الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإذا بها ذَوْب روح يتندى من الرفيق الأعلى، فجمع التضمين المعجزتين: آية القدرة في العودة مع آية الإبدل في الخروج في لحظة واحدة ليكشف عن حقائق التأويل في أسرار التنزيل في الموكب الممتد في شعاب الزمن. وكذلك كبراء قريش كعاقبة فرعون يستقبلون القرآن مستيقنين أنه الحق، ولكنهم يجحدونه، لأنهم يحسون بالخطر على وجودهم ومصالحهم.
* * *
قَالَ تَعَالَى:
(إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعً
ا) (1)
يسأل الزمخشري: فإن قلت: ما معنى الخرور للذقن؟ قلت: السقوط على الوجه. قال: فما معنى اللام في خرَّ لذقنه ولوجهه؟ قلت جعل وجهه وذقنه للخرور واختصه به؛ لأن اللام للاختصاص. ويرى أبو حيان: وضع الجبهة على الأرض غاية الخرور ونهاية الخضوع وأول ما يلقى الأرض
حالة السجود الذقن أو عبر عن الوجوه بالأذقان كما يعبر عن كل شي ببعض ما يلاقيه. ويرى الطبرسي: أن اللام بمعنى (على) نقلا عن ابن عباس وقتادة. وذكر الزركشي: أنها بمعنى (على). وذكر الجمل: للأذقان: أي الوجوه، واللام بمعنى (على) أو على بابها متعلقة بـ يخرون بمعنى (يذلون) وخصت الأذقان بالذكر لأن الذقن أول جزء من الوجه يقرب الأرض. وذكر الموزعي: اللام بمعنى (على).
أقول: وفي جو من الخشوع وفي حالة من الشعور ممن أوتوا العلم وهم يسمعون تلاوة من كتاب اللَّه المبين، لا يملكون معه أنفسهم فيذلون ويخضعون يخرون للأذقان سجدا. لا يسجدون وإنما يخرون سجدا. وتقصر الألسنة عن تصوير المشاعر وتضيق الألفاظ عن وصفها فتشاركها العيون المليئة بالدمع معبرة عما تكنه الصدور، وألسنتهم تلهج بالتسبيح، يخرون للأذقان يبكون ويزيدهم هذا الحال خضوعاً وذلة وخشوعاً فوق خشوع اللب والقلب. وفي إطار هذه الحالات الشعورية الغامرة تختلط المشاعر فتختلط معها الحواس.
واختيار اللام جاء لخدمة تصوير المشهد حين تضمن (يخرون للأذقان) معنى (يذلون ويخضعون) فما كان سجودهم عن وعي كامل منهم، فهم لا يسجدون وإنما يخرون للأذقان سجدا، وسرعة السقوط هذه تتفق مع سرعة النطق باللام المكسورة، ولا تتأتى لـ (على) في ثلاثة حروف آخرها مدّ يمتد فيه النفس، وغاية الخرور: السرعة لتحقيق معنى العبودية في لباس التذلل والخضوع، وفي تصاقب الخرور مع البكاء يخرون، يبكون، وتداني حالَيْهما يجعل (اللام) أظهر من (على) في سفور المعنى، وأنوه لبيان المقام، ألا ترى أن هذا المقام يقل معه الكلام ويحذف فيه أحناء المقال! إن في جِرس هذه الحروف وخفقات إيقاعها السارب في النفس دلالات على تركيبها المعجز في النظم. إنه التضمين وهذه ثمراته.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ)(1).
ولا تدْعُني في شأن قومك، واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك، فقد ضمن (خاطب) معنى (دعا) حكاه الزمخشري. وضمنه الآلوسي (راجع) فقال: لا تراجعني فيهم ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم، وفيه من المبالغة ما ليس فيما لو قيل ولا تدعني فيهم، وأكد التعليل (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) فلا سبيل إلى كفه.
أقول: انتهى الإنذار، وانتهى وقت الجدل، فلا تحفل ولا تبتئس فقد تقرر مصيرهم وانتهى الأمر فيهم، ولعل تضمين (خاطب) معنى (آمر أو راجع): لا تراجعني فيهم، ولا تؤامري فيهم، أقيس لتعدّيه بالباء ويشهد السياق على صحته فنهيهُ عن مؤامرته في أمر الظالمين يقطع الطريق في استدفاع العذاب عنهم، والالتماس في شأنهم.
واختيار الحكيم سبحانه لفظ (خاطب) دون سواه ليكون أعم وأشمل وليقطع لسان كل متحدث في شأنهم، سواء كان مراجعا أو مُؤامرا، أو داعيا، أو شافعا، أو ملتمسا، أو
…
ويبقى التضمين مصدر إغناء للمعنى وإثراء فاشددْ عليه يدك للأَنسَة التي فيه، فهو كثير التَّوْق إلى جمع اللطائف، قوي المُنة في البحث عنها.
* قد ناق في المجد ذويه *
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1).
قال أبو السعود: يأتي الفعل لازما أو متعديا: اللازم متضمن معنى انفرد والمتعدي أفرد. فالفعل متعد وصيغة الافتعال للإنباء عن الاصطفاء، والفعل لازم و (مَن) فاعله، والضمير العائد إلى (مَن) محذوف مقدر أي ينفرد برحمته من يشاء. وقال الجمل: يستعمل متعدياً ولازماً فعلى الأول يخص وعلى الثاني يتميّز.
وذكر أبو حيان: يحتمل أن يكون يختص لازما أي على تضمين ينفرد أو متعديا على تضمين يُفرد.
أقول: السياق يُلوح بتعدي الفعل لما اختص اللَّه به محمداً صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من فضله واصطفاهم لعلمه بأنهم أهل هذه الخصوصية وهذا الفضل، وأفردهم برحمة منه ليكونوا على حذر من أضاليل يهود، وما يُخفونه من حقد دفين على المؤمنين حسدا على ما اختاره الله لهم من تحويل القبلة من بيت المقدس - قبلة اليهود ومُصلَّاهم - إلى البيت الحرام.
ولو ضمنا (اختص) معنى (انفرد وفاز) على اللزوم لكان المعنى: ومن شاء من العباد أن ينفرد برحمة ذي الفضل العظيم فليس أعظم من هذه النعمة، نعمة الإسلام.
وفي هذا التوجيه ما يستجيش في حس العبد وقلبه الشعور بعظيم فضل الله، وجزيل إحسانه أن يترك له باب الاختيار مفتوحا ليلجه متى شاء، ومن شاء ممن رضي باللَّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا.
وحين يشي السياق بتعدد فُهومه، فقد دل على عُلو قدره وسَنا مرتبته:
به فنون المعاني قد جُمعن فما
…
تفتر من عجب إلا إلى عجب
وتلك اللطائف الخفية في هذه اللغة الشريفة، تملأ الطرف ويعجز عنها الوصف أسْفَرَ عن محاسن وجهها التضمين في الكتاب المبين، فاستروح إليه وتعقل به كلما تاقت نفسك له أو مسّتْك الحاجة إليه.
* * *