المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌افتراء مغرضحولسعد بن معاذ - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٣

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌التضامن الإسلامي

- ‌دور عالمي لرسالة عالمية

- ‌تصدير

- ‌البحوث

- ‌حكمالطلاق الثلاثبلفظ واحد

- ‌القول الثاني: أن جمع الثلاث ليس بمحرم

- ‌المسألة الثانيةما يترتب على إيقاع الطلاق الثلاث بلفظ واحد

- ‌المذهب الأول أن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثا بلفظ واحد وقعت ثلاثا دخل بها أو لا

- ‌المذهب الثانيإن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثا بلفظ واحد وقعت واحدة دخل بها أو لا

- ‌المذهب الثالث يقع في المدخول بها ثلاثا وبغير المدخول بها واحدة

- ‌المذهب الرابع: عدم وقوع الطلاق مطلقا

- ‌الخلاصة

- ‌المسألة الأولى: في حكم الإقدام على جمع الثلاث بكلمة واحدة

- ‌المسألة الثانية: فيما يترتب على إيقاع الطلاق الثلاث بلفظ واحد

- ‌المذهب الأول أنه يقع ثلاثا

- ‌المذهب الثانيإن الطلاق الثلاث دفعة واحدة يعتبر طلقة واحدة

- ‌المذهب الثالثأن الطلاق الثلاث يمضي ثلاثا في المدخول بها وواحدة في غير المدخول بها

- ‌المذهب الرابع:أنه لا يعتد به مطلقا

- ‌مصادر بحث الطلاق الثلاث بلفظ واحد:

- ‌القرار

- ‌ النشوز والخلع

- ‌النشوز قد يكون من الرجل وقد يكون من المرأةوقد يدعيه كل منهما على صاحبه

- ‌ مصالحة المرأة زوجها

- ‌ الكلام عن الخلع

- ‌حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلع

- ‌ الحكمين كيف يعملان

- ‌ بعث الحكمين

- ‌الخلاصة

- ‌ملخص قرار هيئة كبار العلماء المتعلق بمسالة النشوز والخلع

- ‌الشفعة بالمرافق الخاصة

- ‌الشفعة في الاصطلاح الشرعي

- ‌مشروعية الشفعة

- ‌دفع شبه القول بمنافاتها للقياس

- ‌الحكمة في مشروعية الشفعة

- ‌الاشتراك فيما لا يقبلالقسمة من العقار

- ‌الاشتراك في المنقولات

- ‌ الجوار

- ‌أدلة القائلين بقصر الشفعة على الشريك في المبيعدون الجار. . . أو الشريك في حق المبيع

- ‌أدلة القائلين بثبوت الشفعةبحق المبيع والجوار

- ‌المناقشة

- ‌ الشفعة فيما انتقل إلى الغير بعوض غير مسمى

- ‌الشفعة بشركة الوقف

- ‌شفعة غير المسلم

- ‌شفعة غير المكلف من صبي أو مجنون

- ‌شفعة الغائب

- ‌شفعة الوارث

- ‌الدعوة الإصلاحية فيالجزيرة العربيةوحركة الجامعة الإسلامية

- ‌الحرب والصلح فيالإسلام

- ‌الوضع العام

- ‌مفاجأة محزنة

- ‌احترام البيت

- ‌بدء المفاوضات

- ‌ساعة الصفر

- ‌بوادر السلم تلوح في الأفق

- ‌تنفيذ العقد يبدأبمفاجأة غريبة

- ‌افتراء مغرضحولسعد بن معاذ

- ‌الأمومةفي حياة النبي ووصاياهونظرة على دورها في البناء والتوجيه

- ‌نشيد الفرحبمقدمالنبي صلى الله عليه وسلم

- ‌تعيين مواقيت الصلاة في أي زمان ومكان على سطح الأرض

- ‌مقدمة

- ‌تحديد الشرع الإسلامي لمواقيتالصلاة

- ‌وقت الظهر

- ‌وقت العصر

- ‌وقت المغرب

- ‌وقت العشاء

- ‌وقت الصبح

- ‌الربط بين تحديد الشرع والفلك والحسابلتبين مواقيت الصلاة

- ‌المعادلات الرياضية لحساب مواقيت الصلاة

- ‌بيان المصطلحات الفلكية والرموز الخاصة

- ‌ الأقطاب والنقط الأساسية

- ‌الدوائر العظمى

- ‌الزوايا الرئيسية

- ‌المثلث الفلكي

- ‌تعيين المعادلات الرياضية لحساب مواقيت الصلاة لكل واحدة من الفروض الخمسة

- ‌أولا وقت الظهر

- ‌ثانيا وقت الشروق والغروب

- ‌ثالثا وقت الفجر والعشاء

- ‌رابعا وقت العصر

- ‌استعمال الحاسب الإليكتروني 45 ( H. P)في حل المعادلات المذكورة

- ‌استعمال الرسم البياني لتعيينلمواقيت الصلاة

- ‌كيفية استعمال المنحنى لتعيينالوقت المطلوب

- ‌تحويلالوقت الزواليوقت غروبي

- ‌ الفتاوى

- ‌في النذر

- ‌في الصيام

- ‌في الأضحية وصلاة العيد

- ‌في اللحم المذبوح ببلاد الكفاروأهل الكتاب

- ‌حكم الحلف بغير اللهحكم لبس الباروكة للزوجحكم حلق المرأة رأسها وحواجبها

- ‌السفر وإفطار رمضانحكم التوسل إلى الله بالأنبياء والصالحين

- ‌في قراءة القرآن من أجل التكسب

- ‌ المؤتمر السادس لجمعية التعليم لعموم الهند

- ‌مؤتمرات

- ‌الفائدة الأولى: إذ قال لزوجته أنت طالق أو نحوه من الصريح

- ‌الفائدة الثانية: إذا وقع به الطلاق فكم طلقة تقع به

- ‌كتب تصدر قريبا

- ‌أساليب القسم والشرط في القرآن

- ‌الولايات المتحدة

- ‌إنجلترا

الفصل: ‌افتراء مغرضحولسعد بن معاذ

محمد رجب البيومي

‌افتراء مغرض

حول

سعد بن معاذ

ليس من الغريب أن يندفع غلاة المستشرقين في تجريح سيد الأوس سعد بن معاذ حين أصدر حكمه العادل باستئصال بني قريظة إذ خانوا الله ورسوله وتآمروا بالمسلمين فحالفوا قريشا على حرب محمد ناقضين عهودهم الوثيقة، ومعلنين دفائن أحقادهم الثائرة. ثم صدق الله وعده فرد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وحان أوان القصاص فارتضوا سعد بن معاذ حكما فجزاهم بما افتروا من العقوق والغدر أعدل الجزاء.

ليس من الغريب أن يندفع غلاة المستشرقين في ذلك عن غرض جائر وهوى مريض إنما الغريب حقا أن يستمع إليهم بعض عقلائنا المسلمين من كبار رجال القانون، فيروا في حكم سعد مغالاة كبيرة ولكنهم يحاولون تهوينها في نظرهم بعض الشيء حين يقولون: إن زمان سعد غير زماننا، وما يعد الآن

ص: 281

مغالاة خطيرة في القرن العشرين لم يكن ليوصف بذلك في القرن السادس الميلادي، حين صدر هذا الحكم، فلكل عصر قوانينه وملابساته. . ولا أدري كيف يقولون ذلك وقد درسوا القوانين المعاصرة دراسة نافذة، وكان في مقدرتهم أن يطبقوها على قضية بني قريظة ليروا أن قوانين القرن العشرين لا تختلف في شيء عما أصدره سعد بن معاذ، ولكن أقوال ذوي الغرض من المستشرقين قد خدعت رجالنا عن عقولهم، فنسوا ما يحفظون، وتجاهلوا ما يعلمون، وسنضطر هنا إلى مخاطبتهم بلغتهم القانونية فنقول:

لقد كان بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين يهود بني قريظة معاهدة تحفظ حقوق الفريقين، وتقضي على كل فريق أن ينصر الآخر إذا واجه خطرا في حرب ولكنهم تآمروا به فانضموا إلى أعدائه، وأوقعوه بين شقي الرحى في المدينة مصطليا بنيران أعدائه المشركين من جهة، واعتداء حلفائه اليهود في ساعة العسرة من جهة ثانية فاقترفوا بذاك الغدر الشنيع ثلاث جرائم:

أ - رفع السلاح ضد سلطان المدينة مع الأجنبي المعتدي.

ب - دس الدسائس لدى العدو ضد المسلمين.

ج - تسهيل دخول العدو للبلاد.

وقانون العقوبات المصري، وهو أقرب قانون يعرفه من يؤاخذون سعدا من رجالنا القانونيين، يجعل الإعدام عقوبة كل جريمة من الجرائم الثلاث، وينص على ذلك في المواد 77، 78، 79 عقوبات. وهذه هي نصوصه على الترتيب:

م77 - يعاقب بالإعدام كل مصري رفع السلاح على مصر أو التحق على وجه يعمل في القوات المسلحة لدولة تحارب مصر.

م78 - كل من ألقى الدسائس إلى دولة أجنبية أو إلى أحد مأموريها أو إلى أي شخص يعمل لمصلحتها أو تخابر معها أو معه بقصد استعدائها على مصر أو تمكينها من العدوان عليها يعاقب بالإعدام سواء تحقق الغرض أم لم يتحقق.

م79 - يعاقب بالإعدام كل من سهل دخول العدو إلى البلاد أو سلمه مدنا أو حصونا أو منشآت أو مواقع

ص: 282

أو موانئ أو سفنا أو طائرات مما يستعمل في الدفاع عن البلاد مما عد لذلك، أو نقل إليه أخبارا أو أرشده أو حرض الجنود على الانضمام إليه أو أثار الفتن والشائعات أو نحو ذلك.

فقانون القرن العشرين صريح في إدانة بني قريظة حيث ارتكبوا جميع ما تستحق جريمة واحدة منه الإعدام وسنعرض لخيانتهم بالتفصيل، حين نوجز سيرة سعد ليعلم القارئ المنصف كم تجنى عليه أعداء الإسلام إذ وصفوه بالوحشية والقسوة والغدر، وكم تنكب بعض رجالنا من القانونيين سبيل الإنصاف حين زعموا أن حكمه القضائي لا يوائم أحكام القرن العشرين، وقد فاتهم أن يحيطوا بالقضية من أطرافها ليروا شططهم البعيد، أما الرجل فبطل صادق ومسلم صريح. . وسنكتفي من تاريخه الرائع بما كان منه بعد أن أشرق في قلبه نور الإسلام، فبلغ به الخطوة السعيدة ودخل منه أبهاء التاريخ.

لم يعتنق سعد الإسلام عفوا ولكنه فكر وقدر، وحاور وجادل وقد عارض في اعتناقه قبل أن يدرك حقيقته، مثله في ذلك مثل الفاروق عمر سواء بسواء - وحين أشرق الإيمان على روحه شعر كأنه انتقل إلى أوج زاهر مشرق ينأى به عن ظلمات الوثنية وحنادس الشرك، وقاد قومه إلى المجد التالد والعز الأبدي، فأصبح الأوس في المدينة يسالمون إخوانهم الخزرج، وكلهم فرح بالقرآن مبتهج بمحمد مؤاخ للمهاجرين، معاهد ربه على أن يحمي الدعوة الجديدة بروحه ودمه، قد صدق الأنصار ما عاهدوا الله عليه، فكانوا درع الإسلام وحصنه الركين.

وجاء الامتحان الأول في بدر، فقد خرجت قريش بجموعها الكثيفة لتدرك طائفة تظنها مستضعفة ذليلة وقد نفخ الغرور أوداج المشركين فتساقوا الخمور ودقوا الطبول وشرعوا الأسنة، وإن الثقة لتملأ نفوسهم فتريهم مصارع المسلمين قبل أن يبرحوا أمكنتهم وتقللهم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وقد أخذ رسول الله الأهبة وجمع أنصاره حوله يتشاورون فيما يواجهون به القوم من قوة وعتاد، وقد شع الإيمان القوي على لسان سعد حين أعلن للرسول استعداد الأنصار للجهاد في سبيل الله دون تباطؤ أو تخاذل وأرسل كلمة مؤمنة لا تزال تجلجل في أذن التاريخ فتعرض بطولة هذا الفدائي المؤمن الذي تهتف جوارحه من أعماقه (امض بنا يا رسول الله حيث تريد فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء)(1) وكانت هذه الصيحة الخالدة كفيلة بتوجيه الأنصار إلى الجهاد وإذكاء الحمية المؤمنة في القلوب وواضح أن معاهدتهم مع رسول الله حين قدم إلى المدينة لم تكن تحتم عليهم أن يحاربوا معه أعداءه خارج يثرب ولكنها توجب الدفاع عنه في نطاقها إذا تعرض لمن يغزوه بين ديارهم، فجاءت كلمة سعد شرطا آخر يجيز لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يلقى خصومه في أي ميدان يريد. ولو كان الأنصار وعلى رأسهم سعد ممن يترددون في الإيمان لحظة واحدة لأقصروا عن متابعة الرسول متعللين بما أخذوا به أنفسهم من شروط، ولكن الإخلاص للمبدأ والتفاني في

(1) السيرة النبوية للحافظ ابن كثير جـ 2 ص 392 ط 1965 م.

ص: 283

العقيدة، كلاهما ينبذ النصوص الضيقة فلا يتعلل في التخاذل عن الحق، بحروف وكلمات.

ولم يكن سعد يجاهد في بدر ببأسه وحده، ولكن عقله من فوقه يرسم الخطة ويدير المعركة، وقد اقترح على الرسول أن يبني له عريشا خاصا به كي لا يتعرض إلى سهم غادر أو رمية آثمة، وعضد رأيه بأن القيادة محتاجة إلى سياج خاص لتتمكن من إدارة المعركة بعيدة عن الزعازع في ظرف عاصف تغشاه النذر وتتهدده الخطوب. وقد أجاب محمد ما اقترح عليه ووقف سعد أمام العريش يدفع عنه بنفسه ويقول لرسول الله مطمئنا لو دارت الدائرة على الأنصار ففي المدينة من إخوانهم من يأخذون مكانهم ذيادا على الإسلام. . وقد صدق الله وعده وانكسر الشرك انكسارا فطأطأت له الرقاب ونكست من أجله الحياة، ونظر سعد فرأى كتائب الأسر تتلاحق وعفو رسول الله يفيض، فعرف الغضب في وجهه إذ كان على رأي عمر ممن يودون أن يقوم السيف بدوره في رقاب ظالمة معتدية، لم يكفها أن فر المسلمون من مكة حتى دفع الغرور أصحابها إلى مهاجمتهم بالمدينة واستئصالهم في غير ديارهم ولكن الرسول يطمئن سعدا فيعود إلى صفائه معتقدا أن هناك من يرجحه في النظر والتدبير.

توالت الوقائع بعد بدر في أحد والخندق فأما أحد فقد قام في حلبتها يعد بواجبه فناضل وجالد وتلقى الهزيمة في النهاية بعزيمة ماضية وإيمان حصين، وأما غزوة الخندق فقد كان سيد الأوس بها بطلا مرموقا تتوقف النتائج الحاسمة على كفاحه وجلاده، وقد راعه أن يغدر حلفاؤه اليهود من بني قريظة بعهودهم فيخونوا الإسلام في مأزق ضائق وينضموا إلى المشركين ليوقعوا المسلمين بين المطرقة والسندان. . وكانت هذه الخيانة الرهيبة محنة قاسية تصب ويلاتها المحرقة على الجيش الإسلامي فابتلي المسلمون وزلزلوا زلزالا شديدا، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وقد أظهر الذين في قلوبهم مرض من المنافقين ضغائنهم السوداء فارتابوا في الإسلام وقالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ثم استأذنوا في الانسحاب متمسكين بأوهى الخيوط ومعتذرين بأفضح التعلات، في هذه الغمرة الغاشية ثبت سعد ثبات الصناديد واستشعر مددا حافلا من السماء يباركه ويؤازره دون أن تميل به الظنون إلى يأس وقنوط بل زادته الرهبة إيمانا بالحق ويقينا بنصرة الإسلام، فحين عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على غطفان أن تأخذ ثلث ثمار المدينة وتنفض يدها من الحرب راجعة أدراجها ثانية فتتفرق كلمة المشركين ويدرأ الإسلام بعض الخطر عن كيانه، حين عرض ذلك لم يقبل سعد بن معاذ أن يذيق أعداءه خير بلاده، وقال:(يا رسول الله لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطعمون منا ثمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام نعطيهم أموالنا ونهديهم خيرنا؟! والله ما لنا بهذا من حاجة ووالله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم)(1) وهذا قول يصدر عن حمية وأنفة، وقد أدرك الرسول صدق صاحبه وإخلاصه، فنزل على رأيه ورفض الصلح مع غطفان، وفي استماع محمد إلى رأي سعد تقدير

(1) السيرة النبوية للحافظ ابن كثير جـ 2 ص 202 ط 1965 م.

ص: 284

للجندي المخلص وإعزاز لمن يتمسكون بالحق من الأباة المناضلين، ثم هو في الوقت نفسه مثل رفيع للقادة الذين يتطلعون إلى النصر في أحرج أوقاتهم إذ عليهم أن يتدبروا الأمور فلا ينفردوا بأمر دون استشارة وتمحيص فتتحد الكلمة وتتجمع القلوب.

وقد انجلت الغواشي الحالكة عن المسلمين بسلام، وعادوا إلى المدينة ظافرين بعد أن أظهر الله نعمته على عباده بالظفر والانتصار، وقد أصيب سعد أثناء المعركة بسهم حاد هز من كيانه وزعزع بأسه فحمل إلى خيمة قريبة ليسعف بالعلاج وكان إذا ضعضعه الألم يصيح داعيا: اللهم لا تمتني حتى أشتفي من بني قريظة، إذ أن هؤلاء الغادرين قد آسفوه بخيانتهم الأثيمة، فما راعوا إلا ولا ذمة، وكان سعد مع قومه من الأوس قد شفع لديهم بادئ ذي بدء ليرجعوا عن غدرهم الفاضح، فما راقبوا الله في حلف أو ميثاق، حتى إذا انكشفت الغمة قبعوا في حصونهم يترقبون ما تتمخض عنه الحوادث، وطبيعي أن يعجل المسلمون بعقاب هؤلاء الخونة عقابا رادعا، فاتجهوا إليهم على الفور وحاصروهم في ديارهم خمسا وعشرين ليلة أججت القلق والحسرة في ضلوعهم فعرضوا شروطا للجلاء كما فعل بنو قينقاع، وأملوا أن يتقبلها الرسول بقبول حسن، وقد اتجهت أنظارهم إلى حلفائهم من الأوس ليكونوا شفعاءهم لدى محمد ورسول الله يدرك نفسيات قومه فيضع الشيء في موضعه إذ يختار سعد بن معاذ ليكون فيصلا قاطعا ينزل الفريقان على رأيه وسعد من هو شدة حمية وقوة إيمان، وقد قدر الموقف تقدير من شاهد كروبه ومآزقه وعرف النذر المستطيرة التي تراءت في الأفق فأوشكت أن تطيح بالعصبة المؤمنة لولا عناية الله بالرياح الثائرة، وقد هم بعض أصحابه يزينون له الإحسان في مواليه ويجنحون به إلى السلام والفداء فماذا فعل عند ذاك؟ لقد حكم بأن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء، وأمر الرسول بتنفيذ الحكم، فخندق الخنادق لدى سوق المدينة ثم أخرج اليهود أرسالا إليها طائفة بعد طائفة فضربت أعناقهم ولاقوا أسوأ مصير على أفظع خيانة توجه إلى معاهد مسالم يأمن حلفاءه فيأتيه الروع في مأمنه الحصين.

وقد كانت صرامة هذه العقوبة مدعاة للتقول على الإسلام دون عدالة وإنصاف فالمسلمون لم يتجنوا على بني قريظة باستئصالهم المبيد.

لأنهم متهمون بالخيانة العظمى.

وقد ثبتت تهمتهم ثبوتا قامت دلائله وفدحت نتائجه، وهذه الخيانة الخطيرة ليس لها في جميع الشرائع غير الإعدام السريع ولم يكن اليهود أسرى حرب فيميل بهم إلى الشفقة، ولكنهم شر من الأعداء إذ بيتوا الغدر لأناس يأمنونهم ويخصونهم بحقوق الجار، وواجبات الذمام. وموقفهم هنا يختلف اختلافا واضحا عن موقف بني قينقاع وبني النضير فالأولون قد أبدوا البغضاء

ص: 285

من أفواههم وأشاعوا الريب والشكوك ورأوا في الدعاية المغرضة سلاحا لا يفل، والآخرون قد ائتمروا على قتل الرسول وتحالفوا مع بعض المنافقين على المناجزة دون أن تتيح لهم الفرص طريقا يصلون منه إلى التنفيذ، وهؤلاء وأولئك أهون خطبا من الذين سلوا السيوف ووقفوا في صفوف العدو وأوقعوا الهلع في قلوب يحيط بها الروع من كل ناحية.

فتعادل الكفتين بينهما طيش لا يقره إنصاف. وقد جلا بنو قينقاع وبنو النضير عن المدينة فكانوا مثار القلق والفتنة، ومبعث الضيق للمسلمين فهم الذين ألبوا الأحزاب وجمعوا القبائل مع المشركين ليوم الخندق فأعطوا بمؤامراتهم المزعجة محمدا درسا حاسما يحتم استئصال شأفتهم، وتتبع أفاعيهم في كل مكمن ليطفئ لهبا يستعر إذا هبت عليه الريح وقد تحقق الدرس مبدئيا في يهود بني قريظة، وظهرت نتائجه الحاسمة في خيبر حيث تعرض اليهود على يد محمد لزلزال رهيب.

والذين يستهولون حكم سعد على حلفائه يجهلون أن التوراة التي يدين بها هؤلاء اليهود توجبه وتفرضه، فهو حكم يعلمونه من نصوصهم ويشيدون بعدالته في أطوائهم وما على المسلمين ملامة إذا قضوا بحكم يعترف به أعداؤهم دون أن يجدوا وجها للنقض والاستئناف فقد جاء بالإصحاح العشرين في سفر التثنية (وإن لم تسالمك أي قرية بل حاربتك فحاصرها وإذا دفعها الرب إلهك إلى يديك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف).

ويقول الزعيم الهندي الكبير مولاي محمد علي تعليقا على هذا النص في كتابه " محمد رسول الله ": (لقد كان القاضي من اختيارهم وكان الحكم مطابقا كل المطابقة لشريعتهم فماذا يمكن أن يعاب في ذلك على النبي)

وهذا تعليق نؤيده ونستشهد به لكننا نخالف المؤلف الكبير حين ذكر أن يهود بني قريظة لو تركوا أمرهم للنبي دون سعد لقضى عليهم بما قضى به على يهود بني قينقاع وبني النضير، نخالفه في ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسوي في الحكم بين جريمتين متباعدتين تقف إحداهما عند الهم، وتتجاوزه الأخرى إلى التنفيذ والمناجزة، وما لنا نبعد وأمامنا قول الرسول لسعد:«لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات (1)» وإذا كانت الموازنة الدقيقة تكشف عن معادن الرجال وتبين الفروق الواضحة بين الطيب والخبيث فإن موقف سعد من أحلافه يهود بني قريظة يبرز مدى إيمانه الراسخ إذا قورن بموقف عبد الله بن أبي من أحلافه يهود بني قينقاع حين اضطربت عليهم الأمور، وتكشفت للرسول ضغائنهم السود فقد جاء رأس النفاق إلى رسول الله وهو يصيح (أحسن إلي في موالي، أحسن إلي في موالي) فأبطأ عنه الرسول فلجأ إلى التشهير ورفع صوته متشنجا كأنه يدافع عن حق صريح ودفعه سوء الأدب فوضع يده في جيب محمد في صخب مفتعل وهو يقول: (لا

(1) صحيح البخاري الجهاد والسير (3043)، صحيح مسلم الجهاد والسير (1768)، سنن أبو داود الأدب (5215)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 22).

ص: 286

أرسلك حتى تحسن إلي في موالي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دراع تحصدهم في ليلة واحدة. وقد منعوني من الأحمر والأسود، إني والله لأخشى الدوائر (1).

والدوائر التي كان يخشاها رأس النفاق ليست بالتي تصيب محمدا بأذى كما أراد عبد الله بن أبي أي يفهم عنه الرسول ولكنه كان يعتقد أن اليهود شوكة أليمة في جنب المسلمين، فإذا خلص الجو من نتنهم الوبيئ دارت على النفاق دوائره ورجحت كفة الإسلام، وذلك ما يؤرق ابن أبي ويضنيه، ولو صدقت نواياه نحو المسلمين لأظهر من الغيرة على الحق بعض ما أظهره سعد بن معاذ فيا طول ما بين الرجلين من أبعاد! وما عتم سيد الأوس أن انفجر جرحه فلقي الشهادة مستبشرا فائزا وكان لنعيه دوي عاصف في قلوب المسلمين، فهم يتحسرون على ابن سبع وثلاثين قد اكتملت له أسباب السيادة في ريق العمر وربيع الشباب فرفع قومه وحمى عقيدته وأخلص لدينه وقد وقف الرسول صلى الله عليه وسلم على قبره فتغير وجهه الكريم أسفا ثم كبر ثلاثا فكبر خلفه المسلمون حتى ارتج البقيع، فسئل عن ذلك فقيل يا رسول الله:(رأينا لوجهك تغيرا ثم سبحت)، فقال:«تضايق على صاحبكم قبره وضمه ضمة لو نجا منها أحد لنجا سعد (2)» ثم قال: «هنيئا لك أبا عمر، جزاك الله خيرا من سيد قوم فقد أنجزت ما وعدت ولينجز الله وعده فيك (3)» وذهب محمد إلى بيته وإذا جبريل ينتظره ليسأله: «من رجل من أمتك (4) مات الليلة فاستبشر بموته أهل السماء» لقد كان سيد الأوس والزعيم الشاب سعد بن معاذ.

(1) السيرة النبوية للحافظ ابن كثير جـ 3 ص 7 ط 1965 م.

(2)

السيرة النبوية للحافظ ابن كثير جـ 3 عن رواية الإمام أحمد في المسند.

(3)

السيرة النبوية للحافظ ابن كثير جـ 3 عن رواية الإمام أحمد في المسند.

(4)

السيرة النبوية للحافظ ابن كثير جـ 3 ص 245 عن الشيخين والترمذي.

ص: 287

محمد رجب البيومي

1 -

الدكتور محمد رجب البيومي.

* أستاذ النقد والبلاغة بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر.

* الحائز على الجوائز الأدبية الأولى لمجمع اللغة العربية في الشعر والمسرحية والبحث الأدبي والتراجم الذاتية.

* من مؤلفاته:

1 -

ابن حنبل.

2 -

علماء في وجه الطغيان.

3 -

البيان القرآني.

4 -

خطوات التفسير البياني.

5 -

البيان النبوي.

6 -

مع الأبطال.

7 -

موقف النقد الأدبي من الشعر الجاهلي.

8 -

نظرات أدبية 4 أجزاء.

9 -

الأدب الأندلسي بين التأثر والتأثير.

10 -

محمد توفيق البكري في الميزان.

مسرحيات: ملك غسان - فوق الأبوة - بأي ذنب - انتصار.

يكتب منذ ربع قرن في كبريات المجلات الأدبية والعلمية في الوطن العربي.

ص: 288