الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على التوقف، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:(وعلى هذا فلا ينبغي للإنسان أن يشغل نفسه بشيء لم تثبت مشروعيته ويشتغل بما هو مشروع وواضح، أقول كل الأحاديث الضعيفة في إثبات سنة من السنن لا يجوز العمل بها لأن من شرط العبادات أن تكون مشروعة وإذا كان الحديث ضعيفا لم تثبت المشروعية وعلى هذا فلا يعمل بأي حديث ضعيف في مشروعية شيء من السنن لا في صلاة ولا زكاة ولا حج ولا صوم)(1).
وفي الختام أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الجهد، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
(1) فتاوى نور على الدرب (1/ 1610).
القسم الأول: أثر الصلاة في القضاء الحاجات وكشف الكربات:
رأيت من المناسب قبل الحديث عن الروايات الواردة في شأن صلاة الحاجة، أن أضع بين يدي القارئ الكريم توطئة موجزة عن أثر الصلاة في قضاء الحاجات وكشف الكربات؛ لذا أقول:
أخي المسلم: إن للصلاة منزلة عظيمة في دين الإسلام، فهي ثاني أركانه بعد الشهادتين، وهي الفيصل بين إسلام المرء وكفره،
وقد وردت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تبين لزومها وعظم مكانتها، وليس ذا مجال ذكرها وسردها.
ولا شك أن من أعظم ما يبين فضلها ومنزلتها أن الله تعالى أمر عباده المؤمنين بالاستعانة بها في أمور الدنيا، فجعلها سببا في قضاء الحاجات، ودفع الكربات، وجلب الرزق والخيرات، قال تعالى:{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (1).
وقد أدرك ذلك المعلم الأول: محمد صلى الله عليه وسلم، «فكان إذا حزبه (3)»
وحينما فسر المفسرون رحمهم الله قوله تعالى {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (4) ذكروا أن جماع الخير في الدنيا والآخرة أن يستعين المرء بالصلاة لتكون سببا في تحصيل مقصوده ودفع همومه وكروبه، واستدلوا على ذلك بفعله صلى الله عليه وسلم.
(1) سورة البقرة الآية 45
(2)
أخرجه أبو داود في سننه (ح 1319)، من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، وقال ابن حجر في الفتح (3/ 172): إسناده حسن.
(3)
(2) أمر فزع إلى الصلاة
(4)
سورة البقرة الآية 45
قال ابن كثير (1) (يقول تعالى آمرا عبيده فيما يأملون من خير الدنيا والآخرة بالاستعانة بالصبر والصلاة كما قال مقاتل بن حيان في تفسير هذه الآية: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلاة
…
والصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر
…
قال حذيفة يعني ابن اليمان رضي الله عنهما: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى (2)» .
وقال الزمخشري (3){وَاسْتَعِينُوا} (4) على حوائجكم إلى الله {بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} (5) أي بالجمع بينهما وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب وحفظ النيات ودفع الوساوس ومراعاة الآداب والاحتراس من المكاره مع الخشية والخشوع، واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السماوات ليسأل فك الرقاب عن سخطه وعذابه، ومنه قوله تعالى:{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} (6) أي واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (7)» ،
(1) تفسير ابن كثير (1/ 88).
(2)
سنن أبي داود الصلاة (1319)، مسند أحمد (5/ 388).
(3)
الكشاف (1/ 162).
(4)
سورة البقرة الآية 45
(5)
سورة البقرة الآية 45
(6)
سورة طه الآية 132
(7)
سنن أبي داود الصلاة (1319)، مسند أحمد (5/ 388).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه نعي إليه أخوه قثم رضي الله عنه وهو في سفر، فاسترجع وتنحى عن الطريق، فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول:{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} (1)(2).
وقال أبو السعود (3) (استعينوا على حوائجكم
…
بالصوم
…
والتوسل في الصلاة والالتجاء إليها، فإنها جامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية من الطهارة وستر العورة وصرف المال فيهما والتوجه إلى الكعبة والعكوف على العبادة وإظهار الخشوع بالجوارح وإخلاص النية بالقلب ومجاهدة الشيطان ومناجاة الحق وقراءة القرآن والتكلم بالشهادة وكف النفس عن الأطيبين حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب وجبر المصائب، روي أنه عليه السلام «كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (4)» .
ويوضح الإمام الشنقيطي هذا الأمر بشكل أكثر، فيقول (5) (وأما نتيجة الاستعانة بالصلاة فقد أشار لها تعالى في آيات من كتابه
(1) سورة البقرة الآية 45
(2)
أخرجه ابن جرير في تفسيره (1/ 260)، وقال ابن حجر في الفتح (3/ 172): إسناده حسن.
(3)
إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم (1/ 98).
(4)
سنن أبي داود الصلاة (1319)، مسند أحمد (5/ 388).
(5)
أضواء البيان (1/ 35).
فذكر أن من نتائج الاستعانة بها النهي عما لا يليق وذلك في قوله: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (1) وأنها تجلب الرزق وذلك في قوله: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} (2) ولذا «كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة (3)» .
وقال أيضا (4) رحمه الله: (اعلم أن ترتيبه جل وعلا الأمر بالتسبيح والسجود على ضيق صدره صلى الله عليه وسلم بسبب ما يقولون له من السوء دليل على أن الصلاة والتسبيح سبب لزوال ذلك المكروه؛ ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة وقال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} (5) .... فينبغي للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله تعالى بأنواع الطاعات من صلاة وغيرها).
وقال المناوي كلاما نفيسا حول هذا الموضوع، فقال بعد كلام سبق (6)(فإن في الصلاة شفاء من الأمراض القلبية والبدنية، والهموم والغموم قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (7)، ولهذا «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إليها (8)» ،
(1) سورة العنكبوت الآية 45
(2)
سورة طه الآية 132
(3)
سنن أبي داود الصلاة (1319)، مسند أحمد (5/ 388).
(4)
المصدر السابق (2/ 323).
(5)
سورة البقرة الآية 45
(6)
فيض القدير (4/ 527).
(7)
سورة البقرة الآية 45
(8)
سنن أبي داود الصلاة (1319)، مسند أحمد (5/ 388).