الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث المائة وأربعة
153 -
عن عائشة رضي الله عنها ، أنّها قالت: خسفت الشّمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنّاس ، فأطال القيام ، ثمّ ركع ، فأطال الرّكوع ، ثمّ قام ، فأطال القيام - وهو دون القيام الأوّل - ثمّ ركع ، فأطال الرّكوع - وهو دون الرّكوع الأوّل - ثمّ سجد ، فأطال السّجود ، ثمّ فعل في الرّكعة الأخرى مثل ما فعل في الرّكعة الأولى ، ثمّ انصرف ، وقد تجلَّت الشّمس ، فخطب النّاس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال:
إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا يخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبّروا ، وصلّوا وتصدّقوا ، ثمّ قال: يا أمّة محمّدٍ ، والله ما من أحدٍ أغيرَ مِن الله أنْ يزني عبدُه ، أو تزني أمتُه ، يا أمّةَ محمّدٍ ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ، ولبكيتم كثيراً.
وفي لفظٍ: فاستكمل أربع ركعاتٍ وأربع سجداتٍ. (1)
قوله: (خسفت الشّمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلَّى) استدل به على أنّه صلى الله عليه وسلم كان يحافظ على الوضوء. فلهذا لَم يحتج إلى الوضوء في
(1) أخرجه البخاري (997 ، 999 ، 1000 ، 1002 ، 1007 ، 1009 ، 1015 ، 1016 ، 1154 ، 1306 ، 3031 ، 4348 ، 4923 ، 6005) ومسلم (901) من طرق عن عائشة. مطوَّلاً ومختصراً.
تلك الحال.
وفيه نظرٌ ، لأنّ في السّياق حذفاً ، ففي رواية ابن شهاب عن عروة عن عنها ، خسفت الشّمس فخرج إلى المسجد فصفّ النّاس وراءه. متفق عليه ، وفي رواية عمرة عند البخاري: فخسفت فرجع ضحىً فمرّ بين الحجر ، ثمّ قام يُصلِّي.
وإذا ثبتت هذه الأفعال جاز أن يكون حذف أيضاً ، فتوضّأ ثمّ قام يُصلِّي ، فلا يكون نصّاً في أنّه كان على وضوء.
قوله: (فأطال القيام) في رواية ابن شهاب " فاقترأ قراءة طويلة " ومن وجه آخر عنه " فقرأ بسورةٍ طويلة " وفي حديث ابن عبّاس عند البخاري " فقرأ نحواً من سورة البقرة في الرّكعة الأولى ".
ونحوه لأبي داود من طريق سليمان بن يسار عن عروة ، وزاد فيه أنّه " قرأ في القيام الأوّل من الرّكعة الثّانية نحواً من آل عمران ".
قوله: (ثمّ قام فأطال القيام) في رواية ابن شهاب " ثمّ قال: سمع الله لمن حمده. ربّنا ولك الحمد ".
واستدل به على استحباب الذّكر المشروع في الاعتدال في أوّل القيام الثّاني من الرّكعة الأولى.
واستشكله بعض متأخّري الشّافعيّة من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال ، بدليل اتّفاق العلماء ممَن قال بزيادة الرّكوع في كلّ ركعة على قراءة الفاتحة فيه. وإن كان محمّد بن مسلمة المالكيّ خالف فيه.
والجواب: أنّ صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة. فلا
مدخل للقياس فيها، بل كلّ ما ثبت أنّه صلى الله عليه وسلم فعله فيها كان مشروعاً ، لأنّها أصل برأسه، وبهذا المعنى ردّ الجمهور على من قاسها على صلاة النّافلة حتّى منع من زيادة الرّكوع فيها.
وقد أشار الطّحاويّ: إلى أنّ قول أصحابه جرى على القياس في صلاة النّوافل، لكن اعترض بأنّ القياس مع وجود النّصّ يضمحلّ، وبأنّ صلاة الكسوف أشبه بصلاة العيد ونحوها ممّا يجمع فيه من مطلق النّوافل، فامتازت صلاة الجنازة بترك الرّكوع والسّجود، وصلاة العيدين بزيادة التّكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة واستدبار القبلة، فكذلك اختصّت صلاة الكسوف بزيادة الرّكوع، فالأخذ به جامع بين العمل بالنّصّ والقياس بخلاف من لَم يعمل به.
قوله: (فأطال الرّكوع) لَم أر في شيء من الطّرق بيان ما قال فيه، إلَاّ أنّ العلماء اتّفقوا على أنّه لا قراءة فيه، وإنّما فيه الذّكر من تسبيح وتكبير ونحوهما.
ولَم يقع في هذه الرّواية ذكر تطويل الاعتدال الذي يقع فيه السّجود بعده، ولا تطويل الجلوس بين السّجدتين، ووقع في حديث جابر عند مسلم تطويل الاعتدال الذي يليه السّجود ، ولفظه " ثمّ ركع فأطال، ثمّ سجد ".
وقال النّوويّ: هي رواية شاذّة مخالفة ، فلا يُعمل بها ، أو المراد زيادة الطّمأنينة في الاعتدال لا إطالته نحو الرّكوع.
وتعقّب: بما رواه النّسائيّ وابن خزيمة وغيرهما، من حديث عبد الله بن عمرو أيضاً ففيه " ثمّ ركع فأطال حتّى قيل لا يرفع، ثمّ رفع فأطال حتّى قيل لا يسجد، ثمّ سجد فأطال حتّى قيل لا يرفع، ثمّ رفع فجلس فأطال الجلوس حتّى قيل لا يسجد، ثمّ سجد " لفظ ابن خزيمة من طريق الثّوريّ عن عطاء بن السّائب عن أبيه عنه.
والثّوريّ سمع من عطاء قبل الاختلاط. فالحديث صحيح.
ولَم أقف في شيء من الطّرق على تطويل الجلوس بين السّجدتين إلَاّ في هذا، وقد نقل الغزاليّ الاتّفاق على ترك إطالته، فإن أراد الاتّفاق المذهبيّ فلا كلام، وإلا فهو محجوج بهذه الرّواية.
قوله: (وهو دون القيام) وللبخاري " أربع ركعات في سجدتين ، الأولى أطول " وقد رواه الإسماعيليّ بلفظ " الأولى فالأولى أطول ".
وفيه دليل لِمَن قال: إنّ القيام الأوّل من الرّكعة الثّانية يكون دون القيام الثّاني من الرّكعة الأولى.
وقد قال ابن بطّال: إنّه لا خلاف أنّ الرّكعة الأولى بقيامها وركوعيها تكون أطول من الرّكعة الثّانية بقيامها وركوعيها.
وقال النّوويّ: اتّفقوا على أنّ القيام الثّاني وركوعه فيهما أقصر من القيام الأوّل وركوعه فيهما، واختلفوا في القيام الأوّل من الثّانية وركوعه. هل هما أقصر من القيام الثّاني من الأولى وركوعه. أو يكونان سواء؟.
قيل: وسبب هذا الخلاف فَهْمُ معنى قوله " وهو دون القيام الأوّل
" هل المراد به الأوّل من الثّانية ، أو يرجع إلى الجميع فيكون كلّ قيام دون الذي قبله؟
ورواية الإسماعيليّ تعيّن هذا الثّاني.
ويرجّحه أيضاً: أنّه لو كان المراد من قوله " القيام الأوّل " أوّل قيام من الأولى فقط ، لكان القيام الثّاني والثّالث مسكوتاً عن مقدارهما، فالأوّل أكثر فائدة، والله أعلم.
قوله: (ثمّ سجد ، فأطال السّجود) فيه الرّدّ على من أنكره.
واستدل بعض المالكيّة على ترك إطالته: بأنّ الذي شرع فيه التّطويل شرع تكراره كالقيام والرّكوع ، ولَم تشرع الزّيادة في السّجود فلا يشرع تطويله.
وهو قياس في مقابلة النّصّ كما سيأتي بيانه. فهو فاسد الاعتبار.
وأبدى بعضهم في مناسبة التّطويل في القيام والرّكوع دون السّجود.
أنّ القائم والرّاكع يمكنه رؤية الانجلاء بخلاف السّاجد ، فإنّ الآية علويّة فناسب طول القيام لها بخلاف السّجود.
ولأنّ في تطويل السّجود استرخاء الأعضاء فقد يفضي إلى النّوم.
وكلّ هذا مردود بثبوت الأحاديث الصّحيحة في تطويله. ففي الصحيحين عن عائشة قالت: ما سجدت سجوداً قطّ كان أطول منه. أي: من السّجود المذكور، زاد مسلم فيه " ولا ركعتُ ركوعاً قطّ كان أطول منه ".
وللنّسائيّ من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو بلفظ " ثمّ رفع رأسه فسجد. وأطال السّجود " ، ونحوه عنده عن أبي هريرة.
وللشّيخين من حديث أبي موسى " بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قطّ " ، ولأبي داود والنّسائيّ من حديث سمرة " كأطول ما سجد بنا في صلاة قطّ ".
وكلّ هذه الأحاديث ظاهرة في أنّ السّجود في الكسوف يطوَّل كما يطوَّل القيام والرّكوع.
وأبدى بعض المالكيّة فيه بحثاً ، فقال: لا يلزم من كونه أطال أن يكون بلغ به حدّ الإطالة في الرّكوع.
وكأنّه غفل عمّا رواه مسلم في حديث جابر بلفظ " وسجوده نحو من ركوعه " وهذا مذهب أحمد وإسحاق وأحد قولي الشّافعيّ ، وبه جزم أهل العلم بالحديث من أصحابه. واختاره ابن سريج ثمّ النّوويّ.
وتعقّبه صاحب " المهذّب " بأنّه لَم ينقل في خبر ، ولَم يقل به الشّافعيّ. انتهى.
وردّ عليه في الأمرين معاً ، فإنّ الشّافعيّ نصّ عليه في البويطيّ. ولفظه " ثمّ يسجد سجدتين طويلتين يُقيم في كلّ سجدة نحواً ممّا قام في ركوعه ".
قوله: (ثمّ فعل في الرّكعة الأخرى مثل ما فعله في الركعة الأولى) وقع ذلك مفسّراً في رواية عمرة. ولفظه " ثم قام فصلَّى ، وقام الناس
وراءه، فقام قياماً طويلاً، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع، فقام قياماً طويلاً. وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً. وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، فسجد سجوداً طويلاً، ثم قام، فقام قياماً طويلاً. وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً. وهو دون الركوع الأول، ثم قام قياماً طويلاً. وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً. وهو دون الركوع الأول، ثم سجد وهو دون السجود الأول، ثم انصرف .. الحديث. متفق عليه
قوله: (ثمّ انصرف) أي: من الصّلاة
قوله: (وقد تجلَّتْ الشّمس) في رواية ابن شهاب " انجلت الشّمس قبل أن ينصرف " ، وللنّسائيّ " ثمّ تشهّد وسلم ".
قوله: (فخطب النّاس) فيه مشروعيّة الخطبة للكسوف.
القول الأول: استحبّها الشّافعيّ وإسحاق وأكثر أصحاب الحديث. قال ابن قدامة: لَم يبلغنا عن أحمد ذلك (1).
القول الثاني: قال صاحب الهداية من الحنفيّة: ليس في الكسوف خطبة ، لأنّه لَم ينقل.
وتعقّب: بأنّ الأحاديث ثبتت فيه ، وهي ذات كثرة.
والمشهور عند المالكيّة أن لا خطبة لها، مع أنّ مالكاً روى الحديث،
(1) قال المرداوي في " الإنصاف "(2/ 448): وأطلق جماعةٌ من الأصحاب في استحباب الخطبة روايتين ، ولَم يذكر القاضي وغيره نصاً عن أحمد: أنه لا يخطب. إنما أخذوه من نصّه " لا خطبة في الاستسقاء " وقال أيضاً: لَم يذكر لها أحمدُ خطبة. انتهى
وفيه ذكر الخطبة. ولَم يقل به أصحابه.
وأجاب بعضهم: بأنّه صلى الله عليه وسلم لَم يقصد لها خطبة بخصوصها، وإنّما أراد أن يبيّن لهم الرّدّ على من يعتقد أنّ الكسوف لموت بعض النّاس.
وتعقّب: بما في الأحاديث الصّحيحة من التّصريح بالخطبة ، وحكاية شرائطها من الحمد والثّناء والموعظة وغير ذلك ممّا تضمّنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعيّة الاتّباع، والخصائص لا تثبت إلَاّ بدليلٍ.
وقد استضعف ابن دقيق العيد التّأويل المذكور ، وقال: إنّ الخطبة لا تنحصر مقاصدها في شيء معيّن، بعد الإتيان بما هو المطلوب منها من الحمد والثّناء والموعظة، وجميع ما ذكر من سبب الكسوف وغيره هو من مقاصد خطبة الكسوف، فينبغي التّأسّي بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم فيذكر الإمام ذلك في خطبة الكسوف.
نعم. نازع ابن قدامة في كون خطبة الكسوف كخطبتي الجمعة والعيدين، إذ ليس في الأحاديث المذكورة ما يقتضي ذلك.
وإلى ذلك نحا ابن المنير في حاشيته ، وردّ على من أنكر أصل الخطبة لثبوت ذلك صريحاً في الأحاديث ، وذكر أنّ بعض أصحابهم احتجّ على ترك الخطبة ، بأنّه لَم ينقل في الحديث أنّه صعد المنبر، ثمّ زيّفه بأنّ المنبر ليس شرطاً، ثمّ لا يلزم من أنّه لَم يذكر أنّه لَم يقع.
واستدل به على أنّ الانجلاء لا يُسقط الخطبة، بخلاف ما لو انجلت قبل أن يشرع في الصّلاة فإنّه يسقط الصّلاة والخطبة، فلو
انجلت في أثناء الصّلاة أتمّها على الهيئة المذكورة عند مَن قال بها.
وعن أصبغ: يتمّها على هيئة النّوافل المعتادة.
قوله: (فحمد الله وأثنى عليه) زاد النّسائيّ في حديث سمرة " وشهد أنّه عبد الله ورسوله ".
قوله: (فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا) في رواية لهما " فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة " بفتح الزّاي. أي: التجئوا وتوجّهوا.
وفيه إشارة إلى المبادرة إلى المأمور به، وأنّ الالتجاء إلى الله عند المخاوف بالدّعاء ، والاستغفار سبب لمحو ما فرّط من العصيان يرجى به زوال المخاوف.
وأنّ الذّنوب سبب للبلايا والعقوبات العاجلة والآجلة، نسأل الله تعالى رحمته وعفوه وغفرانه.
قوله: (وصلّوا) أي: المعهودة الخاصّة، وهي التي تقدّم فعلها منه صلى الله عليه وسلم قبل الخطبة. ولَم يصب من استدل به على مطلق الصّلاة.
ويُستنبط منه أنّ الجماعة ليست شرطاً في صحّتها ، لأنّ فيه إشعاراً بالمبادرة إلى الصّلاة والمسارعة إليها، وانتظار الجماعة قد يؤدّي إلى فواتها وإلى إخلاء بعض الوقت من الصّلاة.
قوله: (يا أمّة محمّد) فيه معنى الإشفاق كما يخاطب الوالد ولده إذا أشفق عليه بقوله " يا بنيّ ".
كذا قيل، وكان قضيّة ذلك أن يقول: يا أمّتي. لكن لعدوله عن
المضمر إلى المظهر حكمة، وكأنّها بسبب كون المقام مقام تحذير وتخويف لِمَا في الإضافة إلى الضّمير من الإشعار بالتّكريم، ومثله " يا فاطمة بنت محمّد لا أغني عنكِ من الله شيئاً " الحديث. (1)
ويؤخذ من قوله " يا أمّة محمّد " أنّ الواعظ ينبغي له حال وعظه أن لا يأتي بكلامٍ فيه تفخيم لنفسه، بل يبالغ في التّواضع ، لأنّه أقرب إلى انتفاع من يسمعه.
قوله: (واللهِ ما مِن أَحدٍ) فيه القسم لتأكيد الخبر ، وإن كان السّامع غير شاكّ فيه. وصدّر صلى الله عليه وسلم كلامه باليمين لإرادة التّأكيد للخبر ، وإن كان لا يرتاب في صدقه.
ولعل تخصيص العبد والأَمَة بالذّكر رعاية لحسن الأدب مع الله تعالى لتنزّهه عن الزّوجة والأهل ممّن يتعلق بهم الغيرة غالباً.
قوله: (ما من أحد أغير) بالنّصب على أنّه الخبر ، وعلى أنّ " مِن " زائدة، ويجوز فيه الرّفع على لغة تميم، أو " أغير " مخفوض صفة لأحدٍ، والخبر محذوف تقديره موجود.
قوله: (أغير) أفعل تفضيل من الغيرة بفتح الغين المعجمة ، وهي في اللّغة تغيّر يحصل من الحميّة والأنفة، وأصلها في الزّوجين والأهلين ، وكلّ ذلك محال على الله تعالى (2) ، لأنّه منزّه عن كلّ تغيّر
(1) أخرجه البخاري (3336) ومسلم (205) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
قال الشيخ ابن باز رحمه الله (2/ 684): المحال عليه سبحانه وتعالى وصفه بالغَيْرة المشابهة لغَيْرة المخلوق ، وأمَّا الغَيرة اللائقة بجلاله سبحانه وتعالى فلا يستحيل وصفه بها كما دلَّ عليه هذا الحديث وما جاء في معناه ، فهو سبحانه يوصف بالغيرة عند أهل السنة على وجه لا يماثل فيه صفة المخلوقين. ولا يعلم كنهها وكيفيتها إلَاّ هو سبحانه ، كالقول في الاستواء والنزول والرضا والغضب وغير ذلك من صفاته سبحانه.
ونقص فيتعيّن حمله على المجاز.
فقيل: لَمّا كانت ثمرة الغيرة صون الحريم ومنعهم وزجر من يقصد إليهم، أطلق عليه ذلك لكونه منع من فعل ذلك وزجر فاعله وتوعّده، فهو من باب تسمية الشّيء بما يترتّب عليه.
وقال ابن فورك: المعنى ما أحد أكثر زجراً عن الفواحش من الله. وقال: غيرة الله ما يغير من حال العاصي بانتقامه منه في الدّنيا والآخرة أو في إحداهما، ومنه قوله تعالى (إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتّى يغيّروا ما بأنفسهم).
وقال ابن دقيق العيد: أهل التّنزيه في مثل هذا على قولين، إمّا ساكت، وإمّا مؤوّل على أنّ المراد بالغيرة شدّة المنع والحماية، فهو من مجاز الملازمة.
وقال الطّيبيّ وغيره: وجه اتّصال هذا المعنى بما قبله من قوله " فاذكروا الله إلخ " من جهة أنّهم لَمّا أمروا باستدفاع البلاء بالذّكر والدّعاء والصّلاة والصّدقة. ناسب ردعهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب البلاء، وخصّ منها الزّنا لأنّه أعظمها في ذلك.
وقيل: لَمَّاكانت هذه المعصية من أقبح المعاصي وأشدّها تأثيراً في إثارة النّفوس وغلبة الغضب ، ناسب ذلك تخويفهم في هذا المقام من مؤاخذة ربّ الغيرة وخالقها سبحانه وتعالى.
قوله: (لو تعلمون ما أعلم) أي: من عظيم قدرة الله وانتقامه من أهل الإجرام.
وقيل: معناه لو دام علمكم كما دام علمي، لأنّ علمه متواصل بخلاف غيره.
وقيل: معناه لو علمتم من سعة رحمة الله وحلمه وغير ذلك ما أعلم لبكيتم على ما فاتكم من ذلك.
قوله: (لضحكتم قليلاً) قيل: معنى القلة هنا العدم، والتّقدير لتركتم الضّحك ولَم يقع منكم إلَاّ نادراً لغلبة الخوف ، واستيلاء الحزن.
وحكى ابن بطّال عن المُهلَّب: أنّ سبب ذلك ما كان عليه الأنصار من محبّة اللهو والغناء. وأطال في تقرير ذلك بما لا طائل فيه ، ولا دليل عليه.
ومن أين له أنّ المخاطب بذلك الأنصار دون غيرهم؟ ، والقصّة كانت في أواخر زمنه صلى الله عليه وسلم حيث امتلأت المدينة بأهل مكّة ووفود العرب. وقد بالغ الزين بن المنير في الرّدّ عليه والتّشنيع بما يستغنى عن حكايته.
وفي الحديث ترجيح التّخويف في الخطبة على التّوسّع في التّرخيص لِمَا في ذكر الرّخص من ملاءمة النّفوس لِمَا جبلت عليه من الشّهوة، والطّبيب الحاذق يقابل العلة بما يضادّها لا بما يزيدها.
واستدل به على أنّ لصلاة الكسوف هيئةً تخصّها من التّطويل الزّائد
على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوع في كلّ ركعة.
وقد وافق عائشةَ على رواية ذلك عبدُ الله بن عبّاس وعبدُ الله بن عمرو متّفق عليهما، ومثله عن أسماء بنت أبي بكر، وعن جابر عند مسلم، وعن عليّ عند أحمد، وعن أبي هريرة عند النّسائيّ، وعن ابن عمر عند البزّار، وعن أمّ سفيان عند الطّبرانيّ.
وفي رواياتهم زيادة رواها الحفّاظ الثّقات ، فالأخذ بها أولى من إلغائها. وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا.
وقد وردت الزّيادة في ذلك من طرق أخرى.
فعند مسلم من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر ، أنّ في كلّ ركعة ثلاث ركوعات.
وعنده من وجه آخر عن ابن عبّاس ، أنّ في كلّ ركعة أربع ركوعات.
ولأبي داود من حديث أبيّ بن كعب، والبزّار من حديث عليّ ، أنّ في كلّ ركعة خمس ركوعات.
ولا يخلو إسناد منها عن عِلَّة. وقد أوضح ذلك البيهقيّ وابن عبد البرّ.
ونقل صاحب الهدى: عن الشّافعيّ وأحمد والبخاريّ ، أنّهم كانوا يعدّون الزّيادة على الرّكوعين في كلّ ركعة غلطاً من بعض الرّواة، فإنّ أكثر طرق الحديث يمكن ردّ بعضها إلى بعض، ويجمعها أنّ ذلك يوم مات إبراهيم عليه السلام ، وإذا اتّحدت تعيّن الأخذ بالرّاجح.
وجمع بعضهم بين هذه الأحاديث. بتعدّد الواقعة، وأنّ الكسوف وقع مراراً، فيكون كلّ من هذه الأوجه جائزاً، وإلى ذلك نحا إسحاق ، لكن لَم تثبت عنده الزّيادة على أربع ركوعات.
وقال ابن خزيمة وابن المنذر والخطّابيّ وغيرهم من الشّافعيّة: يجوز العمل بجميع ما ثبت من ذلك. وهو من الاختلاف المباح، وقوّاه النّوويّ في شرح مسلم.
وأبدى بعضهم: أنّ حكمة الزّيادة في الرّكوع والنّقص كان بحسب سرعة الانجلاء وبطئه، فحين وقع الانجلاء في أوّل ركوع اقتصر على مثل النّافلة، وحين أبطأ زاد ركوعاً، وحين زاد في الإبطاء زاد ثالثاً ، وهكذا إلى غاية ما ورد في ذلك.
وتعقّبه النّوويّ وغيره: بأنّ إبطاء الانجلاء وعدمه لا يعلم في أوّل الحال ولا في الرّكعة الأولى، وقد اتّفقت الرّوايات على أنّ عدد الرّكوع في الرّكعتين سواء، وهذا يدلّ على أنّه مقصود في نفسه منويّ من أوّل الحال.
وأجيب: باحتمال أن يكون الاعتماد على الرّكعة الأولى، وأمّا الثّانية فهي تبع لها ، فمهما اتّفق وقوعه في الأولى بسبب بطء الانجلاء يقع مثله في الثّانية ليساوي بينهما.
ومن ثَمَّ قال أصبغ: إذا وقع الانجلاء في أثنائها يُصلِّي الثّانية كالعادة. وعلى هذا فيدخل المُصلِّي فيها على نيّة مطلق الصّلاة، ويزيد في الرّكوع بحسب الكسوف، ولا مانع من ذلك.
وأجاب بعض الحنفيّة عن زيادة الرّكوع: بحمله على رفع الرّأس لرؤية الشّمس هل انجلت أم لا؟ فإذا لَم يرها انجلت رجع إلى ركوعه ، ففعل ذلك مرّة أو مراراً. فظنّ بعض من رآه يفعل ذلك ركوعاً زائداً.
وتعقّب: بالأحاديث الصّحيحة الصّريحة في أنّه أطال القيام بين الرّكوعين ، ولو كان الرّفع لرؤية الشّمس فقط لَم يحتج إلى تطويل، ولا سيّما الأخبار الصّريحة بأنّه ذكر ذلك الاعتدال ثمّ شرع في القراءة فكلّ ذلك يردّ هذا الحمل، ولو كان كما زعم هذا القائل لكان فيه إخراج لفعل الرّسول صلى الله عليه وسلم عن العبادة المشروعة ، أو لزم منه إثبات هيئة في الصّلاة لا عهد بها ، وهو ما فرّ منه.
وفي حديث عائشة من الفوائد غير ما تقدّم.
المبادرة بالصّلاة وسائر ما ذكر عند الكسوف، والزّجر عن كثرة الضّحك، والحثّ على كثرة البكاء، والتّحقّق بما سيصير إليه المرء من الموت والفناء والاعتبار بآيات الله.
وفيه الرّدّ على من زعم أنّ للكواكب تأثيراً في الأرض لانتفاء ذلك عن الشّمس والقمر فكيف بما دونهما.
وفيه تقديم الإمام في الموقف، وتعديل الصّفوف، والتّكبير بعد الوقوف في موضع الصّلاة، وبيان ما يخشى اعتقاده على غير الصّواب، واهتمام الصّحابة بنقل أفعال النّبيّ صلى الله عليه وسلم ليقتدى به فيها.
ومن حكمة وقوع الكسوف تبيين أنموذج ما سيقع في القيامة،
وصورة عقاب من لَم يذنب، والتّنبيه على سلوك طريق الخوف مع الرّجاء لوقوع الكسوف بالكوكب ثمّ كشف ذلك عنه ليكون المؤمن من ربّه على خوف ورجاء.
وفي الكسوف إشارة إلى تقبيح رأي من يعبد الشّمس أو القمر، وحمل بعضهم الأمر في قوله تعالى (لا تسجدوا للشّمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهنّ) على صلاة الكسوف ، لأنّه الوقت الذي يناسب الإعراض عن عبادتهما لِمَا يظهر فيهما من التّغيير والنّقص المنزّه عنه المعبود جلَّ وعلا سبحانه وتعالى.