الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يرجون له الوقار في طرح السؤال: ماذا أراد اللَّه
…
باشتمال علمه على المصلحة أو المفسدة كما قال الحسن البصري ويأتي الجواب صاعقة على رؤوسهم: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا). وكالندى على قلوب المؤمنين: (وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا).
وما كنا لنقف على هذه اللطائف السنية لولا التضمين، يزيل اللبس ويهدي السبيل، لائح كالنجم لا يغيب عن رائيه.
* * *
قَالَ تَعَالَى:
(يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ)
.
ذكر ابن هشام: فقد ضمن (يُحْمَى) معنى (يوقد)(فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ).
وقال الجمل: أحميتها أي أوقدت عليها لتحمى.
وتساءل الزمخشري قائلا: فإن قلت هلا قيل: تحمى؟ قلت: إن النار يحمى عليها. أي يوقد، ذات حمى وحر شديد، ولو قيل: يوم تحمى لم يعط هذا المعنى. فإن قلت: فإذا كان الإحماء للنار لم ذكر الفعل؟ قلت: لأنه مسند إلى الجار والمجرور أصله يوم تحمى النار عليها فلما حذفت النار قيل: يحمى عليها لانتقال الإسناد عن النار إلى عليها كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير. فإن لم تذكر القصة قلت: رفع إلى الأمير، وقرأ ابن عامر بالتاء (تحمى) أ. هـ.
وجعل الآلوسي: الإحماء للنار مبالغة لأن النار في نفسها ذات حمى، فإذا وصفت بأنها تحمى دل على شدة توقدها ثم حذفت النار، وحول الإسناد إلى الجار والمجرور تنبيها على المقصود بأتم وجه.
وذهب الراغب: إلى أن الحمى: الحرارة المتولدة من الجواهر المحمية كالنار والشمس في نار حامية أي حارة. لم خص الذهب والفضة بالذكر؟
أقول: لا قيمة اليوم للأوراق النقدية في العملة المحلية لأي بلد إن لم يكن لها رصيد ذهبي فلا أقول أحميت على الفضة وإنما أقول أحميت الفضة فما اللطيفة فيها؟ أقول: المقصود أن يحمى على النار هذا الرصيد وأن يوقد على الأموال - من ذهب وفضة - نار ذات حمى وحر شديد لماذا؟ لتكوى بها جباههم ثم ماذا؟ ثم جنوبهم وأخيرا ظهورهم لأنهم بخلوا عن تجهيز الجند، وتلك اللطائف ذات الشفافية من المعاني الروحانية في هذه اللغة. هذا رجل من أهل الصفة من الصحابة حين مات وجدوا في ثيابه دينارا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه كية من النار، كما وجدوا في إزار آخر دينارين فقال صلوات اللَّه عليه: هاتان كيتان.
ها هي عملية إحماء الذهب والفضة قد تمت بعد أن أوقد عليها، ليبدأ بعدها العذاب الأليم للذين يكنزونها، ولا يُؤدُّون زكاتها.
فلذة الكنز تنتهي إلى (فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ). وتبدأ بعدها عملية التذوق: بكي الجباه
…
ثم كي الجُنوب
…
وأخيرا كي الظهور، فإذا انتهى عذاب الجسد جاء بعده الترذيل والتأنيب.
وصورة لمصائر مَنْ تَهيَّب من لقاء الروم في الحر الشديد، ومن بخِلَ في النفقة لتجهيز جش العسرة.
فعل (حمي) لا يتعدى بـ (على) نقول: حميت الذهب أو سواه، فتضمين الإحماء هنا معنى الإيقاد فتعدى تعديته، قَالَ تَعَالَى:(فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ) لماذا جاء الإحماء إذاً بدل الإلقاد لأن الإيقاد وسيلة الإحماء وأداته. والقرآن يتميز بإيجازه، فقد جمعت الآية كلا المعنيين الإيقاد والإحماء عن طريق الحرف (على) حين دخل على فعل لا يتعدى به، فتنبَّه لأمثاله لتظفر بمتناهٍ في حسنه وتجني ثمرة معناه.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(1)
ذكر الزركشي: أخبتوا ضمن معنى (أنابوا) فعدي تعديته. وزاد عليه العز بن عبد السلام فقال: أخبتوا: تضمن معنى أنابوا وتابوا ليفيد أنه جمع بين التوبة والتواضع. أما الزمخشري: فقد أفاد أن أخبتوا يعنى اطمأنوا وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع والتواضع، من الخبت: الأرض المطمئنة ومنه
قولهم للشيء الدنيّ: الخبيت.
ينفع الطيب القليل من الرزق
…
ولا ينفع الكثير الخبيت
التاء بدل الثاء، وذهب الآلوسي: إلى أن أصل الإخبات نزول الخبت وهو المنخفض من الأرض ثم أطلق على اطمئنان النفس والخشوع تشبيها للمعقول بالمحسوس ثم صار حقيقة فيه ومنه الخبيت الدني.
ونقل القرطبي عن ابن عباس: أخبتوا: أنابوا، وعن قتادة: خشعوا
وخضعوا، وعن مقاتل: أخلصوا، وعن الحسن: الخشوع للمخافة الثابتة في القلب.
وقال الجمل: فإذا قلت: أخبت فلان إلى كذا فمعناه اطمأن إليه.
وإذا قلت: أخبت له فمعناه خضع وخشع.
أقول: الإخبات: الخشوع (متعدٍ باللام) - السياق يعرض صورة لصفة من صفات أصحاب الجنة وفي مشهد من مشاهد القيامة: الذين أخبتوا إلى ربهم. والإخبات يتعدى باللام فعداه ربنا بـ (إلى) ليتضمن معنى الركون والتواضع والاطمئنان من غير تشك ولا قلق، بل مع هدوء نفس وسكون قلب، وأمنٍ واستقرار، ورضىً وتسليمٍ لكل ما يأتي به الله. فقد جمع التضمين إلى المحسوس - وهو المنخفض من الأرض المطمئنة - كل المعاني النفسية التي ذكرتها فاستولى بذلك على الفضل وحاز بحسن الصنعة: الرياسة والنُّبل، وهذا من عناية العرب بألفاظها، وتَسانُدِها إلى سليقتها. ولو قال: أخبتوا لربهم لما خرج الفعل عن معنى الخضوع ولجفّ الثرى ويبس ما كان مخضرا.
وهذه من وظائف التصوير الفني الذي يغلب على أسلوب كتاب اللَّه الكريم في تعبيره المعجز حين جمع التضمين إلى المحسوس: المعقول والمدرك، فنال روعة الفن، واستدعى إعجاز البيان.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)(1).
ذكر ابن جني: شبه الجملة إذا متعلق بمحذوف لأنه حال من
الضمير. فهو لا يجيز تعليقه بفعل خرج. وخرج يتعدى بـ (مِن): (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا) تضمن معنى انسل.
(يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ) تضمن معنى برز.
ويتعدى بالباء: خرج به أي أخرجه - فتضمن اللازم معنى المتعدي.
ويتعدى بـ (عَنْ): خرج عن حقه لأخيه - تضمن معنى تنازل.
ويتعدى بـ (على): خرج عليه - تضمن معنى نبذ طاعته.
أقول: وهنا تعدى بـ (على) ولكنه تضمن معنى (ظهر) و (تطاول) و
…
مشهد يتطاول فيه البغي معرضا عن النصح، مصرا على الفساد، مغترا بماله، متعاليا في زينته. مشهد يتشهاه المحرومون والمبهورون والمأخذون بحب الدنيا وفتنتها وزينتها، وأما (في زينته) فمتعلقة بحال محذوفة (متعاليا) كما رأيت
ويستعلى آخرون بإيمانهم على المنصب والجاه والمال والزينة (وَقَالَ