الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ تَعَالَى:
(قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ)
(1). (ترك) لا يتعدى بـ (عَنْ)، فذهب أكثر المفسرين - كالزمخشري وأبي السعود - إلى تعليق الصلة بحال محذوفة وقدروها (صادرين) وضمنها بعضهم (معرضين) وذكر السيوطى، والجمل: أن (عن) بمعنى (اللام) وتبعهم في ذلك الآلوسي فقال: عن قولك: بسبب قولك المجرد عن البينة، فعن للتعليل كما في قوله تعالى:(إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ) وإليه أشار ابن عطية في المحرر الوجيز.
أقول: واللجوء إلى التقدير فيه استثقال لنفور الحس عنه، سواء كان التقدير صادرين أو معرضين أو غير ذلك وتضمين (عن) معنى (الباء) أو اللام غير محتفل به. ولعل التضمين في الفعل ينجينا من المسلك الوعر. وتضمين (ترك) معنى (نحّى) ئؤدي الغرض، وينسجم مع السياق، ويذهب في استحسانه. فما نحن بمنحّي آلهتنا عن زعمك الذي زعمت في توحيد الربوبية والألوهية، ولا بمخالفيها عما أفصح به لسانك فكيف بتركها؟!
نعم ترك عبادتها بعيد كل البعد عن تصورهم لأسباب:
منها: قولهم: (وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ).
ومنها: أنها عندهم في مجال التقديس، ولذلك أصابت هوداً بالمس والجنون لأنه تعرض لها بسوء كما زعموا.
ومنها: أن الذي يصدر عن قولك يكون معجبا برأيك، محترِمًا لك، أما هؤلاء فيسخرون.
تنحيتها إذاً أمرٌ محتمل إن أتيتهم ببينة، وليس مع هود معجزة ولا بينة حسية وما جاءت (عن) إلا لتجمع التنحية والترك معا تحت إطار التضمين لتكشف عن خبيئة نفوسهم، واجتلاء المدخل إلى قلوبهم، فالانحراف والمخالفة والحيدان والزيغان والتنحية عن تقديسها غير مريح فكيف بتركها.
لقد عتَوْا عن أمر ربهم واختاروا الوثنية على التوحيد والدينونة لأصنام بشرية أو حجرية على الدينونة لله وحده، وكذبوا هودا وسخروا منه، فما هم بخارجين عن تقديسها لمجرد أقواله.
فأْبَه لحروف المعاني ولا تجفُ عليها لتكشف لك عن سرها، سائغا مأنوساً مُتقبَّلاً.
* * *