الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإن كثيرا ممن كتب في شرح هذا الحديث اعتنى ببسط مسائله المختلفة، إلا أن التركيز على مسائله العقدية من أهم المهمات، فرأيت أن الحديث بحاجة إلى دراسة عقدية تبرز ما فيه من مسائل.
وقد بدأت البحث بمقدمة ذكرت فيها أهمية وسبب الكتابة في هذا الموضوع، ثم تمهيدا ذكرت فيه الحديث ومكانته وشرحه إجمالا.
بعد ذلك قسمت البحث إلى ثلاثة مباحث، كل فقرة في الحديث جعلتها في مبحث مستقل.
ثم ختمت هذه الدراسة بخاتمة كتبت فيها أهم ما توصلت إليه إجمالا.
التمهيد:
* متن الحديث:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن "لو"
تفتح عمل الشيطان (1)»
وفي رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان (2)»
وفي رواية: عن أبي هريرة، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال:«المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، ولا تعجز، فإن غلبك أمر، فقل: قدر الله وما شاء فعل، وإياك واللو، فإن اللو تفتح عمل الشيطان (3)»
(1) رواه مسلم في صحيحه، كتاب القدر (46)، باب (8) في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله، وتفويض المقادير لله (4/ 2052).
(2)
رواه ابن ماجه في سننه، المقدمة، باب (10)، ح (79)(1/ 31)، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب آداب القاضي، باب فضل المؤمن القوي الذي يقوم بأمر الناس، ويصبر على أذاهم (10/ 89).
(3)
رواه ابن ماجه في سننه، كتاب (37) الزهد، باب (14) التوكل واليقين، ح (4168)(2/ 1395)، والإمام أحمد في المسند (2/ 366، 370).
مكانة الحديث:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا حديث عظيم - وكل أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عظيمة وشريفة -، فهو خبر نبوي عظيم بالخيرية للمؤمن القوي، وأوامر نبوية كريمة عظيمة الشأن بالحرص على كل ما ينفع الإنسان في دنياه وآخرته، والاستعانة بالله عز وجل، وعدم العجز.
وشمل الحديث أيضا توجيها نبويا كريما بصدق التوكل على الله عز وجل مع الأخذ بالأسباب وتفويض المقادير لله، والابتعاد عما يفتح على الإنسان عمل الشيطان.
وقد اشتمل هذا الحديث على مسائل عقدية تعد أصولا عظيمة من أصول الإيمان:
أحدها: أن الله سبحانه موصوف بالمحبة، وأنه يحب حقيقة.
الثاني: أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها، فهو القوي، ويحب المؤمن القوي، وهو وتر يحب الوتر، وجميل يحب الجمال، وعليم يحب العلم، ونظيف يحب النظافة، ومؤمن يحب المؤمنين، ومحسن يحب المحسنين، وصابر يحب الصابرين، وشاكر يحب الشاكرين.
ومنها أن محبته للمؤمنين تتفاضل فيحب بعضهم أكثر من بعض.
الثالث: إخلاص العبادة لله وحده، والتوكل عليه والاستعانة به، والإيمان بالقضاء والقدر.
ومما يدل على مكانته: اختيار الإمام النووي - له ليكون ضمن كتابه القيم " رياض الصالحين " ووضعه في باب المجاهدة وكان رقمه السادس في الباب والمائة من جملة الأحاديث التي بلغت (1896) حديثا، وقد قال في مقدمتها:
" فرأيت أن أجمع مختصرا من الأحاديث الصحيحة، مشتملا على ما يكون طريقا لصاحبه إلى الآخرة، ومحصلا لآدابه الباطنة والظاهرة، جامعا للترغيب والترهيب، وسائر أنواع آداب السالكين، من أحاديث الزهد، ورياضات النفوس، وتهذيب الأخلاق، وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح وإزالة اعوجاجها، وغير ذلك من مقاصد العارفين "(1).
(1) رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، أبي زكريا بن شرف النووي، دار الكتاب الإسلامي، ص (3).
ويقول الإمام ابن القيم - عن أهمية هذا الحديث:
"إنه مما لا يستغني عنه العبد أبدا، بل هو أشد شيء إليه ضرورة وهو يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار والقيام والعبودية ظاهرا وباطنا في حصول المطلوب وعدمه، وبالله التوفيق"(1).
ويقول - أيضا -: " عن قوله عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز (2)» فالدين كله ظاهره وباطنه، شرائعه وحقائقه، تحت هذه الكلمات النبوية، والله أعلم "(3).
* شرح الحديث إجمالا:
قوله: «المؤمن القوي (4)» هو من يقوم بالأوامر، ويترك النواهي بقوة ونشاط، ويصبر على مخالطة الناس ودعوتهم، ويصبر على أذاهم. أي: القوي في إيمانه، وليس المراد القوي في بدنه؛ لأن قوة البدن ضرر على الإنسان إذا استعمل هذه القوة في معصية الله.
فقوة البدن ليست محمودة ولا مذمومة في ذاتها، إذا كان الإنسان استعمل هذه القوة فيما ينفع في الدنيا والآخرة صارت
(1) شفاء العليل (1/ 59).
(2)
صحيح مسلم القدر (2664)، سنن ابن ماجه الزهد (4168)، مسند أحمد (2/ 370).
(3)
مدارج السالكين، تحقيق: محمد حامد الفقي (3/ 501).
(4)
صحيح مسلم القدر (2664)، سنن ابن ماجه الزهد (4168)، مسند أحمد (2/ 370).
محمودة، وإن استعان بهذه القوة على معصية الله صارت مذمومة ".
يقول الشيخ العثيمين -: " لكن القوة في قوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي (1)» أي: قوي في الإيمان، ولأن كلمة القوي تعود إلى الوصف السابق وهو الإيمان، كما تقول: الرجل القوي، أي: في رجولته، كذلك المؤمن القوي في إيمانه؛ لأن المؤمن القوي في إيمانه تحمله قوة إيمانه على أن يقوم بما أوجب الله عليه، وعلى أن يزيد من النوافل ما شاء الله، والضعيف الإيمان يكون إيمانه ضعيفا لا يحمله على فعل الواجبات وترك المحرمات فيقصر كثيرا "(2).
وقوله: " خير " يعني خير من المؤمن الضعيف، وأحب إلى الله.
ثم قال صلى الله عليه وسلم: «وفي كل خير (3)» يعني المؤمن القوي، والمؤمن الضعيف كل منهما فيه خير.
وإنما قال: «وفي كل خير (4)» لئلا يتوهم أحد من الناس أن
(1) صحيح مسلم القدر (2664)، سنن ابن ماجه الزهد (4168)، مسند أحمد (2/ 370).
(2)
شرح رياض الصالحين (1/ 459).
(3)
صحيح مسلم القدر (2664)، سنن ابن ماجه الزهد (4168)، مسند أحمد (2/ 370).
(4)
صحيح مسلم القدر (2664)، سنن ابن ماجه الزهد (4168)، مسند أحمد (2/ 370).
المؤمن الضعيف لا خير فيه، بل المؤمن الضعيف فيه خير، فهو خير من الكافر لا شك.
وهذا الأسلوب يسميه البلاغيون: الاحتراس، وهو أن يتكلم الإنسان كلاما يوهم معنى لا يقصده، فيأتي بجملة تبين أنه يقصد المعنى المعين (1).
وقوله صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز (2)» أي: احرص على طاعة الله تعالى، والرغبة فيما عنده، واطلب الإعانة من الله تعالى على ذلك، ولا تعجز ولا تكسل عن طلب الطاعة، ولا عن طلب الإعانة.
ومعنى «احرص على ما ينفعك (3)» ، " أي: اهتم بما ينفعك اهتمام الحريص الذي يحتاط كثيرا في الأمور " (4).
وهذه الكلمة جامعة عامة: «على ما ينفعك (5)» أي: على كل
(1) شرح رياض الصالحين (1/ 459).
(2)
صحيح مسلم القدر (2664)، سنن ابن ماجه الزهد (4168)، مسند أحمد (2/ 370).
(3)
صحيح مسلم القدر (2664)، سنن ابن ماجه الزهد (4168)، مسند أحمد (2/ 370).
(4)
منهج الواردين شرح رياض الصالحين، د صبحي الصالح، دار العلم للملايين، بيروت (1/ 112).
(5)
صحيح مسلم القدر (2664)، سنن ابن ماجه الزهد (4168)، مسند أحمد (2/ 370).
شيء ينفعك سواء في الدين أو في الدنيا، فإذا تعارضت منفعة الدين ومنفعة الدنيا، فإنها تقدم منفعة الدين؛ لأن الدين إذا صلح صلحت الدنيا، أما الدنيا إذا صلحت مع فساد الدين فإنها تفسد.
فقوله: «على ما ينفعك (1)» يشمل منافع الدين والدنيا، وعند التعارض تقدم مصلحة الدين.
وفي قوله: «احرص على ما ينفعك (2)» إشارة إلى أنه إذا تعارض منفعتان إحداهما أعلى من الأخرى فإننا نقدم المنفعة العليا، لأن المنفعة العليا فيها المنفعة التي دونها وزيادة، وبالعكس إذا كان الإنسان لا بد أن يرتكب منهيا عنه من أمرين منهي عنهما وكان أحدهما أشد؛ فإنه يرتكب الأخف، فالمناهي يقدم الأخف منها، والأوامر يقدم الأعلى منها (3).
وقوله صلى الله عليه وسلم: «واستعن بالله (4)» أي: توكل عليه والجأ إليه، ولا تنس الاستعانة بالله ولو على الشيء اليسير.
يقول الشيخ العثيمين: " ما أروع هذه الكلمة بعد قوله: «احرص على ما ينفعك (5)» ؛ لأن الإنسان إذا كان عاقلا ذكيا فإنه يتتبع المنافع
(1) صحيح مسلم القدر (2664)، سنن ابن ماجه الزهد (4168)، مسند أحمد (2/ 370).
(2)
صحيح مسلم القدر (2664)، سنن ابن ماجه الزهد (4168)، مسند أحمد (2/ 370).
(3)
شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (1/ 460 - 461).
(4)
صحيح مسلم القدر (2664)، سنن ابن ماجه الزهد (4168)، مسند أحمد (2/ 370).
(5)
صحيح مسلم القدر (2664)، سنن ابن ماجه الزهد (4168)، مسند أحمد (2/ 370).
ويأخذ بالأنفع، وربما تغره نفسه حتى يعتمد على نفسه وينسى الاستعانة بالله، وهذا يقع لكثير من الناس، حيث يعجب بنفسه ولا يذكر الله عز وجل ويستعين به، فإذا رأى من نفسه قوة على الأعمال وحرصا على النافع وفعلا له، أعجب بنفسه ونسي الاستعانة بالله " (1).
وقوله صلى الله عليه وسلم: «واستعن بالله (2)» دلالة على أن يستعان بالله دون غيره، وأن لا يعتمد على مخلوق، فالاستعانة هي طلب العون، ولا يطلب العون من أي إنسان " إلا للضرورة القصوى، ومع ذلك إذا اضطررت إلى الاستعانة بالمخلوق فاجعل ذلك وسيلة وسببا، لا ركنا تعتمد عليه "(3).
يقول ابن رجب: " وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصلحة، ودفع مضرة، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل فمن أعانه الله فهو المعان .... ، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات "(4).
(1) المصدر السابق.
(2)
صحيح مسلم القدر (2664)، سنن ابن ماجه الزهد (4168)، مسند أحمد (2/ 370).
(3)
المصدر السابق (2/ 425، 453).
(4)
جامع العلوم والحكم، ص (168).
وقوله: " لا تعجز " - بكسر الجيم وهو الأفصح - أي لا تفرط في طلب ذلك ولا تضعف عن القيام به، ولا تكسل وتتأخر في العمل إذا شرعت فيه، بل استمر؛ لأنك إذا تركت ثم شرعت في عمل آخر، ثم تركت ثم شرعت ثم تركت ما تم لك عمل.
وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يبدأ بالأهم الذي تحرك من أجله (1).
وقوله: «فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا (2)» .
يعني: بعد أن تحرص وتبذل الجهد وتستعين بالله وتستمر، ثم يخرج الأمر على خلاف ما تريد فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا؛ لأن هذا أمر فوق إرادتك. أنت فعلت الذي تؤمر به، ولكن الله عز وجل غالب على أمره {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (3).
فالإنسان إذا بذل ما يستطيع بذله، وأخلفت الأمور فحينئذ يفوض الأمر إلى الله؛ لأنه فعل ما يقدر عليه، ولهذا قال:" وإن أصابك شيء " يعني: بعد بذل الجهد والاستعانة بالله عز وجل، " فلا تقل
(1) جامع العلوم والحكم، ص (168)، ومنهل الواردين، د صبحي الصالح (1/ 112).
(2)
صحيح مسلم القدر (2664)، سنن ابن ماجه الزهد (4168)، مسند أحمد (2/ 370).
(3)
سورة يوسف الآية 21
لو أني فعلت لكان كذا وكذا ".
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -: " فأمره بالحرص على ما ينفعه، والاستعانة بالله ونهانا عن العجز الذي هو الاتكال على القدر، ثم أمره إذا أصابه شيء أن لا ييأس على ما فاته، بل ينظر إلى القدر ويسلم الأمر إلى الله، فإنه هنا لا يقدر على غير ذلك كما قال بعض العقلاء:
الأمور أمران: أمر فيه حيلة، وأمر لا حيلة فيه.
فما فيه حيلة لا تعجز عنه، وما لا حيلة فيه لا يجزع منه " (1).
وجزى الله عنا نبينا خير الجزاء، فقد بين لنا الحكمة من ذلك، حيث قال:«فإن لو تفتح عمل الشيطان (2)» ، أي: تفتح عليك الوساوس والأحزان والندم والهموم، حتى تقول: لو أني فعلت لكان كذا، فلا تفعل هكذا، والأمر انتهى ولا يمكن أن يتغير عما وقع، وهذا أمر مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ".
ولهذا قال: «ولكن قل: قدر الله (3)» ، أي: هذا قدر الله أي تقدير
(1) مجموع الفتاوى (8/ 285، 320).
(2)
صحيح مسلم القدر (2664)، سنن ابن ماجه الزهد (4168)، مسند أحمد (2/ 370).
(3)
صحيح مسلم القدر (2664)، سنن ابن ماجه الزهد (4168)، مسند أحمد (2/ 370).
الله وقضاؤه، وما شاء الله عز وجل فعله {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} (1)، لا أحد يمنعه في ملكه ما يشاء، ما شاء فعل عز وجل
…
.
فأنت إذا بذلت الجهد واستعنت بالله، وصار الأمر على خلاف ما تريد لا تندم، ولا تقل: لو أني فعلت لكان كذا، إذا قلت هذا انفتح عليك من الوساوس والندم والأحزان ما يكدر عليك الصفو، فقد انتهى الأمر وراح، وعليك أن تسلم الأمر للجبار عز وجل قل قدر الله وما شاء فعل (2).
وقوله: «فإن لو تفتح عمل الشيطان (3)» : (لو) اسم إن قصد لفظها؛ أي: فإن هذا اللفظ يفتح عمل الشيطان.
وعمله: ما يلقيه في قلب الإنسان من الحسرة والندم والحزن؛ فإن الشيطان يحب ذلك، قال تعالى:{إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} (4).
فإذا رضي الإنسان بالله ربا، وقال: هذا قضاء الله وقدره، وأنه لا بد أن يقع اطمأنت نفسه وانشرح صدره.
(1) سورة هود الآية 107
(2)
شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (1/ 463 - 464).
(3)
صحيح مسلم القدر (2664)، سنن ابن ماجه الزهد (4168)، مسند أحمد (2/ 370).
(4)
سورة المجادلة الآية 10