المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌سنة ست وتسعين ومائة - مرآة الجنان وعبرة اليقظان - جـ ١

[اليافعي]

فهرس الكتاب

- ‌بسم الله الرحمن الرحيم

- ‌السنة الأولى من الهجرة

- ‌السنة الثانية

- ‌السنة الثالثة

- ‌السنة الرابعة

- ‌السنة الخامسة

- ‌السنة السادسة

- ‌السنة السابعة

- ‌السنة الثامنة

- ‌السنة التاسعة

- ‌السنة العاشرة

- ‌السنة الحادية عشر

- ‌تواضعه صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌ذكر شيءمن حيائه

- ‌ذكر شيءمن خلقه

- ‌ذكر شيء من عبادته

- ‌ذكر شيء من بكائه

- ‌ذكر شيء من معجزاته

- ‌ذكر خاتم النبوة

- ‌صفة خاتم كفه وصفة تختمه

- ‌ذكر شعره صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر شيبة صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌ذكرلباسه صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر نعله صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌ذكر صفة مشيه صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر جلسته صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر خبزه صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر إدامه صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر شرابه صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر أكله صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر شربه صلى الله وسلم

- ‌قوله صلى الله عليه وسلم عند الطعام

- ‌ذكروضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر عيشه صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر شيء من الوضوء للطعام

- ‌ذكر شيء مما جاء في تطييبه

- ‌كلامه صلى الله عليه وسلم

- ‌مزاحه صلى الله عليه وسلم

- ‌كلامه صلى الله عليه وسلم في الشعر

- ‌ضحكه صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌كلامه صلى الله عليه وسلم في السمر

- ‌نومه صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌حجامته صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌في أسمائه صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌في سنه صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌في وفاته صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌استخلافه أبا بكر في الصلاة

- ‌في ميراثه صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌رؤيته صلى الله عليه وسلم في المنام

- ‌السنة الثانية عشرة

- ‌السنة الثالثة عشرة

- ‌السنة الرابعة عشرة

- ‌السنة الخامسة عشرة

- ‌السنة السادسة عشرة

- ‌السنة السابعة عشرة

- ‌السنة الثامنة عشرة

- ‌السنة التاسعة عشرة

- ‌سنة عشرين

- ‌سنة إحدى وعشرين

- ‌سنة اثنتين وعشرين

- ‌سنة ثلاث وعشرين

- ‌سنة أربع وعشرين

- ‌سنة خمس وعشرين

- ‌سنة ست وعشرين

- ‌سنة سبع وعشرين

- ‌سنة ثمان وعشرين

- ‌سنة تسع وعشرين

- ‌سنة ثلاثين

- ‌سنة إحدى وثلاثين

- ‌سنة اثنتين وثلاثين

- ‌سنة ثلاث وثلاثين

- ‌سنة أربع وثلاثين

- ‌سنة خمس وثلاثين

- ‌سنة ست وثلاثين

- ‌سنة سبع وثلاثين

- ‌سنة ثمان وثلائين

- ‌سنة تسع وثلاثين

- ‌سنة أربعين

- ‌ذكر شيء من قصة الخوارج

- ‌سنة إحدى وأربعين

- ‌سنة اثنتين وأربعين

- ‌سنة ثلاث وأربعين

- ‌سنة أربع وأربعين

- ‌سنة خمس وأربعين

- ‌سنة ست وأربعي

- ‌سنة سبع وأربعين

- ‌سنة ثمان وأربعين

- ‌سنة تسع وأربعين

- ‌سنة خمسين

- ‌سنة إحدى وخمسين

- ‌سنة اثنتين وخمسين

- ‌سنة ثلاث وخمسين

- ‌سنة أربع وخمسين

- ‌سنة خمس وخمسين

- ‌سنة ست وخمسين

- ‌سنة سبع وخمسين

- ‌سنة ثمان وخمسين

- ‌سنة تسع وخمسين

- ‌سنة ستين

- ‌سنة إحدى وستين

- ‌سنة اثنتين وستين

- ‌سنة ثلاث وستين

- ‌سنة أربع وستين

- ‌سنة خمس وستين

- ‌سنة ست وستين

- ‌سنة سبع وستين

- ‌سنة ثمان وستين

- ‌سنة تسع وستين

- ‌سنة سبعين

- ‌سنة إحدى وسبعين

- ‌سنة اثنتين وسبعين

- ‌سنة ثلاث وسبعين

- ‌سنة أربع وسبعين

- ‌سنة خمس وسبعين

- ‌سنة ست وسبعين

- ‌سنة سبع وسبعين

- ‌سنة ثمان وسبعين

- ‌سنة تسع وسبعين

- ‌سنة ثمانين

- ‌سنة إحدى وثمانين

- ‌سنة اثنتين وثمانين

- ‌سنة ثلاث وثمانين

- ‌سنة أربع وثمانين

- ‌سنة خمس وثمانين

- ‌سنة ست وثمانين

- ‌سنة سبع وثمانين

- ‌سنة ثمان وثمانين

- ‌سنة إحدى وتسعين

- ‌سنة تسع وثمانين

- ‌سنة تسعين

- ‌سنة اثنتين وتسعين

- ‌سنة ثلاث وتسعين

- ‌سنة أربع وتسعين

- ‌سنة خمس وتسعين

- ‌سنة ست وتسعين

- ‌سنة سبع وتسعين

- ‌سنة ثمان وتسعين

- ‌سنة تسع وتسعين

- ‌سنة مائة

- ‌سنة إحدى ومائة

- ‌سنة اثنتين ومائة

- ‌سنة ثلاث ومائة

- ‌سنة أربع ومائة

- ‌سنة خمس ومائة

- ‌سنة ست ومائة

- ‌سنة سبع ومائة

- ‌سنة ثمان ومائة

- ‌سنة تسع ومائة

- ‌سنة عشر مائة

- ‌سنة إحدى عشرة ومائة

- ‌سنة اثنتي عشرة ومائة

- ‌سنة ثلاث عشرة ومائة

- ‌سنة أربع عشرة ومائة

- ‌سنة خمس عشرة ومائة

- ‌سنة ست عشرة ومائة

- ‌سنة سبع عشرة ومائة

- ‌سنة ثمان عشرة ومائة

- ‌سنة تسع عشرة ومائة

- ‌سنة عشرين ومائة

- ‌سنة احدى وعشرين ومائة

- ‌سنة اثنتين وعشرين ومائة

- ‌سنة ثلاث وعشرين ومائة

- ‌سنة أربع وعشرين ومائة

- ‌سنة خمس وعشرين ومائة

- ‌سنة ست وعشرين ومائة

- ‌سنة سبع وعشرين ومائة

- ‌سنة ثمان وعشرين ومائة

- ‌سنة تسع وعشرين ومائة

- ‌سنة ثلاثين ومائة

- ‌سنه إحدى وئلاثين ومائه

- ‌سنة اثنتين وثلاثين ومائة

- ‌سنة ثلاث وثلاثين ومائة

- ‌سنة أربع وثلاثين ومائة

- ‌سنة خمس وثلاثين ومائة

- ‌سنة ست وثلاثين ومائة

- ‌سنة سبع وثلاثين ومائة

- ‌سنة ثمان وثلاثين ومائة

- ‌سنة تسع وثلاثين ومائة

- ‌سنة أربعين ومائة

- ‌سنة إحدى وأربعين ومائة

- ‌سنة اثنتين وأربعين ومائة

- ‌سنة ثلاث وأربعين ومائة

- ‌سنة أربع وأربعين ومائة

- ‌سنة خمس وأربعين ومائة

- ‌سنة ست وأربعين ومائة

- ‌سنة سبع وأربعين ومائة

- ‌سنة ثمان وأربعين ومائة

- ‌سنة إحدى وخمسين ومائة

- ‌سنة اثنتين وخمسين ومائة

- ‌سنة ثلاث وخمسين ومائة

- ‌سنة أربع وخمسين ومائة

- ‌سنة خمس وخمسين ومائة

- ‌سنة ست وخمسين ومائة

- ‌سنة سبع وخمسين ومائة

- ‌سنة ثمان وخمسين ومائة

- ‌سنة تسع وخمسين ومائة

- ‌سنة ستين ومائة

- ‌سنة إحدى وستين ومائة

- ‌سنة اثنتين وستين ومائة

- ‌سنة ثلاث وستين ومائة

- ‌سنة أربع وستين ومائة

- ‌سنة خمس وستين ومائة

- ‌سنة ست وستين ومائة

- ‌سنة سبع وستين ومائة

- ‌سنة ثمان وستين ومائة

- ‌سنة تسع وستين ومائة

- ‌سنة سبعين ومانة

- ‌سنة إحدى وسبعين ومائة

- ‌سنة اثنتين وسبعين ومائة

- ‌سنة ثلاث وسبعين ومائة

- ‌سنة أربع وسبعين ومائة

- ‌سنة خمس وسبعين ومائة

- ‌سنة ست وسبعين ومائة

- ‌سنة سبع وسبعين ومائة

- ‌سنة ثمان وسبعين ومائة

- ‌سنة تسع وسبعين ومائة

- ‌سنة ثمانين ومائة

- ‌سنة احدى وثمانين ومائة

- ‌سنة اثنتين وثمانين ومائة

- ‌سنة ثلاث وثمانين ومائة

- ‌سنة أربع وثمانين ومائة

- ‌سنة خمس وثمانين ومائة

- ‌سنة ست وثمانين ومائة

- ‌سنة سبع وثمانين ومائة

- ‌سنة ثمان وثمانين ومائة

- ‌سنة تسع وثمانين ومائة

- ‌سنة تسعين ومائة

- ‌سنة إحدى وتسعين ومائة

- ‌سنة اثنتين وتسعين ومائة

- ‌سنة ثلاث وتسعين ومائة

- ‌سنة أربع وتسعين ومائة

- ‌سنة خمس وتسعين ومائة

- ‌سنة ست وتسعين ومائة

- ‌سنة سبع وتسعين ومائة

- ‌سنة ثمان وتسعين ومائة

- ‌سنة تسع وتسعين ومائة

- ‌سنة مائتين

الفصل: ‌سنة ست وتسعين ومائة

سليمان بن المنصور، فسير الأمين عسكر الحربة، فنزلوا الرقة ولم يقدموا عليه. وفيها توفي إسحاق بن يوسف الأزرق محدث واسط، روى عن الأعمش وطبقته، وكان شيخاً حافظاً عابداً، يقال إنه بقي عشرين سنة لم يرفع رأسه إلى السماء. وفيها توفي أبو معاوية الضرير الكوفي الحافظ، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي الحافظ. وفيها أو في التي قبلها توفي محمد بن فضيل بن غزوان الضبي مولاهم الكوفي الحافظ، ومحدث الشام أبو العباس الوليد بن مسلم الدمشقي، توفي بذي المروة راجعاً من الحج، روى عن ابن أبي مريم وخلائق، وصنف التصانيف، قال بعضهم: لم نزل نسمع أنه من كتب مصنفات الوليد، صلح أن يلي القضاء، وهي سبعون كتاباً. وفيها توفي مروج بن عمرو السدوسي النحوي البصري، اخذ العربية عن الخليل بن أحمد، وروى الحديث عن شعبة بن الحجاج وأبي عمرو بن العلاء وغيرهما وكان الغالب عليه الفقه والشعر، وله عدة تصانيف وشعر ومنه:

وفارفت حتى ما أراعي ما النوى

وإن غاب جيران علي كرام

فقد جعلت نفسي على الناس تنطوي

وعني على هجر الصديق تنام

‌سنة ست وتسعين ومائة

فيها توفي الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان ببغداد، فخلع الأمين في رجب وحبسه، ودعا إلى بيعة المأمون، فلم يلبث أن وثب الجند عليه فقتلوه، وأخرجوا الأمين وجرت أمور طويلة وفتنة كثيرة. فيها توفي قاضي البصرة أبو المثنى معاذ بن العنبري، وكان أحد الحفاظ. وفيها توفي قاضي شيراز ومحدثها سعد بن الصلت، روى عن الأعمش وطبقته وكان حافظاً. وفيها توفي أبو نواس الحسن بن هانىء الشاعر المشهرر، وذكر محمد بن داود بن الجراح أن أبا نواس ولد بالبصرة ونشأ بها، ثم خرج إلى الكوفة، ئم سار إلى بغداد. وقال

ص: 344

غيره: ولد بالأهواز، ونقل منها وعمره سنتان، وأمه هوزانية، وكان أبوه من جند مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، وكان من أهل دمشق، فانتقل إلى الأهواز وتزوج وأولد عدة أولاد منهم أبو نواس وأبو معاذ، فأما أبو نواس فأسلمته أمه إلى بعض العطارين، فرآه أبو أسامة بن الحباب، فاستخلاه وقال له: ارى فيك مخائل أرى لا تضيعها، وستقول فاصحبني أخرجك فقال له: ومن أنت؟ قال أبو أسامة بن الحباب. قال: نعم أنا والله في طلبك، ولقد أردت الخروج إلى الكوفة بسببك لآخذ عنك وأسمع منك شعرك، فصار أبو نواس معه، وقدم به بغداد، وأول ما قاله من الشعر وهو صبي.

حامل الهوى تعب، يستخفه الطرب

إن بكى بحق له، ليس مابه لعب

تضحكين لاهية، والمحب ينتحب

تعجبين من سقمي، صحتي هي العجب

قالوا وهو في الطبقة الأولى من المولدين، وشعره عشرة أنواع، وهو مجيد في العشرة، وقد اعتنى بجمع شعره جماعة، فلهذا يوجد ديوانه مختلفاً. وحكي في بعض الكتب أن المأمون كان يقول: لو وصفت الدنيا نفسها لما وصفت بمثل قول أبي نواس:

ألا كل حي هالك وابن هالك

وذو نسب في الهالكين غريق

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت

له عن عدو في ثياب صديق

وإنما قيل له أبو نواس لذوابتين كانتا له تنوسان على عاتقه، وعن ابن عيينة أنه قال: هو أشعر الناس، وقال الجاحظ: ما رأيت أعلم باللغة منه، وقال أبو حاتم السجستاني: كانت المعاني مدفونة حتى أثرها أبو نواس، وقال: لولا أن العامة استبذلت هذين البيتين لكتبتهما بماء الذهب، وهما لأبي نواس:

ولو أني استزدتك فوق مالي

من البلوى لأعوذك المزبد

ولو عرضت على الموتى حياتي

بعيش مثل عيشي لم يريدوا

قلت: ويحكى له من النوادر والغرائب والمخترعات العجائب ما يطول في تعداد الحاسب، من ذتك ما حكي عن هارون الرشيد أنه كان ذات ليلة من الليالي يطوف في داره، فلقي جارية من جواريه، وكان يجد بها وجداً ويلتمس منها حاجته فتأبى عليه، فوجدها في تلك الليلة سكرى، فجمشها، فانحل إزارها وسقط خمارها عن منكبيها، فقالت: امهلني تلك الليلة يا أمير المؤمنين، فغداً أسير إليك، فخلاها، فلما كان الصبح أرسل إليها خادماً وقال: اجيبي أمير المؤمنين، فقالت: ارجع عليه وقل له: كلام الليل يمحوه النهار، فرجع إليه وعرفه بذلك، فقال له: انظر من على الباب من الشعراء، فلقى الرقاشي وأبا مصعب

ص: 345

وأبا نواس، فرجع إليه وعرفه بهم، فقال أدخلهم إلي، فلما حضروا بين يديه، قال لهم: عرفتم لم طلبتكم يا شعراء؟ قالوا: لا يا أمير المؤمنين، قال: اشتهي من كل واحد منكم شعراً في آخره كلام لليل يمحوه النهار فقال الرقاشي:

متى تصحو وقلبك مستطار؟

وقد منع القرار فلا قرار

وقد تركتك صباً مستهاماً

فتاة، لا تزور، ولا تزار

إذا وعدتك صدت ثم قالت

كلام الليل يمحوه النهار

وقال أبو مصعب:

أما والله لو تجدين وجدي

لأذهب للكرى عنك الشرار

فكيف وقد تركت العين عبرى

وفي الأحشاء من ذكراك نار

فقالت: انت مغرور بوعدي

كلام الليل يمحوه النهار

وقال أبو نواس:

وليلاً أقبلت في القصر سكرى

ولكن زين السكر الوقار

وهز الريح أردافاً ثقالاً

وغصناً فيه رمان صغار

وقد سقط الردا عن منكبيها

من التجميش وانحل الإزار

مددت يدي لها أبغي التماساً

فقالت: في غد منك المزار

فقلت الوعد سيدتي؟ فقالت:

كلام الليل يمحوه النهار

فأمر لكل واحد من الاثنين بألف دينار، وقال علي بسيف ونطع واضربوا فيه رقبة أبي نواس، فقال: ولم تضرب رقبتي يا أمير المؤمنين؟ فقال: كأنك كنت معنا البارحة، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما بت إلا في داري، وإنما استدللت على ما قلت بكلامك، فقبل منه وأمر له بعشرة آلاف دينار. ومما يحكى من غرائب أبي نواس وعجائب اختراعاته أيضاً ما معناه: ان هارون الرشيد طرقه ذات ليلة قلق وسهاد منع الراحة منه والرقاد، ففكر فيما يزيل عنه ذلك، ويجلب له الانشراح، ودار في مواضع فيها النزهة والارتياح فما حصل له الغرض من ذلك حتى دخل على بعض سراريه، فوجدها نائمة وجواريها يضربن بالمعازف على رأسها، فلما دخل تفرقن من حولها، فكشف عن وجهها وقبل موضع خال في خدها، فانتبهت ذات فزع وقالت: من هذا؟ فقال: ضيف، فقالت: نكرم الضيف بسمعي والبصر فلما أصبح استدعى بأبي نواس، فقال: ابو نواس قل له إن ثيابي مرهونة عند الخمارة بست مائة درهم، ان استنفكها لي لبست وجئت، فالتزم الرشيد ذلك القدر فجاء فقال له أحب أن تنظم لي أبياتاً

ص: 346

على هذا اللفظ: نكرم الضيف بسمعي والبصر فقال:

طال ليلي عاودني السهر

ثم فكرت وأحسنت النظر

جئت أمشي في زوايات الخبا

ثم طوراً في مقاصير الحجر

إذ توجه فمر قد لاح لي

آية الرحمن من بين البشر

ثم أقبلت إليه مسرعاً

ثم طاطيت فقبلت الأثر

فاستقامت فزعاً قائلة

يا أمين الله ما هذا السفر

قلت ضيف طارق في داركم

هل تضيفوني إلى وقت السحر؟

فأجابت بسرور سيدي

نكرم الضيف بسمعي والبصر

فقال هارون: يا تارك كنت البارحة تحت السرير تسمع كلامنا اضربوا عنقه، فحلف ما كان هذا، وشفعوا فيه، فقال: ان كنت صادقاً فقل في شيء أنا أبصره في هذه الساعة، وكانت جارية قبالة الرشيد تضرب شذراً في ظل شذرتين، لابسة في إحدى كفيها خاتمين، وهي في مكان لا يراها أبو نواس ولا أحد غير الرشيد من سائر الناس فقال:

نظرت عيني لحيني واشتكى

وجدي لبني عند في السدرتين

شحنا مثل اللجين تضرب الشذر

بكف وبأخرى خاتمين

فقال الرشيد أنت تبصرها يا فاعل اقتلوه، فحلف ما يبصر شيئاً، وتشفع فيه فلم يقبل، فقالت جارية بالقرب من الرشيد لا يبصرها غيره، ولا إلى سواها يبلغ كلامه بالله يا سيدي خله يروح، فقال لها الرشيد سراً إليها: ما أخليه حتى تمشي إلي عريانة فخلت ثيابها ومشت حتى جاءته، فخلاه فلما صار أبو نواس عند الباب قال إي والله يا سيدي:

ليس الشفيع الذي يأتيك متزراً

مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا

فقال له يا شيطان، فخرج هارباً من ذلك بعدما أبدع فيما يقول، واخترع ما سحر به العقول. قلت وهذا البيت للفرزدق وهو مذكور في موضع آخر من هذا الكتاب في قضية مختصرها أنه اختصم هو وامرأته النوار إلى عبد الله بن الزبير، ونزل الفرزدق على حمزة بن عبد الله، ونزلت امرأته على امرأته، فتشفع كل واحد منهما لنزيله، فقبل ابن الزبير شفاعة امرأته دون شفاعة ابنه، فقال الفرزدق: ليس الشفيع إلى أخر البيت المذكور. ومما نحن بصدده مناسباً لما ذكرنا من حب الجواري الغانيات وأشعار أبي نواس الرائقات ما حكى الأصمعي قال: كنت عند الرشيد فأتي بجارية ليبتاعها فأعجبته، فقال

ص: 347

لمولاها: بكم الجارية؟ فقال: بمائة: الف درهم، فقال: ادفع المال إليه يا غلام، فلما ولى قال: ردوا الجارية، فردت، فقال: يا جارية أبكر، انت أم ثيب؟ فقالت: بل ثيب. فقال: ردوها على مولاها ثم أنشد.

قالوا عشقت صغيرةً فأجبتهم

أشهى المطي إلي ما لم تركب

كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة

لبست وحبة لؤلؤ لم تثقب

فقالت الجارية: يا أمير المؤمنين أتأذن لي في الجواب؟ قال: نعم فأنشدت:

إن المطية لا يلد ركوبها

حتى تذلل بالزمان وتركبا

والحب ليس بنافع أربابه

حتى يفضل بالنظام ويثقبا

قال فضحك الرشيد، وقال يا غلام ادفع ثمنها إلى مولاها، وأمر لها بمائة ألف درهم في خاصة نفسها، قلت: والبيتان اللذان أنشدهما الرشيد هما من شعر أبي نواس، واللذان أنشدتهما الجارية هما من شعر مسلم بن الوليد الأنصاري. قلت ولي قصيدة في الحكم بين هذين المختلفين، وفي تفضيل ألوان الغواني بعضها على بعض، ووصف أعضائها ومحاسنها الحسناء، وذكر غرور الدنيا منها هذه الأبيات:

يا مسرعاً نحو الحسان لتخطبا

تأن واختر مورداً مستعذبا

هذا الأجيرع والعوير مورد

ماء العذيب الخالي المستعذبا

ودع المويلج والأزيلم جانباً

يا من غدا بالغانيات معذبا

من بيض مجد عاليات الحسن أو

من خضر سعد إن نشا أن تخطبا

أو صفر وجد من هوى راقي العلى

حامي الذمار الماجد المستنجبا

عند الغواني والمعالي أيما

تشأ فاختر بعد وصفي مذهبا

سلطان ألوان الغواني أبيض

وله وزير أصفر قد قربا

والأخضر الميمون أضحى عنده

أيضاً أميراً بالسعادة مخضبا

لم يبق إلا جندي أو سائس

فاختر لما يهواه طبعك فاصحبا

كل امرء بالطبع يهوى مشرباً

يحلو ولو أضحى أجاجاً مشربا

لكن بيض الغانيات تفاوتت

ألوانها فاسمع مقالاً صوبا

أبهى أزهاها بياض مشرب

من صفرة يحكي لجيناً مذهبا

إن عذب ما للظما جاء مذهبا

فظمي الهوى تلقى له ذا مذهبا

ذاك الذي ما زلت أهوى والذي

أختار من بين المذاهب مذهبا

دري لون معجب في ناهج

في كفه العناب يزهو معجبا

ص: 348

في خده تفاح روض يحببا

وبصدره رمانً مرة أرطبا

والدر منثوراً يرى في لفظه

ومنظماً في بسمه مترتبا

والسفل في لحظ بأكحل فاتر

ويرى مريضاً بالجفون محجبا

طرف المهمامع جيد ريم نفرت

وتميزت بالحسن من بين الظبا

من بين نحري بدر حسن حاجز

كالسيف لم يجر بحر يسكبا

والمسك مع شهد الماء حايم

في درة ظلم المفلج أشيبا

في فرد بيت حدثاني ما حوى

بعدها بيت أتى مستنجبا

ودعص رمل غصن بان مثقل

على عمودي وبردي قد ركبا

وطول جعد كالغراب مجاور

وجهأ حكى بدر الدياجي مذهبا

ولون بيض من نعام شبه

المولى به الحور الحسان مرغبا

لكن على مقدار أفهام الورى

قد شبه الرحمن تلك مقربا

هيهات ابن البيض ممن لو بدت

في مشرق ليلاً أضاءت مغربا

أو في الأجاج البحر تبرق أودجا

تبسمت ذا ضاء وذاك استعذابا

والمخ في ساق تراه من ورا

سبعين من جلبابها لن يحجبا

وعجبت من قوم صفر رجحوا

منها وممن مدح خضر أطيبا

مع أن لون الحور أقوى حجة

للبيض لا تلقى بذلك مكذبا

والكل ذموا لون جص لم يكن

ما رونق أو لون در أشربا

ولسمع لما في فضل بكر أنشدوا

لأبي نواس في قولاً هذبا

قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم

أشهى المطي إلي ما لم تركبا

كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة

ليست، وحبة لؤلؤ لم تثقبا

مع قول هادي العيس أعني مسلما

بخل الوليد المستنجد المغربا

إن المطية لا يلذ ركوبها

حتى تذلل بالزمام وتركبا

والحب ليس بنافع أربابه

حتى يفضل بالنظام ويثقبا

وجوابا جلد يافعي في الحمى

أبداً مع التفضيل تفضيل النبا

أبدا قريضا في يراع حاكما

ومبينا فضلا لكل مطيبا

أولى مطايا العبد ما لم يمتطي

لن يعد روض ما يرى مستصعبا

والدر سهل الانتفاع تقية

وغير ممغوث سهى جربا

هذا لعمري في الحكومة قد كفى

فضلاً وإن فضلاً ترم يا مرحبا

فالبسط في نظم وشر عادة

لي حببت والقلب مع ما حببا

مستثنياً قل في روض هجت

محبوبة تلك الرعات تحببا

ص: 349