الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والرعاية، معقبات
…
وللعرب في ألفاظها دلالات تقضي بها حوائجها وأغراضها لا يعرفها سواهم، وصار السياق؛ له معقبات من أمر اللَّه من بين يديه ومن خلفه، يحفظونه، ولكن هذا السياق لا ينسجم مع الإيقاع الموسيقي للفاصلة القرآنية فلا بد من تقديم (يحفظونه) على الجار والمجرور (من أمر الله).
معقبات
…
يحفظون كل شيء عنه: أعماله، تصرفاته، حركاته، سكناته، نظراته، همساته. يحصون عليه أنفاسه، يراقبون ما يحدثه من تغيير في نفسه ومشاعره وواقعه فيغير اللَّه ما به وفق ما غير ما بنفسه.
ميزان دقيق وحاسوب ذري فلا مجال للشك، ولا مجال للعبث. لا وجود للتضمين في الآية إذاً ولا داعي إلى تأويلات تصرفنا عن المورد العذب إلى ظنون يستولي التكلف على جملتها وتفصيلها.
فلا تعجل بظن قبل علم
…
فعند العلم تنقطع الظنون
كلون الشهد مشتبها وليسست
…
تُخبِّر عن مذاقته العيون
* * *
قَالَ تَعَالَى:
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّ
مَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (1).
حفي به حفوا وحفاوة: بالغ في إكرامه وتلطف به فهو حاف وحفي، وأحفى في السؤال: ألحف.
وذكر الراغب: الإحفاء: الإلحاح في المطالبة أو البحث عن تعرف
الحال (إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا).
وقال أبو حيان: (عنها) متعلق بـ يسألونك، وصلة حفي محذوفة أي بها. أو متعلق بـ حفي على جهة التضمين، والتقدير: كأنَّك كاشف بحفاوتك عنها. أو (عن) بمعنى الباء، وذكر مثل ذلك العكبري والجمل.
وقال الزمخشري: كأنَّك بليغ في السؤال عنها لأن من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه استحكم علمه فيه ورصُن، وأحفى في المسألة إذا ألحف، وحفي بفلان وتحفى به: بالغ في البِرِّ به. وقرأ ابن مسعود كأنَّك حفي بها. وقيل إن قريشا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقيل: يسألونك عنها كأنَّك حفي تتحفى بهم فتخصهم بتعليم وقتها لأجل قرابتهم.
وأجاز أبو عبيدة أن تكون (عن) موضع الباء وبهذا قال ابن قتيبة. وشاهده:
(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) أي بالهوى وأيد الطبري تعاقب (عن) والباء هنا
وأَولَ حفي بلطيف.
وقال البيضاوي: حفي: فعيل من حفي عن الشيء إذا سأل عنه، فإن من بَالغَ في السؤال عن الشيء والبحث عنه استحكم علمه به، ولذلك عُدي بـ عن، وقيل: هو صلة يسألونك.
وقال الآلوسي: وهو يتعدى بالباء لكونه متضمنا لمعنى بليغ في السؤال عنها حتى أحكمت علمها. حفي عنها أي مبالغ في العلم بها. ذكر بعضهم أن الحفاوة في الأصل: الاستقصاء في الأمر للاعتناء به، قال الأعشى:
فإن تسألوا عني فيا رب سائل
…
حفي عن الأعشى به حيث أصعدا
عُدي الوصف بـ (عن) اعتبارا لأصل معناه وهو السؤال والبحث، وقيل لأنه ضمن معنى الكشف ولولا ذلك لعدي بالباء.
أقول: لعل تعليق (عنها) بـ يسألونك أرجح من سواه وصلة (حفي) محذوفة كما أشار أبو حيان وأحرى من أن يزل في معرةِ التعاور والتناوب: عنها أي بها أو تضمين (حفي) معنى (كاشف أو ملحف أو مبالغ)
…
، وما جاءت (كأنك) إلا على وجه من الاستخفاف بظنهم فيه حين حَسِبوه على علم بها أو مهتما بالبحث عن التعرف على حالها، ولم يدركوا أن أمر الغيب بيد اللَّه لا يُطلع على غيبه أحدا، ولم يدركوا كذلك أدب الرسول صلى الله عليه وسلم مع ربه في أمر الغيب، وفي مقام العبودية. ولعل تأخير صلة يسألونك إنما كان لمجرد التنغيم الصوتي ومراعاة للتناسق الفني في الإيقاع الموسيقي ثم لا يكون تقديم أو تأخير إلا لفائدة، فتأخير صلة يسألونك فيه توبيخ للسائلين عن سؤالهم لأنهم يستخفون بها أو بالمسؤول عنها أو بهما معا، فهو صلوات اللَّه عليه لا يعرفها ولا يشغل نفسه بمعرفتها ما دامت من اختصاص مولاه الجليل، وقد أخفاها عن خلقه. هذا في تأخير الصلة وأما في حذفها من حفي فأفصحُ من ذكرها، ولن تجد في الإثبات بلاغة كالذي في الحذف. وهل ذهب ظنهم به عند سؤاله عنها إلا إلى اهتمامه بها؟! فلا سبيل إلى هذه اللطيفة إلا بحذف الصلة وترك ذكرها. وهكذا يكون الحذف مع التقديم والتأخير سبيلا إلى لطائف ممتعة. فلا تضمين إذا في الآية.
وكذلك في بيت الأعشى لا تضمين وإنَّمَا فيه تقديم وتأخير.
فيا رب سائل عن الأعشى حفي به
…
* * *