الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثامن
167 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، قال: أسرعوا بالجنازة فإنّها إنْ تك صالِحةً ، فخيرٌ تقدّمونها إليه. وإن تك سوى ذلك ، فشرٌّ تضعونه عن رقابكم. (1)
قوله: (أسرعوا) نقل ابن قدامة. أنّ الأمر فيه للاستحباب بلا خلاف بين العلماء. وشذّ ابن حزم. فقال بوجوبه.
والمراد بالإسراع شدّة المشي ، وعلى ذلك حمله بعض السّلف وهو قول الحنفيّة.
قال صاحب الهداية: ويمشون بها مسرعين دون الخبب.
وفي المبسوط: ليس فيه شيء مؤقّت، غير أنّ العجلة أحبّ إلى أبي حنيفة، وعن الشّافعيّ والجمهور المراد بالإسراع ما فوق سجيّة المشي المعتاد، ويكره الإسراع الشّديد.
ومال عياض إلى نفي الخلاف ، فقال: من استحبّه أراد الزّيادة على المشي المعتاد، ومن كرهه أراد الإفراط فيه كالرّمل.
والحاصل أنّه يستحبّ الإسراع لكن بحيث لا ينتهي إلى شدّة يخاف معها حدوث مفسدة بالميّت أو مشقّة على الحامل أو المشيّع ، لئلا ينافي
(1) أخرجه البخاري (1252) ومسلم (944) من طريق الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وأخرجه مسلم (944) من طريق الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبي هريرة مثله.
المقصود من النّظافة وإدخال المشقّة على المسلم.
قال القرطبيّ: مقصود الحديث أن لا يتباطأ بالميّت عن الدّفن، ولأنّ التّباطؤ ربّما أدّى إلى التّباهي والاختيال.
قوله: (بالجنازة) أي: بحملها إلى قبرها، وقيل: المعنى بتجهيزها، فهو أعمّ من الأوّل. قال القرطبيّ: والأوّل أظهر.
وقال النّوويّ: الثّاني باطل مردود بقوله في الحديث " تضعونه عن رقابكم ".
وتعقّبه الفاكهيّ: بأنّ الحمل على الرّقاب قد يعبّر به عن المعاني ، كما تقول: حمل فلان على رقبته ذنوباً، فيكون المعنى استريحوا من نظر من لا خير فيه، قال: ويؤيّده أنّ الكلّ لا يحملونه. انتهى.
ويؤيّده حديث ابن عمر ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره. أخرجه الطّبرانيّ بإسنادٍ حسن.
ولأبي داود من حديث حصين بن وحوح مرفوعاً: لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله. الحديث
قوله: (فإن تك صالحة) أي: الجثّة المحمولة.
قال الطّيبيّ: جعلت الجنازة عين الميّت، وجعلت الجنازة التي هي مكان الميّت مقدّمة إلى الخير الذي كنّي به عن عمله الصّالح.
قوله: (فخير) هو خبر مبتدأ محذوف أي فهو خير، أو مبتدأ خبره محذوف أي: فلها خير، أو فهناك خير، ويؤيّده رواية مسلم بلفظ
" قرّبتموها إلى الخير ".
ويأتي في قوله بعد ذلك " فشرّ " نظير ذلك.
قوله: (تقدّمونها إليه) الضّمير راجع إلى الخير باعتبار الثّواب.
قال ابن مالك: روي " تقدّمونه إليها " فأنّث الضّمير على تأويل الخير بالرّحمة أو الحسنى.
قوله: (تضعونه عن رقابكم) استدل به على أنّ حمل الجنازة يختصّ بالرّجال للإتيان فيه بضمير المذكّر ، ولا يخفى ما فيه.
وفيه استحباب المبادرة إلى دفن الميّت، لكن بعد أن يتحقّق أنّه مات، أمّا مثل المطعون والمفلوج والمسبوت فينبغي أن لا يسرع بدفنهم حتّى يمضي يوم وليلة ليتحقّق موتهم، نبّه على ذلك ابن بزيزة.
ويؤخذ من الحديث ترك صحبة أهل البطالة وغير الصّالحين.
تكملة: اختلف في المشي مع الجنازة.
القول الأول: التخيير. وهو قول الثّوريّ ، وبه قال ابن حزم. لكن قيّده بالماشي اتّباعاً ، لِمَا أخرج أصحاب السّنن وصحّحه ابن حبّان والحاكم من حديث المغيرة بن شعبة مرفوعاً: الرّاكب خلف الجنازة ، والماشي حيث شاء منها.
القول الثاني: عن النّخعيّ. أنّه إن كان في الجنازة نساء مشى أمامها وإلا فخلفها.
وفي المسألة مذهبان آخران مشهوران:
فالجمهور على أنّ المشي أمامها أفضل، وفيه حديث لابن عمر
أخرجه أصحاب السّنن. ورجاله رجال الصّحيح ، إلَاّ أنّه اختلف في وصله وإرساله (1).
ويعارضه ما رواه سعيد بن منصور وغيره من طريق عبد الرّحمن بن أبزى عن عليّ قال: المشي خلفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذّ.
إسناده حسن، وهو موقوف له حكم المرفوع، لكن حكى الأثرم عن أحمد أنّه تكلم في إسناده، وهو قول الأوزاعيّ وأبي حنيفة ومن تبعهما.
(1) رواه الإمام أحمد (82) وأبو داود (3179) والترمذي (1007 - 1008) والنسائي (564) وابن ماجه (1482) وابن حبان (766) والبيهقي (4/ 23 و 24) وغيرهم عن ابن عمر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة " زاد النسائي " وعثمان ".
وذكر الحافظ في " التلخيص "(2/ 111) اختلافَ الحفَّاظ فيه ، ومال إلى ترجيح الإرسال. فانظره.