الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنه يفلت من العقوبة - أن يسبقونا؟! - فكما أن الابتلاء سنة لامتحان الصادق والكاذب، كذلك أخذ المسيء بإساءته سنة لا تتخلف لامتحان القلوب، وتمحيص الصفوف، ففي الحديث قال عليه الصلاة والسلام:" أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء ". ويستكمل المعنى بالصورة الندية للقلوب المؤمنة، صورة الراجي المشتاق إلى لقاء اللَّه بأنه السميع وأنه العليم.
* * *
قَالَ تَعَالَى:
(إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا)
(2). قال الطبري: اللام بمعنى إلى أي فإساءتها راجعة إليها ومثل ذلك قال الزركشي.
وعند الزمخشري: أنها للاختصاص، فالإحسان والإساءة مختص بأنفسكم لا يتعداه إلى غيركم.
وتعقبه الآلوسي: بأنه مخالف لما في الآثار من تعدي ضرر الإساءة إلى غير المذنب، اللهم إلا أن يقال: إن ضرر بني إسرائيل لم يتعدَّهم، وفيه تكلف لأن الثواب والعقاب الأخرويين لا يتعديان وهما المراد هنا. وقيل: اللام للنفع كالأولى ولكن على سبيل التهكم ولذا قيل: إن تكرير الإحسان
إشارة تغليبية. وجاء عن علي كرم اللَّه وجهه أنه قال: ما أحسنت إلى أحد ولا أسات إليه، وتلا هذه الآية.
وذكر الجمل وأبو حيان: أن (لها) بمعنى (عليها).
أقول: أحسن يتعدى بـ (إلى) فإذا تعدى بغيرها فيحمل على التضمين ولا أرى وجها لتناوب الحروف (اللام) بمعنى (إلى) أو (على) أو الاختصاص أو الاستحقاق أو
…
فلنا منجاة من هذه المخاضة بتضمين (أحسن) معنى (قَدَّمَ) من قدم من خير وإحسان فلنفسه يرتد إحسانه، ومن (أساء) أي ومن (جرم) فلنفسه من السيئات يرتد جرْمُه، ويُحمل نفسه ما لا تطيق مما يثقلها ويتدافع بها.
فالآية تقرر قاعدة ثابتة لا تتغير على مر العصور، قاعدة جزاء العمل - كل فرد مسؤول عن نفسه - له ثمار عمله أحسن أو أساء إن قدمتم قدّمتم لأنفسكم من إحسان. أو جرمتم من شر فلأنفسكم، وسنة اللَّه ماضية في خلقه لا تتخلف.
ويبقى التضمين مصدر إثراء لهذه اللغة الشريفة تسري أحكامها في أحنائه وحواشيه على سعة أبعاده ومداليله.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ)(1).
ذكر القرطبي: ويجوز أن يكون (خلقه) مفعولا ثانياً لـ أحسن على تضمينه معنى (أعطى) وذكر الآلوسي: وقيل هو مفعول ثان لأحسن على تضمينه معنى أعطى. أعطى سبحانه كل شيء خلقه اللائق به بطريق الإحسان والتفضل. وقيل: (خلْقه) المفعول الأول، (وكل شيء) المفعول الثاني على تضمين الإحسان معنى الإلهام كما قال الفراء، أو التعريف كما قاله أبو البقاء والمعنى ألهم أو عرَّف خلقه كل شيء مما يحتاجون إليه فيؤول إلى قوله تعالى:(أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) واختار أبو علي في الحجة ما ذكره سيبويه في الكتاب أنه مفعول مطلق لـ أحسن من معناه. وفي الجلالين: بفتح اللام (خلقه) فعل ماض: صفة وبسكونها (خلْقه) بدل اشتمال.
أقول: في ظل مشهد النشأة الأولى نلمح هذا الفيض من الفضل العظيم الذي أودع كل شيء خصائصه وصفاته ووظائفه واستعداداته. من الذرة إلى أكبر الأجرام، ومن الخلية إلى أعقد الأجسام، يتجلى الإحسان والإنعام. كل شيء في هذا الوجود مزود بخصائص تؤهله لأداء دروه من إنسان أو حيوان أو فَلَك سابح في الكائنات، متقن الصنع، بديع التكوين، باد فيه الإحسان والإتقان، وما منحه من التناسق والكمال. وها نحن نتملَّى آيات الإحسان والإتقان في كل ما نبصر ونسمع ونحس وندرك في رحلتنا على هذا الكوكب من جمال الصانع الحكيم فيما صنع وأباع ومنح.
إن عنصر الإحسان مقصود في هذه الآية ليتضمن (ما وهب ومنح) من