الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ تَعَالَى:
(وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)
(1).
(على) قدرها الطبري بمعنى (في)، وأما الطبرسي فقدرها بمعنى (في) و (بالباء): في زمن سليمان، أو بملك سليمان وذهب الجمل إلى تضمين تتلو معنى تفتري وتكذب. وذهب الآلوسي: إلى أن تتلو: معناه تتبع أو تقرأ. و (على ملك) متعلق بـ تتلو وفي الكلام مضاف محذوف أي عهد ملكه وزمانه. أو (الملك) مجاز عن (العهد). و (على) بمعنى (في) وقد صرح في التسهيل بمجيئها للظرفية، لأن الملك وكذا العهد لا يصلح مقروءا عليه.
ومن الأصحاب من أنكر مجيء على بمعنى في وجعل هذا من تضمين تتلو معنى تتقول (يعني تفتري). أو الملك عبارة عن الكرسي لأنه من آلات ملكه فالكلام على حد: قرأت على المنبر. وقال الزركشي: تتلو الشياطين على ملك سليمان أي في زمن ملك سليمان (الظرفية) ومثله الموزعي وأما ابن السيد البطليوسي فضمن تتلو معنى تتقول وتفتري فعداه تعديته ويمكن أن تكون (على) إنما استعملت هاهنا لأن معناه أنهم تقولوا على ملك سليمان ما لم يكن فيه. كما يقال: تقولت عليه ما لم يقل. ونص الفراء على أن (في) تصلح مكان (على).
أقول: ولعل ما ذهب إليه السيد البطليوسي في تضمين تتلوا معنى
تفتري وتتقول على عهد سليمان هو الأدنى لما عليه السياق، ينقولون عليه ما لم يقله افتراءَ عليه، ولا مساغ لتناوب الحروف وتعاورها:(على) بمعنى (في) أو (الباء) أو سواه. فمن أصر فليأخذْ في غير هذه الصناعة.
ماذا كان من أهل الكتاب بعد نبذهم له وراء ظهورهم؟ هل لاذوا بما هو خير منه؟ كلا بل اتبعوا ما تفتريه الشياطين على عهد سليمان، يضللون الناس به من دعاوى مكذوبة على لسانهم، أنه كان ساحرا وأنه سخر ما سخّر عن طريق السحر الذي كان يعلمه ويستخدمه، فنفى القرآن عنه بأنه كان ساحرا (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ) فجعل السحر واستخدامه كفرا، وأثبته للشياطين، (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) يتلونه: من تلا الشيءُ الشيءَ إذا تبعه، فالفِرية تتبع الفرية إلى النهاية، فهي سلسلة متتالية من افتراءات الشياطين، وليست قولة تقولوها على لسانه - صلاة اللَّه عليه - من أجل هذا جاء التعبير بالتلاوة بدلا من التقول والافتراء. أرأيت إلى التضمين والغرض الذي جيء به من أجله في تنوير ما أعتم! إنه انتزل الحقيقة من الحياة في أسلوب لإظهارها للحياة في أسلوب أوفى وأوضح! فمن نزُر حظه منه فلا سبيل إلى تحصيله إلا بالتأمل والغوص وطول النظر.
* * *