر المنع.
فيحتمل: أن يحمل على حالين.
ومنهم من حمله على النّدب. وجزم بذلك الجرجانيّ من الشّافعيّة وابن حامدٍ من الحنابلة، ولكنّ نصّ الشّافعيّ في " الأمّ " يقتضي استثناء ذوات الهيئات ، قال: وأحبّ شهود العجائز وغير ذوات الهيئة الصّلاة، وإنّا لشهودهنّ الأعياد أشدّ استحباباً.
وقد سقطت واو العطف من رواية المزنيّ في المختصر ، فصارت غير ذوات الهيئة صفةً للعجائز. فمشى على ذلك صاحب النّهاية ومن تبعه. وفيه ما فيه.
بل قد روى البيهقيّ في المعرفة عن الرّبيع قال: قال الشّافعيّ: قد روي حديثٌ فيه أنّ النّساء يُتْرَكن إلى العيدين، فإن كان ثابتاً قلت به.
قال البيهقيّ: قد ثبت. وأخرجه الشّيخان - يعني حديث أمّ عطيّة هذا - فيلزم الشّافعيّة القول به، ونقله ابن الرّفعة عن البندنيجيّ ، وقال: إنّه ظاهر كلام التّنبيه، وقد ادّعى بعضهم النّسخ فيه.
قال الطّحاويّ: وأمره صلى الله عليه وسلم بخروج الحيّض وذوات الخدور إلى العيد ، يحتمل أن يكون في أوّل الإسلام ، والمسلمون قليلٌ ، فأريد التّكثير بحضورهنّ إرهاباً للعدوّ، وأمّا اليوم فلا يحتاج إلى ذلك.
وتعقّب: بأنّ النّسخ لا يثبت بالاحتمال.
قال الكرمانيّ: تاريخ الوقت لا يعرف.
قلت: بل هو معروفٌ بدلالة حديث ابن عبّاسٍ ، أنّه شهده وهو صغيرٌ ، وكان ذلك بعد فتح مكّة فلم يتمّ مراد الطّحاويّ.
وقد صرّح في حديث أمّ عطيّة بعلّة الحكم ، وهو شهودهنّ الخير ودعوة المسلمين ورجاء بركة ذلك اليوم وطهرته، وقد أفتت به أمّ عطيّة بعد النّبيّ صلى الله عليه وسلم بمدّةٍ كما في هذا الحديث ، ولَم يثبت عن أحدٍ من الصّحابة مخالفتها في ذلك.
وأمّا قول عائشة: لو رأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم ما أحدث النّساء لمنعهنّ المساجد. (1) فلا يعارض ذلك لندوره ، إنْ سلّمنا أنّ فيه دلالةً على أنّها أفتت بخلافه، مع أنّ الدّلالة منه. بأنّ عائشة أفتت بالمنع ليست صريحةً.
وفي قوله " إرهاباً للعدوّ " نظرٌ ، لأنّ الاستنصار بالنّساء والتّكثّر بهنّ في الحرب دالٌّ على الضّعف، والأولى أن يخصّ ذلك بمن يؤمن عليها وبها الفتنة ، ولا يترتّب على حضورها محذورٌ ، ولا تزاحم الرّجال في الطّرق ولا في المجامع.
(1) متفق عليه. وقد تقدّم ذكره في كتاب الحيض. وانظر حديث ابن عمر رقم (65).