الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما حوته مطاوي اللفظ من أسرار وما فيها من انتشار وامتداد لا تراها في غير هذه اللغة الشريفة، حتى لا يكاد يحيط بمدلول معانيها، وإدراك مطالبها من لم يألف مذاهبهم؟! نعم
…
العرب تتلطف بعذوبة ألفاظها لقضاء حوائجها، لأنها تتعامل مع نفوس بشرية تهدف إلى إثارة كوامن الخير فيها.
* * *
قَالَ تَعَالَى:
(هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا
يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) (1).
(عن) بمعنى (على) كما يرى السيوطي والموزعي.
أما أبو حيان: فيرى أن بخل يتعدى بـ (على) وعن وكأنما إذا عُدي بـ عن ضُمن معنى الإمساك، وكذلك الزمخشري: بخل عليه وعنه، ومثله ضننت.
وأورد الجمل: ما أورده أبو السعود والسمين: بخل وضن يتعديان بـ على تارة وبـ عن أخرى، والأجود أن يكونا حال تعديهما بـ (عَنْ) مضمنين معنى الإمساك.
أما صديق حسن خان فقال: الأجود في تعديهما بـ (عَنْ) مضمنتين معنى
الإمساك وأمسك يتعدى بـ (عَنْ) كما في الحديث الشريف.
أقول: البخل يكون بالمال إذا منع العبد حق اللَّه فيه. وحين دُعي المسلمون للبذل في سبيل اللَّه ونصرة الدين وجهاد العدو، أمسك البعض عن البذل. فالآية ترسم صورة لواقع الجماعة المسلمة في البذل والشح. فالأشحاء يمسكون عن الإنفاق لنصرة الدين وحماية العرض والذود عن الذمار. إنهم يمسكون عن أنفسهم ويحرمونها بأيديهم فـ (عن) هنا أدت دورا في تصوير هذا المعنى ما كانت لتؤديه (على) لأن معنى الإمساك إنما أوحت به (عن) وشهدت بفضل سفور مراده الآية ترسم صورة لواقع الجماعة المسلمة مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فمنهم من يبخل وهذا يعني أن هناك من لا يبخل، وقد سجل القرآن خوارق في البذل حين جاد الصديق بكل ما يملك. وما يبذله المؤمن في نصرة دينه إنما هو رصيد له حين يُحشر الناس حفاة عراة ليس لهم إلا هذا الرصيد. وما ينفقه المؤمن إنما هو من مال اللَّه ومن فضله، واللَّه يسترد هبته إذا شاء، ويستبدل من شاء لهذا الفضل (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ). واللَّه قدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس لخطره فقال:(انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) أما (على) فقد جاءت في سياق الحرص على الزوجة (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ) لإفادة معنى عدم التخلي عنها، وفي إمساك المطر أي انقطاعه، والإمساك عن التلبية أي التوقف عنها، والإمساك عن الكلام أي
السكوت. والإمساك هو المنع عموماً (وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ). وهكذا فاللفظ قبل دخوله في النظم يختلف عن معناه بعد دخوله في التأليف وملاءمته لجيرانه ومؤانسته لإخوانه، وللحروف التي تعدى بها، فدخوله في النظم يُفَتق عن أكمامه ليجني قطوف ثماره.
إنه التضمين
…
وإنه زهر الخزامى والندى والياسمين.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)(2).
قال العز بن عبد السلام: ضمن تبدي معنى تصرح فعدي بالباء وكذلك الزمخشري، ومثله الجمل وأورد قول السمين: الباء زائدة وقيل: سببية، والمفعول محذوف أي القول. وقال الزركشي: ضمن لتبدي به معنى تخبر به أو لتعلن، ليفيد الإظهار معنى الإخبار لأن الخبر قد يقع سراً غير ظاهر، ومثله ابن قيم الجوزية.
أقول: إن أمرها بدا في ملامح وجهها وفي سرعة إقبالها عليه، وعرض نفسها لإرضاعه؛ ولكن بُدوها بدون الجهر به لا برهان لهم عليها ولا دليل، فالبُدو: ما كان بغير قصد، نقول: بدا الصبح وبدت الشمس وبدا لي في الأمر شيء، والجهر يقتضي رفع الصوت لإظهار المراد عن قصد، ثم جاء متعديا بالباء لتبدي به وهو يتعدى بنفسه (تبديه) لماذا؟ ليتضمن معنى التصريح
والجهر والمتعدي بالباء. وحتى التضمين جاء في سياق الاحتراز بفعل المقاربة (كادت) ثم (لولا) امتناع لوجود، فلولا أن اللَّه ربط على قلبها بالصبر لجهرت به وصرحت بل كادت
…
ولكن اللَّه ربط لسانها وكأنما كان قلبها على لسانها فربطه ربنا بالصبر. فهل تكون الباء زائدة وهي التي كشفت هذه اللطيفة من وراء التضمين؟ فلا تأنس لأول خاطر يبدو لك قبل إحكامه وإنعام النظر فيه، وتفظن لهذه الحروف إذا دُفعت في مسالكها لتُريك من أسرار الفروق بين أفعالها المتعدية بها في كتاب الله ما تُسفم لعظمة الصنعة فيه مما يملأ الطرف ويعجز عنه الوصف.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (2).
جاء في مفردات الراغب: البطر: دَهَش يعتري الإنسان من سوء احتمال الندمة وقلة القيام بحقها، وصرفها إلى غير وجهها (معيشتها) منصوب على التمييز عند الكوفيين، أو مشبه بالمفعول عند بعضهم، أو مفعول به على تضمين بطرت معنى فعل متعدٍ أي (خسرت معيشتها)، على مذهب أكثر البصريين، أو على إسقاط (في) على مذهب الأخفش، أو على الظرف على
تقدير: أيام معيشتها كقولك: جئتك خفوقَ النجم على قول الزجاج، هذا ما يراه أبو حيان أما الزمخشري فقال:(معيشتها) إما بحذف الجار وإيصال الفعل كقوله سبحانه (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) وإما عدى الظرف: زيد ظني مقيم؛ أو بتقدير حذف الزمان المضاف وأصله بطرت أيام معيشتها. وإما بتضمين بطرت معنى كفرت وغمطت. وقيل البطر: سوء احتمال الغنى وهو ألا يحفظ حق اللَّه فيه.
أقول: من النواميس التي لا تتخلف أن الترف مدعاة للفسق (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا). والتضمين أولى من إسقاط حرف الجر أو النصب على الظرفية أو حذف مضاف، لأنه أشيع وأسير لامتداد معناه في المضمن والمضمن فيه، وهو أحسن من معنى فذ.
وتضمين (بطرت) معنى (غوت وأترفت) وكلاهما متعدٍ أسفرُ لوجه المعنى من خسرت أو كفرت كما جاء في الكشاف فالغواية والترف هما ما يُظاهر السياق على تصويرهما في هذه الآية والآيات اللاحقة من أجل التوقّي من فواقرهما المُبيرة، ولسلامة المجتمع المسلم من شرّهما، فهما سبب هلاك القرى التي يرونها شاخصة تروي مصارع أهلها الداثرين، خاوية تحكي قصة البطرين المترفين، لم تُسكَن من بعدهم، فلْيحذر المسلمون من كفر النعم ونزول النقم. ولو سأل سائل: لم آثر التعبير القرآني الفعل اللازم على الفعل المتعدي؟ لقلت: لو جاء التعبير بالغواية لضاع علينا سببها، فقد يكون
إبليس، أو الهوى، أو الجهل أو الترف والبطر ..... أما إيثاره البطر فقد دل على أن سبب الهلاك كان هو الترف والبطر وحسب، فَصرْف النعمة إلى غير وجهها وعدم القيام بحقها جعل الغواية من نتائجه، فجمع التضمين المعنيين على وجه مُستطاب، وأسلوب مُستملَح.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا)(1).
جوز الزمخشري نصب (مقاما) على الظرف، على تضمين يبعثك معنى يُقيمك ومثله حكاه الزركشي، وأبو حيان. وقال الجمل:(مقاما) يجوز أن يكون مفعولا به ليبعثك على تضمنه معنى (يعطيك) أو على تضمين الفعل المذكور ذلك أي عسى أن يبعثك فيقيمك مقاما أي في مقام أو يقيمك في مقام محمود باعثا، وهو مصدر من غير لفظ الفعل لأن: نبعث بمعنى نقيم. تقول: أقيم من قبره وبُعث من قبره.
أقول: ولعل الأنهضَ بالمراد والأضوغ في الدلالة تضمينه معنى (منح) فالتهجد مِنْحة ربانية، عسى أن يمنحك به ربك المقام المحمود، مقام الشفاعة، يُعليك ويرفعك بها. ولو سألت لم جاء بلفظ البعث إن كان المراد منح الرفعة والعلو؟ لقلت: قد ينصرف العلو إلى الدنيا فاللَّه أعطاه مكانة في