الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
- أن المتكلم بكلام طيب مثل المتصدق بالمال.
- يحسن بالمسلم أن يعود لسانه الكلام الحسن كي يكون عادة له وسجية.
يبقى أن ننظر هل راعى المسلمون في خطابهم وكلامهم هذا الأصل العظيم؟
وهل فكر المسلم بأثر الكلمة التي سوف يتلفظ بها؟
وهل راعى الخاصة من أهل العلم في محاوراتهم ومناقشاتهم العلمية هذا الأدب النبوي الرفيع؟ كم ترى من بعض الخاصة من يتهجم على أخيه ويشنع عليه بألفاظ لا يليق رميها على آحاد الناس فضلا عن أهل العلم والفضل من أجل خلاف حول مسألة علمية قابلة للاجتهاد والأخذ والرد، فأين هؤلاء عن هذا الهدي النبوي الشريف؟!
المبحث الثالث: اجتناب الكلام الفاحش والألفاظ السيئة:
ويدخل تحت هذا الأصل النهي عن الكذب، والقذف، والسب واللعن والشتم والغيبة والنميمة، والسخرية من الآخرين، والتشدق في الكلام وتكلف السجع، والألفاظ المنهي عنها، والعبارات الموهمة المجملة التي تحتمل حقا وباطلا، واجتناب الكلمات والألفاظ الأعجمية، وتسمية الأشخاص عند نقدهم من غير حاجة ضرورية، وأشد من ذلك كله تكفير المسلم ورميه بالنفاق.
قال ابن القيم: " والأقوال التي ذكرها الله في كتابه الكريم أكثر من أن تعد كالقول الخبيث، والقول الباطل، والقول عليه بما لا يعلم القائل، والكذب، والافتراء، والغيبة، والتنابز بالألقاب، والتناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وتبييت ما لا يرضى من القول، وقول العبد بلسانه ما ليس في قلبه، وقوله ما لا يفعله، وقول اللغو، وقول ما لم ينزل الله به سلطانا، والقول المتضمن للمعاونة على الإثم والعدوان، وأمثال ذلك من الأقوال المسخوطة والمبغوضة للرب تعالى التي كلها قبيحة لا حسن فيها ولا أحسن "(1).
فمن الأحاديث العظيمة الواردة في هذا الأصل:
(1)
عن أنس رضي الله عنه قال: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا لعانا ولا سبابا كان يقول عند المعتبة: ما له ترب جبينه (2)»
(2)
عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:«لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي (3)»
(1) السماع لابن القيم (ص 20).
(2)
أخرجه: البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعن (رقم 6046).
(3)
أخرجه: البخاري، كتاب الأدب، باب لا يقل خبثت نفسي (رقم 6179) واللفظ له، ومسلم، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب كراهة قول الإنسان خبثت نفسي (رقم 5878).
(3)
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم (1)»
(4)
عن مسروق قال: قالت عائشة رضي الله عنها: " صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخطب فحمد الله ثم قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية (2)»
(5)
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله
(1) أخرجه: مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي من قول هلك الناس (رقم 6683)، قال ابن الأثير:" فهو أهلكهم يروى بفتح الكاف وضمها: فمن فتحها كانت فعلا ماضيا، ومعناه أن الغالين الذين يؤيسون الناس من رحمة الله يقولون: هلك الناس أي استوجبوا النار بسوء أعمالهم فإذا قال الرجل ذلك فهو الذي أوجبه لهم لا الله تعالى أو هو الذي لما قال لهم ذلك وآيسهم حملهم على ترك الطاعة والانهماك في المعاصي فهو الذي أوقعهم في الهلاك، وأما الضم فمعناه: أنه إذا قال لهم ذلك فهو أهلكهم أي أكثرهم هلاكا وهو الرجل يولع بعيب الناس ويذهب بنفسه عجبا ويرى له عليهم فضلا ". النهاية في غريب الأثر (5/ 268).
(2)
أخرجه: البخاري، كتاب الأدب، باب من لم يواجه الناس بالعتاب (رقم 6101) واللفظ له، ومسلم، كتاب الفضائل، باب علمه صلى الله عليه وسلم بالله تعالى وشدة خشيته (رقم 6109).
- صلى الله عليه وسلم: «أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه (1)»
(6)
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر (2)»
(7)
عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خذوا ما عليها ودعوها؛ فإنها ملعونة (3)» . قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد
ففي هذه النصوص جملة من الفوائد:
- عناية النبي صلى الله عليه وسلم بتربية الأمة على اختيار الألفاظ الحسنة
(1) أخرجه: البخاري، كتاب الأدب، باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال (رقم 6104)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان حال الإيمان من قال لأخيه المسلم يا كافر، واللفظ له (رقم 216).
(2)
أخرجه: البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعن (رقم 6044)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي صلى الله عليه وسلم سباب المسلم فسوق وقتاله كفر (رقم 221).
(3)
أخرجه: مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها (رقم 6604).
الطيبة، واجتناب الألفاظ القبيحة والسيئة، قال ابن القيم تعليقا على الحديث رقم (2)«نهى أن يقول الرجل خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي (1)» ، سدا لذريعة اعتياد اللسان الكلام الفاحش، وسدا لذريعة اتصاف النفس بمعنى هذا اللفظ؛ فإن الألفاظ تتقاضى معانيها وتطلبها بالمشاكلة والمناسبة التي بين اللفظ والمعنى، ولهذا قل من تجده يعتاد لفظا إلا ومعناه غالب عليه، فسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذريعة الخبث لفظا ومعنى " (2) وقال أيضا:" فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظ " الخبث " لبشاعته، وأرشدهم إلى العدول إلى لفظ هو أحسن منه، وإن كان بمعناه تعليما للأدب في المنطق، وإرشادا إلى استعمال الحسن، وهجر القبيح من الأقوال، كما أرشدهم إلى ذلك في الأخلاق والأفعال "(3).
- خطورة رمي الناس بما ليس فيهم وترتيب الوعيد الشديد على ذلك، وكذلك التعميم في الخطاب أو التسمية لغير الحاجة الضرورية.
- ويجتنب في الخطاب الكلمات التي تحمل معنى التهويل والتعظيم.
(1) صحيح البخاري الأدب (6180)، صحيح مسلم الألفاظ من الأدب وغيرها (2251)، سنن أبي داود الأدب (4978).
(2)
إعلام الموقعين (3/ 361).
(3)
الطرق الحكمية (ص 43).
- الناس ينفرون من الشخص سليط اللسان، أو الفظ الغليظ، أو المتعصب المتنطع، قال تعالى:{وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (1) وكلما كان المرء لين الحديث، بعيدا عن الجدال ينتقي الكلمات اللطيفة والأجوبة الرفيقة، ويقابل الإساءة بالإحسان كلما كان محبوبا مقبولا لدى الآخرين.
- إن الأدب في الخطاب لا يقتصر على الإنسان بل يتعدى إلى الحيوان فلا يجوز لعنه أو سبه فتأمل عناية الإسلام بضبط لسان المسلم والصرامة في ذلك .. فأين نحن عن هذه الآداب العظيمة؟!.
تنبيهان:
- تفنن أئمة الحديث في كتبهم في التعبير عن هذا الأصل من خلال الكتب والأبواب التي عقدوها في مصنفاتهم، فقد عقد الإمام مسلم بن الحجاج في كتابه الصحيح كتابا بعنوان " الألفاظ من الأدب وغيرها " ذكر فيه جملة من الألفاظ المنهي عن التلفظ بها، وكذلك الإمام أبو داود في سننه عقد بابا بعنوان " حفظ المنطق" وكذلك الإمام البيهقي
(1) سورة آل عمران الآية 159