الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ تَعَالَى:
(وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ)
(1).
قال السيوطي: أي في حين غفلة ضمن (دخل) معنى (سلك) قال تعالى: (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) وقال (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) قال الموزعي وابن عقيل وكذلك الأشموني والزركشي والأزهري وابن هشام والفراء والسيوطي: (على) بمعنى (في). وذكر الجمل: قوله على حين غفلة حالا من الفاعل أي مختلساً أو من المفعول. أ. هـ.
كرخي. وقال الآلوسي: فالظاهر أن (على) بمعنى (في) قال الأعشى:
- وصل على حين العشيات والضحى
…
ولا تحمد الشيطان واللَّه فاحمدا -
وقال الرازي: ودخلها يوما على حين غفلة من أهلها والأكثر وقت القيلولة في منتصف النهار.
أقول: وهكذا يلجؤون إلى تضمين الحروف (على حين) بمعنى (في حين) ولو رجعنا إلى السياق في مورد الحرف لآنسَنا في الدلالة على معناه وأرشدنا إلى سر اختياره، لقد دخل موسى عليه السلام المدينة يتحين الغفلات من أهلها كي لا يشعر بدخوله أحد، فولوجه على ترقب، متحيناً
غفلة أهلها (فالدخول) تضمن معنى (الحلول والولوج) والمتعدي بـ (على) وهاهو زكريا عليه السلام يدخل المحراب (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا) فدخوله بـ (على): دخول تفقد وتلطف وتشرف فتضمن معنى (الفتح) وهاهم إخوة يوسف يدخلون عليه: (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ) و (فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ) فدخولهم بـ (على) دخول استرحام واستعطاف ومسغبة فتضمن معنى (استفتح وطلب النعمة) وهاهي الملائكة تدخل على إبراهيم عليه السلام: (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا) فدخولهم عليه دخول تسليم وإقبال يبشرونه بغلام فتضمن معنى (إقبال وترحيب) ودخولهم على داود عليه السلام: (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ) كان دخول مفاجأة فتضمن معنى (هجم) عن طريق التمثيل في صورة خصمين بغى أحدهما على الآخر. وهاهي الملائكة تدخل على المؤمنين في جنات النعيم (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ) فدخولهم عليهم دخول تبريك وتهنئة وترحيب وتسليم فهل نَحمِل معنى حرف على حرف كما
فعل أصحاب التناوب إن اعتاص علينا معنى من معانيها وأحْزَن؟!.
فلنعط لكل سياق حقه ومستحقه إن تأملته أعطاك مقادته، وإن تناكرته حرمت نفسك فائدته وسددت عليها باب الحظوة به. ويبقى الفعل مع حرفه المتعدي به (دخل على) في التضمين كالطاووس مَن أبطله من النحاة والمفسرين بحجة التعاور والتناوب في الحروف فقد حَصَّ ذَيْله فضاع أجمل ما فيه.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) (1)
ما تدعون إليه: ما تدعون إلى كشفه ذكره الزمخشري، وقال أبو حيان: دعا يتعدى إلى مفعول به دون حرت جر. قَالَ تَعَالَى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) وقال: (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ) ولا تقول: دعوت إلى اللَّه بمعنى دعوت اللَّه إلا بدعوى تضمين، ضمن يدعون معنى يلجؤون، كأنه قيل: فيكشف ما يلجؤون فيه بالدعاء إلى الله.
أقول: يواجه السياق في هذه الآيات الفطرة حين تواجه الهول فيهزها ويوقظها - فتتعرى من كل رُكام، وتتجه في قرارتها إلى بارئها وحده تسأله النجاة (أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ) بحرف الإضراب، بل وبتقديم إياه لإفادة الحصر والقصر إنه جواب الفطرة وإن لم ينطق بها اللسان نسيت ما اذعته من الآلهة المزيفة (وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) إنه
موقف الفطرة عند رؤية العذاب، إن معرفة الفطرة بربها هو حقيقتها التي فطرها بارئها عليها، وألوان الشرك طارئ عليها، بل وركام يَرين عليها، فإذا واجهت الهول الهائل تساقطت عنها القشور وتمزقت ثياب الزور. وقد تزول بصيحة حق تزلزلها، ولن يخلو كل عصر من مجدد يطلق هذه الصيحة على مر العصور.
أفصحت الفاء عن الحقيقة وأن الكاشف هو اللَّه الذي تتوسلون إليه وتطلبون، فيكشف بعضه أو جميعه (إن شاء) وَفْق حكمته وتقديره، أو لم يستجب حسب علمه وتدبيره. فتضمن الدعاء معنى الضراعة والوسيلة.
ولقد جاء الحرف (إلى) مع فعل (تدعون) وهو لا يألفه ولا يتعدى به عناية بما وراءه وتلويحا بغرضه، والإيماء دون التصريح أحلى وأدمث من أن يكون مكاشفة ومصارحة وجهرا. وقل ما يجيء التضمين صريحا وإنما يجيء من طريقٍ يخفى ومسلك يدق.
وإذا كان ما تسالونه من حاجاتٍ وترفعون من مطالبَ هو جانب من جوانب الدعاء وطرف منه، فالجوانب الأخرى أهم وأقمن: كالرجاء والتوسل والتضرع والخضوع والتذلل. فصِلة الدعاء بالضراعة (تضرعون إليه) جزء من كل، عدل الحكيم سبحانه من لفظٍ إلى لفظ لنتنته على أسبابه، ويتجلى لنا وجه الحكمة في اختياره فيتفتح عن رصيده المذخور وإيحائه المتجدد.
إنه التضمين .. من أي عطفيه التفت، وجد معاني مشرقة لا تغيب ..
ثم إن دعا يتعدي بالياء: [(يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ)] فيتضمن معنى: استحضر.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا)(1).
ذكر أبو حيان: دمر الله عليهم أي أفسد عليهم ما اختصوا به من أنفسهم وأولادهم وأموالهم وحكى الزمخشري: دمره: أهلكه: ودمر عليه: أهلك عليه ما يختص به، والمعنى دمر اللَّه عليهم: ما اختص بهم من أنفسهم وأموالاهم وأولادهم وكل ما كان لهم. وقال الجمل: المفعول محذوف أو ضمن (دمر) معنى (سخط).
وذكر الآلوسي: جاءت المبالغة من حذف المفعول، وجعلته نسياً منسياً، والإتيان بكلمة الاستعلاء (على) وهي لتضمن التدمير معنى الإيقاع أو الهجوم أو نحوه. وذكر البروسوي: قال الطيبي: كأن في دمر عليهم تضمين معنى (أطبق) فعدي بـ (على)، فإذا أطبق عليهم دماراً لم يخلص منهم أحد.
أقول: إنه مشهد وإنها لفتة إلى مصارع الغابرين من الأمم يلوي أعناق الذين كفروا من العرب خاصة والعجم عامة ليشهدوا كيف دمر اللَّه كل شيء فوق رؤوسهم، وجعلهم تحت الأنقاض عبرة لمن أراد أن يعتبر. إن تعدد مدلول دمَّر عند المفسرين: سخط، وأفسد، وأهلك، وأوقع، وطبق، ليدلنا على ثراء التضمين وغناه. فالتدمير مضمن معنى الدمدمة، والإخناء، والقضاء على من عصاه ومعاقبته له وليس التدمير: أي الدمدمة وهي إرجاف الأرض بهم
وإطباق العذاب عليهم وطحنهم وإهلاكهم إلا نتيجة من نتائج غضب اللَّه تعالى على الكفرة والمشركين.
والحرف (على) في علوّه يذهب في إثراء الصورة كل مذهب في هوْل القضاء والإخناء، ووَسْم أغفاله ورسْم أشكاله وزمّ شوارده، فهل من مُعتبر!.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(1).
قال السيوطي: أي به، أي بسببه. وذكر أبو حيان: يجوز أن تكون فيه للسببية (أي بمعنى الباء) يمثركم بسببه. وذكر الزمخشري: فهي أي في هذا التدبير بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل، فإن قلت: وهلا قلت: يذرؤكم به؟ قلت: جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير، ألا تراك تقول. للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قَالَ تَعَالَى (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ). ومثله الرازي.
وقال القرطبي: " يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ" أَيْ يَخْلُقُكُمْ وَيُنْشِئُكُمْ" فِيهِ" أَيْ فِي الرَّحِمِ.
وَقِيلَ: فِي الْبَطْنِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَابْنُ كَيْسَانَ:" فِيهِ" بِمَعْنَى بِهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى" يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ" يُكَثِّركُمْ بِهِ، أَيْ يُكَثِّركُمْ يَجْعَلُكُمْ أَزْوَاجًا، أَيْ حَلَائِلُ، لِأَنَّهُنَّ سَبَبُ النَّسْلِ.
وقال ابن قتيبة: فيه: أي في الزوج: أي في بطون الإناث، وفيه: أي في الرحم لأن الرحم مؤنثة ولم يتقدم لها ذكر، وذكر أبو السعود: فيه: أي فيما ذكر من التدبير: أي جعل الناس والأنعام أزواجاً يكون بينهم توالد كالمنبع للبث والتكثير.
أقول: إن الحرف (في) لا يتحمل التضمين لأن مفهومه غير مستقل بنفسه، وإنما جرى التضمين في الفعل ليبشّر بولادة معان أخر منها: البثّ، والخِصب (يبثكم ويُخصبكم). يوحي بهما ويحملان معناه فكان هذا الجعل والتدبير منه سبحانه سبباً من أسباب الخِصب والنماء والبث.
ولعل اختيار (الذرء) دون (البثّ والخِصب) لما فيه من معنى الخلق والنشأة والإيجاد وما وراءه من معان، والخِصب من نتائجه.
فنحن مع هذه الحروف نفتقر في تحصيل معانيها إلى الوقوف على أفعالها ومغازي تراكيبها مع التأمل والتدبر، لنفتح شيل التنقيب عن أوضاعها وأسرار معانيها من طريق تخفى ومسلك يدق.
* فواحه تزكو كزهر الروض باكره المطر *
* * *