المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وجوابها عندكم معين بإذن الله على الخروج من الفتن، إذا - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٧٤

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌الفتاوى

- ‌من فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ

- ‌من فتاوى سماحة الشيخعبد العزيز بن عبد الله بن باز

- ‌حكم الإقامة عند القبر بالمدح والأذكار ثلاثة أيام

- ‌من بدع زيارة القبور

- ‌حكم زيارة النساء للقبور

- ‌من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

- ‌ صلة الرحم

- ‌ خضاب الرجل يديه ورجليه عند زواجه

- ‌ كيفية اختيار الزوجة

- ‌ راتبة الظهر

- ‌ حكم التسبيح بالمسبحة

- ‌ حكم الشرع في المرأة التي لا ترتدي الخمار

- ‌ حكم صبغ الشعر

- ‌ المرور أمام المصلي

- ‌ رفع اليدين أثناء الدعاء

- ‌ الدعاء بين إقامة الصلاة وتكبيرة الإحرام

- ‌ حكم قول المؤذن في أذانه حي على خير العمل

- ‌ تقبيل الإبهامين عند قول المؤذن (أشهد أن محمدا رسول الله)

- ‌ التذكير قبل صلاة الفجر

- ‌ حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الآذان وبعده

- ‌التوسل المشروع والممنوع

- ‌المقدمة

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: التوسل المشروع

- ‌النوع الأول: التوسل بأسماء الله وصفاته

- ‌النوع الثاني: التوسل بالأعمال الصالحة

- ‌النوع الثالث: التوسل إلى الله بدعاء الصالح الحي:

- ‌المبحث الثاني: التوسل الممنوع:

- ‌النوع الأول: التوسل بوسيلة نص الشارع على بطلانها:

- ‌النوع الثاني: التوسل بوسيلة دلت قواعد الشرع على بطلانها:

- ‌أولا: الأدلة على منعه:

- ‌أولا: شبهاتهم فيما استدلوا به من القرآن

- ‌ثانيا: شبهاتهم فيما استدلوا به من السنة، ومن أقوال وأفعال الصحابة والتابعين

- ‌ثالثا: شبهاتهم من العقل:

- ‌الخاتمة:

- ‌الغلو في الدينمعناه، وتاريخه، وأسبابه

- ‌أولا: حد الغلو

- ‌حقيقة الغلو:

- ‌علاقة الغلو بالإفراط والتطرف:

- ‌الفرق بين التمسك بالنصوص والغلو:

- ‌ثانيا: تاريخ الغلو ونشأته عند المسلمين:

- ‌نشأة الغلو عند المسلمين:

- ‌علاقة نشأة الغلو عند المسلمين بالعقائد القديمة:

- ‌ثالثا: أسباب نشأة الغلو في الدين

- ‌الخاتمة:

- ‌الفتن والمخرج منها

- ‌تعريف الفتن:

- ‌أهمية تأكيد الفتنة:

- ‌فهم الرعيل الأول:

- ‌نماذج من الأشرار:

- ‌المخرج من الفتن:

- ‌التساؤلات:

- ‌قيمة الزمن في القرآن الكريم

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: مفهوم الزمن وأهميته

- ‌أولا: مفهوم الزمن

- ‌ثانيا: قيمة الزمن

- ‌ثالثا: عناية القرآن الكريم بالزمن

- ‌المبحث الثاني: القسم بالزمن في القرآن الكريم

- ‌أولا: القسم بالعصر

- ‌ثانيا: القسم بالفجر

- ‌ثالثا: القسم بالصبح

- ‌رابعا: القسم بالضحى

- ‌خامسا: القسم بالشفق

- ‌سادسا: القسم بالنهار

- ‌سابعا: القسم بالليل

- ‌ثامنا: القسم بالليالي العشر

- ‌تاسعا: القسم بيوم القيامة

- ‌عاشرا: القسم بالعمر

- ‌المبحث الثالث: الأزمان الفاضلة في القرآن الكريم

- ‌ثالثا: شهر رمضان

- ‌رابعا: ليلة القدر

- ‌خامسا: أيام التشريق

- ‌سادسا: يوم الجمعة

- ‌سابعا: وقت السحر

- ‌الخاتمة:

- ‌حديث شريف

الفصل: وجوابها عندكم معين بإذن الله على الخروج من الفتن، إذا

وجوابها عندكم معين بإذن الله على الخروج من الفتن، إذا كان وفق أمر الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ص: 307

‌التساؤلات:

1 -

أليست تعاليم الإسلام تحرم قتل المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، حسب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا (1)» .

فلماذا أقدمتم على القتل، ولماذا أبحتم قتل فئات من المجتمع، وهم أنفس معصومة، مخالفين في ذلك الآيات في سورة النساء (2)، ومجترئين على الله في حكمه، ومتهاونين بعقابه سبحانه في القتل العمد.

فكيف تقابلون الله بهذا الجرم، وما حجتكم؟ إن لم تبادروا بالتوبة الصادقة وتنفيذ شروطها.

2 -

وما هو جواب من أفتاكم بقتل الأبرياء من المسلمين والمستأمنين بغير حق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة (3)» .

(1) حديث صحيح جاء ضمن خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.

(2)

سورة النساء، الآيتان 92، 93.

(3)

وفي الباب أحاديث صحيحة عديدة كلها وعيد لمن قتل أو اعتدى على معاهد: جامع الأصول 2: 647 - 656.

ص: 307

ولن يشفع لكم إذا تعلقوا بأعناقكم أمام الله يوم القيامة، وهم يطلبون من الله أن يقتص لهم منكم، في هذا الموقف الرهيب الذي يحكم فيه الرب الكريم العدل:{وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (1).

وليس بمبرر أن تقولوا: أفتانا فلان، وغرر بنا علان، أليس لديكم عقول تدرك، وأذان تسمع، وأعين تبصر، وهبكم الله إياها، نعمة من نعمه، فحولتموها نقمة على أنفسكم، وحجة على تصرفاتكم، وأمامكم كتاب الله وسنة رسوله وأقوال العلماء قديما وحديثا، ممن لا يصدرون حكما إلا بدليله موثقا.

وبأي ذريعة تدفعون عن أنفسكم، وأنتم تتلاومون مع من غرر بكم، والله قد بين لكم المعذرة في حياتكم الدنيا، وتجاهلتم دلالة هذا القول الكريم:{لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (2) فهل ترضون أن تنزلوا إلى مرتبة الأنعام بل أضل؛ لأنها مستجيبة، ولم تكلف وأنتم عصيتم مع التكليف.

وليس بخاف عندكم أن الوفاء في ذلك الموقف: بالحسنات والسيئات فقط، ثم ما هو جواب من أفتاكم بغير علم، فضل وأضل.

(1) سورة الكهف الآية 49

(2)

سورة الأعراف الآية 179

ص: 308

ثم أيضا لماذا لما تاب من أفتاكم، ونشر توبته، نزعتم الثقة منه، وتماديتم في غيكم، ورجعتم عليه لتكفروه وتبدعوه، فهل أحكام الله تتبع الهوى، وهل شرع الله يخضع للرغبات والمزايدات؟

3 -

وبما تدفعون عن أنفسكم إذا خاصمكم أمام الله خلق كثير ممن نهبتم ماله: سرقة لسيارته أو تعديتم على حصيلة عمره، وعرق جبينه، أو تخريبا لمسكنه فأفسدتم ممتلكات وأحرقتم مساكن ومجمعات، بما ناله من بطشكم، وما تسلط عليه من أسلحتكم وأعمالكم الإرهابية التي أخافت الآمن، وروعت المطمئن، وأخربتم العامر، ودمرتم بيوتا على أهلها الوادعين الآمنين.

فبأي سبب عملتم هذا، وما المبرر الذي خولكم هذا الظلم والتعدي، ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«كل المسلم على المسلم حرام: ماله ودمه وعرضه (1)» .

لا شك أن الألسنة ستخرس، والجواب لا يقنع؟ بل سوف لن تجدوا جوابا.

4 -

ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرم قتل النساء والصبيان ومن لم يرفع القتال ضد المسلمين، والمدبر، وشدد

(1) صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2564)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 277).

ص: 309

وغضب لما رأى امرأة مقتولة في إحدى المعارك (1).

فما موقفكم وكل هؤلاء من خصومكم الملتجئون إلى الله أن ينصفهم منكم، جزاء أفعالكم في يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، فقد عملتم كل هذا الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن لم يوجد لديكم حسنات مرصودة لكثرة الدائنين والمظالم التي تجرأتم عليها، فإن لهؤلاء الغرماء مكسبا عظيما بعدل الله وحكمته البالغة، بأن يؤخذ من سيئاتهم فترمى عليكم، ليزداد ثقلها ووزرها عليكم، لتحملوا أوزارا مع أوزاركم، لترديكم المهالك، والخسارة الأبدية، فماذا أعددتم لذلك الموقف من استعداد وحجة.

كل هؤلاء -نتيجة أعمالكم- خصوم ضدكم، يطلبون من عدل الله في يوم الجزاء والقصاص ورد المظالم أن يأخذ حقهم منكم؟! ولا يظلم ربك أحدا.

5 -

ثم إنكم تكفرون بجرأة: العلماء الأعلام، وولاة الأمور، وكل من لا يتفق مع رأيكم المنحرف، وأعمالكم السيئة الضالة.

وزاد في أمركم أن بعض المفتين لكم، لما تابوا من عملكم وعملهم معكم، بعدما بان لهم الحق كفرتموهم واتخذتم بدلهم مفتين

(1) يراجع في هذا أحاديث أحكام القتال والغزو جامع الأصول 2: 589 - 599.

ص: 310

مضللين غيرهم، حسب الأهواء، ألا تعلمون إثم الجرأة على الفتوى، يزيد في الإثم عندما يتعمد ذلك من لا علم عنده، ليحمل وزرا فوق وزره. فهل كانت تعاليم الإسلام، وشرع الله الذي بين عباده، يتبع الهوى، أو يخضع للعناد والمكابرة بل ليست الفتوى بضاعة تباع وتشترى، ألم يرد عنكم وينبه ضمائركم قول الحق تبارك وتعالى:{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} (1).

إنه يوم تخضع فيه رقاب الجبابرة لعظمة الله والخوف منه سبحانه، وأنتم أذلاء أمام الله عز وجل، قد تبرأ منكم من أوقعكم في المصيدة.

فبماذا تجيبون عندما تسألون يوم البعث والنشور، وأسلحتكم التي تهددون بها، وترفعونها في وجه كل من نصحكم، أو أدام مخاطبتكم، ليوضح لكم الحق، وتشيحون عنه، هذه الأسلحة ليست أمامكم في هذا الموقف.

فما موقفكم وأنتم أذلاء، والناس يقتص بعضهم من بعض، قد تكاثر أمام الله خصومكم، كل يقول: يا رب سل هؤلاء لماذا كفرونا يا رب سل هؤلاء، لماذا خرجوا عن طاعة ولاة الأمور

(1) سورة المؤمنون الآية 71

ص: 311

الذين ما عاهدناهم إلا محكمين لشريعتك، منفذين لحدودك، ودستورهم القرآن الكريم، ويشهدون لك بالوحدانية ويدعون لسبيلك بالحكمة والرفق، ويجادلون بالتي هي أحسن.

يا رب لماذا روعوا الآمنين، يا رب انتقم لنا ممن استهان بحرماتك، وتعدوا على حرمة بيتك المحرم، في مكة التي حرمها إبراهيم الخليل وفي المدينة التي حرمها محمد صلى الله عليه وسلم.

يا رب سل هؤلاء لماذا كفروا المسلمين، وشقوا عصا الطاعة، وقتلوا الأبرياء، رجالا ونساء وأطفالا ومستأمنين، فتكاثرت عليكم الاحتجاجات، وزادت المطالبات، فبماذا تجيبون وبأي لسان تدافعون عن أنفسكم، والأمور واضحة براهينها عليكم، بل تشهد بها عليكم أيديكم وأرجلكم وجلودكم، بعد أن أنطقها الله الذي أنطق كل شيء.

6 -

وأين أنتم بأعمالكم السيئة وقد خلعتم بيعة السلطان، وسعيتم في الخروج عليه، في جميع ديار المسلمين من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من مات وليس في عنقه بيعة لولي الأمر، مات ميتة الجاهلية (1)» ، وقوله صلى الله عليه وسلم:«اسمعوا وأطيعوا، وإن تأمر عليكم عبد حبشي (2)» .

(1) أخرجه مسلم عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما برقم 1815 في الإمارة.

(2)

رواه الإمام أحمد، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه، مسند الشاميين من مسند الإمام أحمد: 334 - 337.

ص: 312

حتى أكد عليه الصلاة والسلام لمن قال له «ولو أخذ مالي ولو جلد ظهري؟ قائلا: ولو أخذ مالك ولو جلد ظهرك (1)» .

ولماذا عصيتم والديكم لمن كانوا على قيد الحياة، في هذا الأمر ولم تستأذنوهم أو تخبروهم؟؟ لما للوالدين من حقوق وواجبات.

7 -

ولئن كنتم تدعون الجهاد، فلماذا لم تقرأوا أحكام الجهاد في الإسلام على المذاهب الأربعة لتعرفوا شروطه والتزاماته في شريعة الله "القرآن الكريم والسنة المطهرة"، لتدركوا رابطة ذلك بولي الأمر، ومن الذي يحق له رفع راية الجهاد ومتى، وما هي آدابه وتعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه.

8 -

ثم لماذا أخذتم برأي الخوارج في الجهاد، الذين كفروا عليا رضي الله عنه، وندبوا واحدا منهم، فقتله بعد ذلك وكفروا صحابة رسول الله وهم خير القرون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأباحوا دماءهم وأموالهم، وقد بانت آراء العلماء فيهم، منذ خرجوا على علي رضي الله عنه.

فما حجتكم في هذا أمام الله سبحانه يوم القيامة، وبماذا تجيبون وعلى رأي من تستندون؟

وهل يفتون عنكم، أو يغنون عنكم شيئا في ذلك الموقف الذي يقول فيه كل فرد: نفسي نفسي، اللهم سلم سلم.

(1) مسند أحمد (5/ 404).

ص: 313

9 -

ولما كانت الأحكام ليست بالهوى، ورغبات النفوس، فلماذا خنتم ما أوجب الله في شريعته، شريعة الإسلام التي لا يقبل الله من الثقلين غيرها، لأهل الذمة عقودهم، ولم تراعوا العهود والمواثيق التي أمر الله بالوفاء بها.

10 -

وهل غاب عمن يفتيكم، إن كان حريصا على الفتوى المستمدة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لماذا تعاميتم، وأنتم تبدعون مفتيا بان له الحق، وانتقد عملكم لتضعوا غيره، ممن يفتي بغير علم.

لأنكم تبحثون عمن يصدر قوله على هواكم، وتملون عليه الفتوى المناسبة لمن كان وراءكم وهي مخالفة لما جاء عند الله سبحانه، ولم يأذن بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفترون على الله الكذب وأنتم تعلمون، وفي هذا مشابهة لأهل الكتاب الذين ذمهم الله سبحانه، في آيات كثيرة منها قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (1).

فهل رددتم كل عمل قمتم به إلى كتاب الله، وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تعرفوا الحق بدليله .. الواقع ينفي ذلك؛ لأن

(1) سورة النساء الآية 59

ص: 314

الأمة بقيادتها وعلمائها، وكافة طبقاتها تخالفكم فيما قمتم به، وتنكر تصرفاتكم، وجاء في الأثر: ما رآه المؤمنون حسنا فهو حسن، وما رأوه قبيحا فهو قبيح (1).

- وأيضا هل في قلوبهم إيمان، ممن خاطبهم الله جل وعلا، مرتين في أول الآية وفي ختامها التي مرت بنا، حيث بان من أعمالكم مخالفة أمر الله في هذه الآية، وبإصرار.

وحيث عصيتم أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام، في أحاديث كثيرة وصريحة، ومنها قوله الكريم:«لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال (2)» . وأنتم تلبسون ملابس النساء، لتغدروا وتتسلطوا، وتخدعوا الآخرين، فأوجبتم بالإصرار على هذا الأمر لعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوته على من عمل هذا العمل، واللعن: يعني الطرد من رحمة الله، نعوذ بالله من ذلك، ونسأل الله العافية.

فهل قست قلوبكم وكانت كالحجارة أو أشد قسوة، ولم تصغ للنداءات والمواعظ، ولا لتبديع أعمالكم التي تتكرر.

(1) موقوف على أحد الصحابة.

(2)

حديث صحيح رواه أبو داود برقم 4098 في اللباس، وإسناده حسن من طريق أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 315

بل لم تلن قلوبكم لذكر الله، لتعود إلى الحق، وتتوب من عمل يخالف شرع الله، والحق أحق أن يتبع.

ص: 316

11 -

إنها تساؤلات كثيرة، وكل سؤال يحتاج جواب إلى مراقبة الله، وعدم اتباع الهوى أو إثبات طريق الضلال، في تحريم الحلال وتحليل الحرام حول إصراركم وتصرفاتكم، وتسببكم في ترمل نساء وتيتيم أطفال لا ذنب لهم ولا ناصر إلا الله، وأنعم به من ناصر سبحانه.

إن تعمقكم في دلالة النصوص الشرعية في كل تصرف قمتم به، خير معين لإخراجكم من الفتن، والابتعاد عن طريقها، وجلساء السوء الذين يدفعونكم إليها.

ذلك أن الإصرار على الباطل والخروج على ولاة الأمور والتشبه بالفرق الضالة المنحرفة، والتجرؤ على حرمات الله وموالاة من حاد الله ورسوله، من أعظم الجرأة على الله.

كما أن التصرفات التي برزت منكم: الترهيب وبث الرعب، والتخريب والتفجيرات التي نتيجتها القتل والتدمير، والترويع للآمنين، وتكفير خيرة علماء الأمة في هذا الزمان، ولا نزكي على الله أحدا، وإنما نحسبهم كذلك للإجماع على تفضيلهم، والأمة لا تجتمع على ضلالة في مقدمتهم الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ

ص: 316

محمد بن عثيمين، والشيخ ناصر الدين الألباني، وهيئة كبار العلماء بالمملكة، وعلماء الإسلام كافة وحكامهم في العالم الإسلامي كله.

وهؤلاء وغيرهم ممن شهد لهم القاصي والداني بالورع والعلم والأمانة .. كل هذا من التعدي والظلم والقول على الله، وعلى رسوله بغير الحق.

12 -

كما تجرأتم على الإفتاء بتكفير حكام هذه البلاد خاصة الذين بايعتهم الأمة، والعلماء والعقلاء بإقامة شرع الله، على نهج كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا توجد دولة دستورها القرآن الكريم، وتطبق شرع الله وحدوده على الجميع، إلا هذه البلاد، بل لا يوجد في وثائق الأمم المتحدة منذ تأسست وحتى اليوم، دولة على وجه الأرض، دستورها نسخة من كتاب الله غير هذه الدولة، فهل تريدون بعملكم طمس الحق، وإظهار الباطل، واتباع منهج من لم يحكم بما أنزل الله، عندما فتحتم باب الفتنة بذلك الأمر، كما قال عنكم: خالد الفراج الذي قتلتم والده، فبان له باطلكم، وتبرأ منكم بل بلغت بكم الجرأة إلى تكفير جده- الذي لقي ربه من زمن- عندما قال لكم عنه: إنه يدعو لولي الأمر منذ عشرات السنين، وكأنكم بهذا تلحقون به الإمام أحمد رحمه الله الذي يقول، مع ما أصابه من محنة وتنكيل: لو كان لي دعوة

ص: 317

مستجابة لصرفتها إلى ولي الأمر؛ لأن صلاحه صلاح للأمة (1). فاتقوا الله في أنفسكم قبل فوات الأوان، وهل تريدون استبدال شرع الله بالأهواء وحكم الجاهلية، ومن ثم الضياع والمعصية لله علنا، مما يوجب غضب الله، ونقمته، بل هل فكرتم في مثل هذه العاقبة فحاسبوا أنفسكم قبل كل شيء وأعرضوا كل أمر على وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأمته بقوله الكريم:«تركت فيكم .. مما لن تضلوا إذا تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي (2)» .

وتحذيره عليه الصلاة والسلام من الاختلاف والفرقة، وما يدعو إليهما من قول أو عمل، وتمعنوا في واقع حالكم، قبل فوات الأوان، ولا تستسلموا لشياطين الإنس والجن وأعوانهم، فإنما يريدون أن يجعلوكم وقود فتنة عارمة، رأيتم أثرها فيما تساقط من ربعكم، وتوبوا إلى الله، ما دام باب التوبة مفتوحا، وتمعنوا فيمن يدفعكم إلى هذه الفتنة أين هو؟!!

هل دخل معكم هذا العمل؟ هل أبرز نفسه؟ أم اختبأ مع الكفار الذين يوجهون، ويدفعون لتأجيج هذا العمل: رغبة في بث الرعب والفوضى، في بلاد المسلمين في حرب معلنة على شرع الله

(1) تراجع صحيفة الجزيرة عدد يوم السبت 18/ 8/1425 هـ ص 7 في مقابلة مع خالد الفراج.

(2)

رواه مالك في الموطأ رقم 3 باب الغدر جامع الأصول 1: 277.

ص: 318

ودينه الحق.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا بريء ممن أقام بين ظهراني المشركين (1)» ، ولعل هذا كاف لمن في قلبه إيمان وخوف من الله، ليتدارك أمره قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها.

13 -

كما أن هناك أسئلة قابلة للطرح عديدة لا يتسع المجال لها، قدمنا لكم بعضها، وهي تدعو للإجابة الصريحة الصادقة، ومن ثم الاستئناس بها، مدعومة بقال الله، وقال رسوله، وما ثبت عن الخلفاء الراشدين، والصحابة الكرام، وأيده التابعون، ومن جاء بعدهم بإحسان. بعيدة عن النزعات الشخصية، والآراء الفردية، والتعصب الأعمى، الذي يقود إلى الضلال، والطريق المظلم.

كما أن أعمالكم التي قمتم بها، وسعيتم في تأجيج نارها، في هذه البلاد الآمنة المطمئنة، أنكرها عليكم الخاص والعام، جاءت نتائجها غير مريحة لكم، ولمن وراءكم إذ ازداد التلاحم بين المواطن وولاة الأمر والعلماء.

ولم تخدم إلا أعداء الله، وأعداء دينه الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا بل أحدثت صدى سيئا أضر بالدعوة الإسلامية

(1) رواه الترمذي وأبو داود والنسائي عن جرير بن عبد الله جامع الأصول 4: 445 وقال: أثر يروى لبعض الصحابة.

ص: 319

في كل مكان، وضيقا نتيجة لأعمالكم على المسلمين في ديار الغرب: في العبادات والأعمال الخيرية: وفي اللباس وفي حجاب المرأة وأحدثت رد فعل على كل عمل يرتبط بالمسلمين في مجالات عديدة.

فأحزن ذلك كل مسلم غيرته على دين الله الذي طعن ممن ينتمون إليه، وفرح من يضمر الشر للإسلام وأهله: بدين الله وبالبلاد .. وتطاولوا على كتاب الله بالبهتان، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقواله بالحقد والكذب.

فكيف رضيتم لأنفسكم بالسنة السيئة، التي تتحملون وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام. نقول: فهل يرضيكم، وأنتم من بيوت مسلمة، وترعى أمانة الله، بأن تكونوا موالين لأعداء الله، ومخلب قط للحاقدين والأعداء .. والسير في الدرب الذي كانوا يتوقون إليه، ولكن منعهم من ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«نصرت بالرعب مسيرة شهر (1)» .

(1) رواه البخاري ومسلم والنسائي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما جامع الأصول 8: 529، 530.

ص: 320

ففتح عملكم الذي قمتم به، لهم الأمل بكسر هذا الطوق، وتجرأتم بالاستهانة بأمور كبيرة في دينكم، فأدركوا- وهم أعداء لله ولدينه- أن الله سيتخلى عنكم. بمخالفتكم أوامره سبحانه، وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يهون عليهم الغدر بكم؛ لأنهم استخفوا بكم، ويريدون تحقيق مآربهم بواسطتكم:" من عصاني وهو يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني "(1).

وفيما بقي من الوقت نرجو أن تراجعوا أنفسكم وأن تتوبوا إلى الله توبة نصوحا والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وجددوا إيمانكم، واستمعوا إلى هذا النداء من رب العزة والجلال واعملوا به:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (2) ذلك أن الرجوع إلى الحق فضيلة، ومنقبة حميدة، والتمادي في الباطل خسارة وضياع واعتبروا بمن تاب ورجع عن هذا المسلك، وما عبروا عنه من راحة وإكرام.

14 -

أما بعد هذا الحوار، فقد أعذرنا، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ذلك أن شريعة الله لعباده قد جاءت منذرة للإنسان ومحركة لنبضة الإيمان في قلبه: بالبيان والرفق، والقول الحسن وبالجزاء لمن أطاع، والعقاب لمن عاند وعصا.

(1) أثر يروى لبعض الصحابة رضي الله عنهم.

(2)

سورة النور الآية 31

ص: 321

وهذه المعصية جاء الخطاب فيها: من الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، على مراحل: الإنذار، ثم التخويف من سوء العاقبة، ومن لم تفد فيه هذه الأمور، فإن الجزاء على الحدود والمعاصي رادع، ومنها لسد باب الفتن، جزاء الحرابة في سورة المائدة (1)؛ لأن من لم يكن في قلبه واعظ، لا تنفعه المواعظ .. وقد جعل الله لولي الأمر سلطة يردع الله بها المسيء وتخيف من في قلبه مرض، ويروى لعثمان بن عفان الخليفة الراشد قوله: يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

وإذا كان الأطباء يرون بتر العضو الفاسد من جسم الإنسان حتى لا يتسبب في موت المريض، فإن في أحكام الله كالحرابة، وقطع يد السارق، وقتل الزاني المحصن، وغيرهم صلاحا للمجتمع، وتخويفا عن الجريمة والسعي فيها .. ولله الحكمة البالغة في تشريعه؛ لأنه أعلم بما يصلح العباد والبلاد سبحانه، وهو بعباده جل وعلا روؤف رحيم، تواب غفور.

(1) سورة المائدة، الآيتان 32، 33.

ص: 322