الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حمل طارت على سرير الذريق وقد رفع على رأسه رواق ديباج يظله، وهو في غاية من النبوة والأعلام، وبين يديه المقاتلة والسلاح، وحمل أصحاب طارق معه، فتفرقت المقاتلة من بين يدي الذريق، فخلص إليه طارق فضربه بالسيف على رأسه فقتله على سريره، فلما رأى أصحابه مصرع ملكهم اقتحم الجيشان وكان النصر للمسلمين ولم يزل طارق يفتح البلاد ووموسى بن نصير التحق به إلى أن بلغ ساحل البحر المحيط.
سنة ثمان وتسعين
فيها غزا المسلمون قسطنطينية وعلى المسلمين مسلمة بن عبد الملك، وفيها افتتح يزيد بن المهلب جرجان. وتوفي أبو عمرو الشيباني الكوفي وله مائة وعشرين سنة، روى عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما: وكان يقرىء الناس بمسجد الكوفة. وفيها توفي أبو هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية الهاشمي، رحمة الله عليها. وفيهاأوفي التي بعدها توفي عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي الفقيه العابد، أدرك عمر وسمع من عائشة رضي الله عنهما. وفيها على الصحيح توفي عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الضريرأحد فقهاء المدينة السبعة، وفيها توفي كنزالعلم كريب مولى ابن عباس، كان كثيرالعلم كبيرالقدر، قال موسى بن عقبة، وضع عندنا كريب عدل بعيرمن كتب ابن عباس، وفيها توفيت الفقيهة عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وكانت في حجرعائشة رضي الله عنهما، فاكثرت في الرواية عنها.
سنة تسع وتسعين
فيهاعلى اختلاف تقدم ذكره توفي أبوالأسود ظالم بن عمروالديلي، بكسر الدال المهملة وبعدها مثناة من تحت مهموزة من فوق، ويقال: بضم الدال بعدها واو مهموزة من فوق نسبة إلى الديل قبيلة من كنانة بفتح الهمزة في النسبة قال وإنما فتحت لئلا يتوالى الكسرات كما قالوا في النسب إلى نمرة نمري بالفتح وهي قاعدة مطردة والدال اسم دابة بين
ابن عرس والثعلب. وفي اسمه ونسبه اختلاف كثير، كان من سادات التابعين وأعيانهم، وصاحباً لعلي أبي طالب رضي الله عنه، معه شهد وقعة صفين، وهو بصري من أكمل الرجال رأياً وأرجحهم عقلاً، وهو أول من وضع النحو، وفي سبب ذلك اختلاف كثير. قيل: ان علياًرضي الله عنه وضع له: الكلام كله ثلاثة اسم، وفعل وحرف، ثم دفعه إليه وقال: وتم على هذا، وقيل إنه كان يعلم أولاد زياد ابن أبيه وهو والي العراقين يومئذ، فجاء يوماً ماوقال له: اصلح الله الأمير إني أرى العرب قد خالطت هذه الأعاجم وتغيرت ألسنتهم أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يعرفون أو يقيمون به كلامهم؟ قال: لا فجاء رجل إلى زياد، وقال: اصلح الله الأمير توفي أبونا وترك بنين فقال: ادعوا أبا الأسود، فلما حضر قال ضع للناس الذي نهيتك أن تضع لهم. وقيل إنه دخل يوماً بيته فقال له بعض بناته يا أبة ما أحسن السماء وذكرت ذلك برفع النون من أحسن وجرت الهمزة من السماء، فقال: يا بنية نجومها فقالت إني لم أرد أي شيء منها، احسن إنما تعجبت من حسنها، فقال اذن قولي ما أحسن السماء وحينئذ وضع النحو قلت وإنما رد عليها لأنها رفعت النون من أحسن، وجرت الهمزة من آخر السماء، ومثل هذا يقع استفهاماً عن أي شيء في السماء أحسن؟ فلما فهم منها أنها لم ترد ذلك وإنما أرادت التعجب من حسن السماء أمرها أن تفتح النون والهمزة المذكورتين معاً، كما هو المعروف من وضع العربية في التعجب. وحكى ولده أبو حرب: قال أول باب رسم والدي التعجب. وقيل لأبي الأسود: من أين لك هذا العلم يعنون النحو؟ قال: تلقنت حدوده من علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقيل إن أبا الأسود كان لا يخرج شيئاً أخذه عن علي بن أبي طالب حتى بعث إليه زياد المذكور أن أعمل شيئاً يكون للناس إماماً ويعرف به كتاب الله عز وجل، فاستعفاه أبو الأسود من ذلك حتى سمع أبو الأسود قارئاً يقرأ إن الله بريء من المشركين ورسوله بالكسر، قال ما ظننت أن أمر الناس يؤول إلى هذا، فرجع إلى زياد فقال أفعل ما أمر به الأمير، فليعني كاتباً لقناً يفعل ما أقول، فأتي بكاتب من عبد القيس فلم يرضه، فأتي بآخر فقال له أبو الأسود إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحررف فانقط بين نقطة فوق، وإن ضممت فمي فانقط بين يدي الحروف، فإن كسرت فاجعل النقط من تحت، ففعل ذلك وإنما سمي النحو نحو الآن أبا الأسود المذكور، قال استأذنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن أضع نحو ما وضع، فسمي لذلك نحواً والله أعلم. وكان لأبي الأسود بالبصرة داراً وله جاراً يتأذى منه في كل وقت، فباع الدار فقيل له:
بعت دارك؟! فقال: بل بعت جاري. فأرسلها مثلاً قلت يعني سار لفظه هذا مثلاً لمن باع الدار هرباً من الجار، فيقول ما بعت داري بل بعت جاري أو بعت جاري لا داري. ومن كلام أهل المعرفة الجار قبل الدار أي اعرف جوارك قبل أن تشتري دارك. ودخل أبو الأسود يوماً على عبيد الله بن أبي بكرة نقيع بن الحارث بن كلدة الثقفي، وقيل على المنذر بن جارود، وعليه جبة رثة كان يكثر لبسها، فقال يا أبا الأسود أما تمل لبس هذه الجبة؟ فقال رب مملوك لا يستطاع فراقه، فلما خرج من عنده سير إليه مائة ثوب، فكان ينشد بعد ذلك:
كساني ولم أستكسه فحمدته
…
أخ لك يعطيك الجزيل وناصر
وان أحق الناس إن كنت شاكراً
…
بشكرك من أعطاك والعرض وافر
ويروى وناصر بالنون وياصر بالياء المثناة، من تحت ولكل واحد منها معنى فمعناه بالنون ظاهر لأنه عن النصرة وبالياء من التعطف والحنو يقال فلان ياصر على فلان إذا كان يعطف عليه ويمن وله أشعار كثيرة فمن ذلك قوله:
وما طلب المعيشة بالتمني
…
ولكن ألق دلوك في الدلاء
يجيء بملئهاطوراً وطورا
…
يجيء بحمأة وقليل ماء
ومن شعره أيضاً وله ديوان شعر:
صبغت أمية في الدماء أكفنا
…
وطوت أمية دوننا دنياها
قلت كأنه يعني بني أمية أوردونا معارك القتال وبخلوا علينا بالمال. ويحكى أنه أصابه فالج فكان يخرج إلى السوق يجر رجله، وكان موسراً ذا عبيد واماء، فقيل له قد أغناك الله سبحانه عن السعي في حاجتك، فلو جلست في بيتك، قال لا ولكني أخرج وأدخل، فيقول الخادم: قد جاء، ويقول الصبي: قد جاء ولو جلست في البيت فبالت الشاة علي ما منعها أحد عني، قلت يحتمل قوله قد جاء معنيين أحدهما الاشارة إلى أنه يجيء بشيء يفرحون به من السوق فيكون في ذلك تجدد فرح لهم بعد فرح، والثاني أنهم يخافون منه فمجيئه يجدد لهم خوفاً بعد خوف ويكون ذلك وسيلة إلى التأدب به والحذرمنه، وآخر كلامه يدل على المعنى الثاني والله أعلم. وحكى خليفة بن خياط أن عبد الله بن عباس كان عاملاً لعلي رضي الله عنهما على البصرة، فلما شخص إلى الحجاز استخلف أبا الأسود عليها، فلم يزل حتى قتل علي رضي الله عنه، وسمع رجلاً يقول من يعشي الجائع؟ فقال: علي به فعشاه، ثم ذهب ليخرج،
فقال أين تريد؟ قال: اهلي، قال: هيهات ما عشيتك إلا على أن لا تؤذي المسلمين الليلة ثم وضع في رجله القيد حتى أصبح، وتوفي أبو الأسود بالبصرة. وفيها توفي محمود بن الربيع الأنصاري الخزرجي، كان قد عقل مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وجهه من بير في دارهم وهو ابن أربع سنين. وفيها توفي نافع بن جبير بن مطعم النوفلي، وكان هو وأخوه محمد من علماء قريش وأشرافهم، توفي قريباً من أخيه. وفيها توفي عبد الله بن محيريز الجمحي المكي نزيل بيت المقدس، وكان عابد الشام في زمانه رحمةالله عليه. وقال رجاء بن حيوة إن تفخر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر، فإنا نفخر عليهم بعابدنا ابن محيريز، وإن كنت لأعد بقاءه أماناً لأهل الأرض. وفي عاشر صفر توفي خليفتهم سليمان بن عبد الملك الأموي، وله خمس وأربعون سنة، وكانت خلافته أقل من ثلاث سنين، وكان فصيحاً فهماً محباً للعدل والغزو ذا همة عالية، جهز الجيوش لحصار القسطنطينية، وسافر فنزل على قنسرين رداً لهم، وقرب ابن عمه عمر بن عبد العزيز وجعله وزيره ومشيره، ثم عهد إليه بالخلافة، وكان أبيض مليح الوجه مقرون الحاجبين يضرب شعره منكبيه. قلت حكي أنه قدم عليه من بلاد الهند حكيم فقال له: بم جئتني؟ قال: جئتك بثلاث قال: ما هي؟ قال: تأكل ولا تشبع، وتنكح ولا تفتر، وتسود شعرك ولا تبيض، فقال له: كلهن يرغب العاقل عنهن. أما كثرة الأكل فأقل ما في ذلك كثرة دخول إلى المرحاض وشم الروائح الخبيثة، وأما كثرة النكاح فأقل ما في ذلك أنه يقبح لمثلي خليفة يبقى أسيرامرأة، وأما تسويد الشر فقبيح أن يسود المرء نوراً أكرم الله تعالى به عبده المسلم مشيراً إلى الحديث من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة الحديث.