الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مُقَدّمَة
فِي معنى الْخلَافَة وَمن ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْخَلِيفَة وَمن تكون عَنهُ الْخلَافَة وَكَيْفِيَّة النِّسْبَة إِلَى الْخَلِيفَة وَمَا يَقع عَلَيْهِ من الكنية والألقاب وَفِيه فصلان
الْفَصْل الأول
فِي معنى الْخلَافَة وَمن ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْخَلِيفَة وَمن كَون عَنهُ الْخلَافَة وَكَيْفِيَّة النِّسْبَة إِلَى الْخَلِيفَة
أما الْخلَافَة فَهِيَ فِي الأَصْل مصدر خلف يُقَال خَلفه فِي قومه يخلفه خلَافَة فَهُوَ خَليفَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُون اخلفني فِي قومِي} ثمَّ اطلق فِي الْعرف الْعَام على الزعامة الْعُظْمَى وَهِي الْولَايَة الْعَامَّة على كَافَّة الْأمة وَالْقِيَام بأمورها والنهوض
بأعبائها والخليفي بِكَسْر الْخَاء وَتَشْديد اللَّام الْمَكْسُورَة لُغَة فِي الْخلَافَة حَكَاهَا الْجَوْهَرِي وَغَيره قَالَ ابْن الْأَثِير فِي نهايته فِي غَرِيب الحَدِيث وَهُوَ من المصادر الدَّالَّة على معنى الْكَثْرَة وَمِنْه قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه لَو أُطِيق الْأَذَان مَعَ الخليفي لأذنت يُرِيد أَنه مشتغل عَن الْأَذَان بِكَثْرَة اجْتِهَاده فِي ضبط أُمُور الْخلَافَة وتصريف أعنتها وَقد (4 ب) اخْتلف فِي لفظ الْخَلِيفَة
فَقيل هُوَ فعيل بِمَعْنى مفعول كجريح بِمَعْنى مَجْرُوح وقتيل بِمَعْنى مقتول وَيكون الْمَعْنى أَنه يخلفه من بعده وَعَلِيهِ حمل قَوْله تَعَالَى فِي حق آدم عليه السلام {إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة} على قَول من قَالَ إِن آدم أول من عمر الأَرْض وَخَلفه فِيهَا بنوه بعده
وَقيل هُوَ فعيل بِمَعْنى فَاعل كعليم بِمَعْنى عَالم وقدير بِمَعْنى قَادر وَيكون الْمَعْنى فِيهِ أَنه يخلف من بعده وَعَلِيهِ حمل الْآيَة السَّابِقَة وَهِي قَوْله تَعَالَى {إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة} من قَالَ إِنَّه كَانَ قبل آدم فِي الأَرْض الْجِنّ أَو الْمَلَائِكَة وَإنَّهُ خَلفهم فِيهَا وَاخْتَارَهُ أَبُو جَعْفَر النّحاس فِي كِتَابه صناعَة الْكتاب وَعَلِيهِ اقْتصر الماوردى فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة قَالَ النّحاس وَعَلِيهِ خُوطِبَ أَبُو بكر رضي الله عنه بخليفة رَسُول الله وعَلى ذَلِك ينطبق كَلَام البغوى فِي شرح السّنة حَيْثُ سمى خَليفَة لِأَنَّهُ خلف الْمَاضِي قبله ثمَّ قَالَ النّحاس وَإِطْلَاق الْخَلِيفَة على أَمِير الْمُؤمنِينَ يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا
وَاخْتلف فِي الْهَاء فِي آخِره فَقيل أدخلت فِيهِ للْمُبَالَغَة كَمَا أدخلت فِي رجل داهية للكثير الدهاء
وَرِوَايَة للكثير الرِّوَايَة وعلامة للكثير الْعلم وَهُوَ قَول الْفراء وَاسْتَحْسنهُ النّحاس نَاقِلا لَهُ عَن أَكثر النَّحْوِيين وَنقل عَن عَليّ بن سُلَيْمَان تخطئته احتجاجا بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ التَّأْنِيث فِيهِ حَقِيقِيًّا وَلَيْسَ كَذَلِك وَقيل الْهَاء فِيهِ لتأنيث الصِّيغَة قَالَ النّحاس وَرُبمَا أسقطوا الْهَاء مِنْهُ وأضافوا فَقَالُوا فلَان خليف فلَان يعنون خليفه
ثمَّ الأَصْل فِيهِ التَّذْكِير نظرا للمعنى لِأَن المُرَاد بالخليفة رجل وَهُوَ يذكر فَتَقول أَمر الْخَلِيفَة بِكَذَا على التَّذْكِير وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ فِيهِ التَّأْنِيث على اللَّفْظ (15) فَيُقَال أمرت الْخَلِيفَة بِكَذَا وَأنْشد الْفراء
…
أَبوك خَليفَة وَلدته أُخْرَى
…
وَأَنت خَليفَة ذَاك الْكَمَال
…
وَمنع البصريون ذَلِك محتجين بِأَنَّهُ لَو جَازَ ذَلِك لجَاز قَالَت طَلْحَة فِي رجل اسْمه طَلْحَة وَهُوَ مُمْتَنع قَالَ النّحاس فَإِن ظهر اسْم الْخَلِيفَة تعين
التَّذْكِير بِاتِّفَاق فَتَقول قَالَ الراضي الْخَلِيفَة وَنَحْو ذَلِك
وَيجمع الْخَلِيفَة على خلفاء على معنى التَّذْكِير دون اللَّفْظ كَمَا فِي جمع كريم على كرماء وظريف على ظرفاء وَعَلِيهِ ورد قَوْله تَعَالَى {واذْكُرُوا إِذْ جعلكُمْ خلفاء من بعد قوم نوح} وَيجمع ايضا على خلائف حملا على تَأْنِيث اللَّفْظ كَمَا تجمع صحيفَة على صَحَائِف وَعَلِيهِ جَاءَ قَوْله تَعَالَى {وَهُوَ الَّذِي جعلكُمْ خلائف الأَرْض} قَالَ النّحاس وَيجوز أَن يجمع على خلاف ككريم وكرام لِأَن الْهَاء زَائِدَة
وَأما من ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْخَلِيفَة فقد ذهب جمَاعَة من أَئِمَّة السّلف مِنْهُم أَحْمد بن حَنْبَل رحمه الله إِلَى كَرَاهَة إِطْلَاق اسْم الْخَلِيفَة على من بعد الْحسن بن على رضي الله عنهما فِيمَا حَكَاهُ النّحاس وَغَيره محتجين بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث سفينة أَن رَسُول الله صلى الله عَنهُ وَسلم قَالَ
الْخلَافَة فِي أمتِي ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ ملك بعد ذَلِك قَالَ سعيد بن جهمان ثمَّ قَالَ لى سفينة أمسك خلَافَة أبي بكر وَخِلَافَة عمر وَخِلَافَة عُثْمَان ثمَّ قَالَ أمسك خلَافَة عَليّ وَخِلَافَة الْحسن فَوَجَدْنَاهَا ثَلَاثِينَ سنة قَالَ سعيد فَقلت لَهُ إِن بني أُميَّة يَزْعمُونَ أَن الْخلَافَة فيهم قَالَ كذب بَنو الزَّرْقَاء هم مُلُوك من شَرّ الْمُلُوك
وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعرف الْمشَاع من صدر الْإِسْلَام وهلم جرا إِطْلَاق اسْم الْخَلِيفَة على كل (5 ب) من قَامَ بِأَمْر الْمُسلمين الْقيام الْعَام على مَا تقدم إِمَّا بِبيعِهِ من أهل الْحل وَالْعقد وَإِمَّا بِعَهْد مِمَّن قبله على مَا سَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى إِلَّا أَن بعض السّلف قد خصص ذَلِك بِمَا إِذا كَانَ الإِمَام جَارِيا على منهاج الْعدْل وَطَرِيق الْحق فقد روى أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه سَأَلَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر وكعبا وسلمان عَن الْفرق بَين الْخَلِيفَة وَالْملك فَقَالَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر لَا ندرى فَقَالَ سلمَان الْخَلِيفَة الَّذِي يعدل فِي الرّعية وَيقسم بَينهم بِالسَّوِيَّةِ ويشفق عَلَيْهِم شَفَقَة الرجل على أَهله وَالْوَالِد على وَلَده وَيقْضى بَينهم بِكِتَاب الله تَعَالَى فَقَالَ كَعْب مَا كنت
أَحسب أَن فِي هَذَا الْمجْلس من يفرق بَين الْخَلِيفَة الْملك وَلَكِن الله تَعَالَى ألهم سلمَان حكما وعلما وعَلى ذَلِك يحمل مَا روى أَن أَعْرَابِيًا قَالَ لأبي بكر رضي الله عنه أَنْت خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَنهُ وَسلم قَالَ لَا قَالَ فَمَا أَنْت قَالَ أَنا الخالفة بعده قَالَ ابْن الْأَثِير قَالَ ذَلِك تواضعا وهضما من نَفسه حِين قَالَ لَهُ أَنْت خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَنهُ وَسلم أَي أَن الْخَلِيفَة هُوَ الَّذِي يقوم مقَام الذَّاهِب ويسد مسده والخالفة هُوَ الَّذِي يقوم مقَام الذَّاهِب ويسد مسده والخالفة هُوَ الَّذِي لَا غناء عِنْده وَلَا خير فِيهِ على أَن البغوى قَالَ فِي شرح السّنة إِنَّه يُسمى خَليفَة وَإِن كَانَ مُخَالفا لسيرة أهل الْعدْل
وَأما من تكون عَنهُ الْخلَافَة فللعلماء فِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب
الْمَذْهَب الأول أَن الْخلَافَة تكون عَن الله تَعَالَى فَيُقَال فِي الْخَلِيفَة خَليفَة الله وَهُوَ مَا حَكَاهُ الماوردى فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة عَن بَعضهم لقِيَامه بحقوقه
تَعَالَى فِي خلقه احتجاجا بقوله تَعَالَى {وَهُوَ الَّذِي جعلكُمْ خلائف الأَرْض} ثمَّ قَالَ وَامْتنع جُمْهُور الْفُقَهَاء من ذَلِك زنسبوا قَائِله إِلَى التَّجَوُّز محتجين بِأَنَّهُ إِنَّمَا (16) يسْتَخْلف من يغيب أَو يَمُوت وَذكر الشَّيْخ مُحي الدّين النووى رحمه الله فِي كِتَابه الْأَذْكَار نَحوه وَقَالَ يَنْبَغِي أَن لَا يُقَال للقائم بِأَمْر الْمُسلمين خَليفَة الله وَيُؤَيّد ذَلِك مَا حُكيَ أَنه قيل لأبي بكر الصّديق رضي الله عنه يَا خَليفَة الله فَقَالَ لست بخليفة الله وَلَكِنِّي خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَنهُ وَسلم وَقَالَ رجل لعمر بن عبد الْعَزِيز يَا خَليفَة الله فَقَالَ وَيلك لقد تناولت متناولا بَعيدا إِن أُمِّي سمتني عمر فَلَو دعوتني بِهَذَا الِاسْم قبلت ثمَّ وليتموني أُمُوركُم فسميتموني أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَو دعوتني بذلك كَفاك وَأَجَازَ البغوى ذَلِك فِي حق آدم وَدَاوُد عليهما السلام دون غَيرهمَا محتجا
بقوله تَعَالَى فِي حق آدم {إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة} وَبِقَوْلِهِ فِي حق دَاوُد {يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض} قَالَ وَلَا يُسمى أحد خَليفَة الله بعدهمَا
وَأَجَازَ الزمخشريفي تَفْسِيره ذَلِك فِي سَائِر الْأَنْبِيَاء عليهم السلام
الْمَذْهَب الثَّانِي أَن الْخلَافَة تكون عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَيُقَال فِيهِ خَليفَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لِأَنَّهُ خَلفه فِي أمته وَعَلِيهِ ينطبق كَلَام الماوردى فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة والنحاس فِي صناعَة الْكتاب وعَلى ذَلِك خُوطِبَ أَبُو بكر رضي الله عنه بخليفة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَقد تقدم فِي الْمَذْهَب الأول انه لما قيل لَهُ يَا خَليفَة الله قَالَ لست بخليفة الله وَلَكِنِّي خَليفَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وعَلى ذَلِك ينطبق كَلَام البغوى فِي شرح السّنة