الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أصله من قرية على باب دمشق فقدم أبوه من الشام إلى العراق وأقام بواسط، فولد محمد ونشأ بالكوفة، قال الشافعي لو أشاء أن أقول نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلت، لفصاحته. وقال أيضاً ما رأيت أحداً يسأل عن مسألة فيها نظر إلا تبينت في وجهه الكراهة إلا محمد بن الحسن. وقال غيره: لقي جماعة من أعلام الأئمة، وحضر مجلس أبي حنيفة سنتين، ثم تفقه على أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وصنف الكتب الكبيرة النادرة، ومنها الجامع الكبير والجامع الصغير وغيرهما، وله في مصنفاته المسائل المشكلة خصوصاً المتعلقة بالعربية ونشر علم أبي حنيفة، وكان أفصح الناس، اذا تكلم خيل إلى سامعه أن القرآن نزل بلغته، ولما دخل الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بغداد كان بها، وجرى بينهما مجالس ومسائل فظهر علو شأن الشافعي وبراعته في العلوم. وقد ذكرت شيئاً من ذلك في مختصر مناقب الإمام الشافعي، وروي عن الشافعي أنه قال: ما رأيت سميناً ذكياً إلا محمد بن الحسن. وحكى محمد بن الحسن أنه أتى أبو حنيفة بامرأة ماتت وفي جوفها ولد يتحرك، فأمرهم فشقوا جوفها واستخرجوا الولد، وكان غلاماً فعاش حتى طلب العلم، وكان يتردد إلى مجلس محمد بن الحسن رحمه الله، وسمي ابن أبي حنيفة. قلت وقد حكيت هذه الحكاية على غير هذا الوجه، فقيل إن الإمام الشافعي هو الذي أفتى بشق بطن أمه واخراج الولد، وكان بعض العلماء قد أفتى بالدفن مع الحمل، فنشأ الولد وتسلم العلم فسأل عن الذي كان قد أفتى بدفنه مع أمه فقال الإمام الشافعي هذا الذي أفتيت بقتله، والله أعلم أي ذلك كان ويحتمل أن تكونا قضيتين. قال محمد بن الحسن خلف أبي ثلاثين ألف درهم فأنفقت نصفها على النحو والشعر وأنفقت الباقي على الفقه ولما توفي هو والكسائي قال الرشيد دفنا الفقه والنحو بالري كما تقدم، ومحمد بن الحسن هو ابن خالة الفراء صاحب النحو واللغة.
سنة تسعين ومائة
فيها فتح هرقلة واستعد الرشيد وأمعن في بلاد الروم، ودخلها في مائة ألف وبضع وثلاثين ألف سوى المجاهدين تطوعاً، وبث جيوشه تغير وتغنم وتخرب، فلما فتح هرقلة
أخذها وسبى أهلها، وكان مقامه عليها شهراً وبلغ السبي من قبرس سته عشر الفاً، وكان فيهم اسقف قبرس، فنودي عليه فبلغ ألفي دينار وبعث تقفور جزية عن رأسه وامرأته وخواصه، وكان ذلك خمسين ألف دينار، واشترط عليه الرشيد أن لايعمر هرقلة، وأن يحمل في العام ثلاث مائة ألف دينار، وكتب تقفور إليه أما بعد فلي إليك حاجة أن تهب لابني جارية من سبي هرقلة كنت خطبتها له فاستعفني بها فأحضر الرشيد الجارية فزينت، وأرسل معها سرداقاً وتحفاً فأعطى تقفور للرسول خمسين ألفاً وثلاث مائة ثوب وبراذين وبزاة. وفيها توفي أبو عبيدة الحداد البصري. وعبيدة بن حميد الكوفي الحذاء الحافظ، وكان صاحب قرآن وحديث ونحو، ادب الأمين بعد الكسائي. وفيها توفي حميد بن عبد الرحمن الرواسي الكوفي، ويحيى بن خالد البرمكي توفي في سجن الرشيد، وبرمك من مجوس بلخ ولا يعلم هل أسلم أم لا قلت: ولأجل كون أصلهم مجوسياً أتهم الرشيد جعفر على ما حكي أنه استشاره في هدم إيوان كسرى، فأشارعليه بترك ذلك، فما طاب ذلك على هارون، وظن أنه أراد بها مشرف آثار المجوس، وربما قيل إنه شافهه بذلك مبكتاً له، فقال له: اهدموا فلم شرعوا في هدمه صعب الهدم، وتعسر لقوة أحكام بنائه، فاستشاره ثانياً في ترك الهدم، فأشار عليه بأن لا يترك ما شرع فيه من الهدم، فقال له: سبحان الله، اشرت أولاً بترك الهدم وأشرت ثانياً بالهدم، فقال ما معناه: اني إنما أشرت بترك الهدم ليعرف شرف الإسلام وعلوه وقوة تأييده كل من رأى تلك الآثار التي ظهر عليها الإسلام وأذل أهلها وأزال ملكهم الذي زواله لا يرام وعزة لا يضام، فلما لم تقبل مشورتي وشرعتم في هدمه واستشرتني في ترك ذلك، اشرت عليك بعدم الترك لئلا يدل ذلك على ضعف الإسلام، ويقال: عجز المسلمون عن هدم ما بناه المخالفون لدينهم، فعند ذلك عرف صواب رأيه وغزارة عقله، وقد كان غرم على هدم قطعة يسيرة أموالاً كثيرة. رجعنا إلى ذكر أولاد برمك: وساد ابنه خالد، وتقدم في الدولة العباسية، وتولى الوزارة لأبي العباس السفاح، وقال أبو الحسن المسعوعي في كتاب مروج الذهب: لم يبلغ مبلغ خالد بن برمك أحد من ولده في جوده ورأيه وبأسه وعلمه وجميع حاله، لا يحيى في رأيه ووفور عقله، ولا الفضل بن يحيى في جوده ونزاهته، ولا جعفر في كتابته وفصاحة لسانه، ولا محمد بن يحيى في شرفه وبعد همته، ولا موسى في شجاعته وبأسه.
ولما بعث أبو مسلم الخراساني قحطبة بن شبيب الطائي لمحاربة يزيد بن هبيرة الفزاري عامل مروان بن محمد على العراقين، وكان خالد بن برمك في جملة من كان معه، فنزلوا في طريقهم بقربة بينما هم على سطح بعض دورها يتغدون، اذ نظروا إلى الصحراء وقد أقبلت منها أقاطيع الوحوش من الظباء وغيرها حتى كادت تخالط العسكر، فقال خالد لقحطبة: ايها الأمير ناد في الناس ومرهم يسرجوا ويلجموا قبل أن يهجم عليهم الخيل، فقام قحطبة مذعوراً فلم ير شيئاً يروعه، فقال: يا خالد ما هذا الرأي؟ فقال: قد نهز إليك العدو أما ترى أقاطيع الوحش قد أقبلت إن وراءها لجمعاً كثيفاً، فما ركبوا حتى رأوا الغبار، ولولا خالد لهلكوا، وأما يحيى فإنه كان من النبل والعقل وجميل الخلال على أكمل حال، وكان المهدي قد ضم إليه ولده هارون الرشيد وجعله في حجره، فلما استخلف هارون عرف له حقه، وقال له: يا أبت أجلستني في هذا المجلس وببركتك ويمنك وحسن تدبيرك وقد قلدتك الأمر، ودفع له خاتمه، وفي ذلك يقول المولى الموصلي:
ألم تر أن الشمس كانت سقيمة
…
فلما ولي هارون أشرق نورها
بيمن أمين الله هارون ذي الندا
…
فهارون واليها ويحيى وزيرها
وكان يعظمه إذا ذكره، ويجعل إصدار الأمور وإيرادها إليه، الى أن نكب البرامكة، فغضب عليه وخلده في الحبس إلى أن مات فيه، وقتل ابنه جعفر حسب ما تقدم شرحه في ترجمته، وكان من العقلاء الكرماء البلغاء. ومن كلامه ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها: الهدية والكتاب والرسول، وكان يقول لولده: اكتبوا أحسن ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تكتبون، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون. وقال الفضل بن مروان: سمعت يحيى بن خالد يقول من لم أحسن إليه فأنا مخير
فيه، ومن أحسنت إليه فأنا مرتهن له. وقال القاضي يحيى بن أكثم: سمعت المأمون يقول: لم يكن ليحيى بن خالد ولولده أحد كفؤاً في الكتابة والبلاغة والجود والشجاعة، ولقد صدق القائل حيث يقول:
أولاد يحيى أربع كأربع الطبائع
…
فيهم إذا اختبرتهم طبائع الصنائع
قال القاضي: فقلت له يا أمير المؤمنين، اما الكتابة والبلاغة والسماحة فتعرفها بقي الشجاعة، فقال: في موسى بن يحيى، ولقد رأيت أن أوليه ثغر السند. وحكى إسحاق النديم، قال كانت صلاة يحيى بن خالد إذا ركب لمن تعرض له مائتي
درهم، فركب ذات يوم فتعرض له شاعر وأنشد:
باسمي الحضور يحيى أبيحت
…
لك من فضل ربنا جنتان
كل من مر في الطريق عليكم
…
فله من نوالكم مائتان
مائتا درهم لمثلي قليل
…
هي منكم للقابس العجلان
قال له يحيى: صدقت، وأمر بحمله إلى داره، فلما رجع من دار الخليفة سأله عن حاله، فذكر أنه قد تزوج، وقد أخذ بواحدة من ثلاث: اما أن يؤدي المهر وهو أربعة آلاف، وإما أن يطلق، وإما أن يقيم للمرأة منزلاً وخادماً وما يكفيها إلى أن يتهيأ له نقلها، فأمر له يحيى بأربعة آلاف للمهر وأربعة آلاف لثمن منزل وأربعة آلاف للكفاية وأربعة آلاف للخدمة وما يتعلق بها، او كما قال وأربعة آلاف يستظهر بها، فانصرف بعشرين ألفاً. وذكر الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمة أبي عبد الله محمد بن عمر الواقدي أنه قال: كنت خياطاً بالمدينة في يدي مائة ألف درهم للناس أضارب بها، فتلفت الدراهم، فشخصت إلى العراق، فقصدت يحيى بن خالد، فجلست في دهليزه وأنست الخدم والحجاب وسألتهم أن يوصلوني إليه، فقالوا: اذا قدم الطعام إليه لم يحجب عنه أحداً، ونحن ندخلك إليه ذلك الوقت، فلما حضر طعامه أدخلوني فأجلسوني معه على المائدة فسألني من أنت وما قصتك؟ فأخبرته، فلما رفع الطعام غسلنا أيدينا دنوت منه لأقبل رأسه فاشمأز من ذلك، فلما صرت إلى الموضع الذي نزلت فيه لحقني خادم معه كيس فيه ألف دينار، وقال: الوزير يقرأ عليك السلام ويقول لك: استعن بهذا على أمرك وعد إلينا من الغد، فأخذته وعدت إليه في اليوم الثاني فجلست معه على المائدة، فأنشأ يسألني كما سألني في اليوم الأول، فلما رفعوا الطعام دنوت منه لأقبل رأسه فاشمأز مني، فلما صرت إلى الموضع الذي نزلت فيه لحقني خادم معه كيس فيه ألف دينار، فقال له: كما قال في الأول ثم عاد إليه في اليوم الثالث، ثم كذلك إلى اليوم الرابع كل يوم يعطيه كيساً فيه ألف دينار، ثم بعد إعطاء الأربعة الأكياس مكنه من تقبيل رأسه وقال له: انما منعتك ذلك قبل هذا لأنه لم يكن وصل إليك من معروفي ما يقتضي هذا، والآن قد لحقك بعض النفع مني يا غلام أعطه الدار الفلانية يا غلام افرشه الفراش الفلاني يا غلام أعطه مائتي ألف درهم، يقضي دينة بمائة ألف، ويصلح شأنه بمائة ألف، ثم قال الزمني فكن في داري فقلت: اعز الله الوزير لو أذنت لي بالشخوص إلى المدينة لأقضي الناس أموالهم ثم أعود إلى حضرتك كان ذلك أرفق بي، قال: قد فعلت وأمر بتجهيزي فشخصت إلى المدينة وقضيت ديني ثم رجعت إليه فلم أزل في ناحيته.
ودخل عليه يوماً أبو قابوس الحميري فأنشده:
رأيت يحيى، اتم الله نعمته
…
عليه يأتي الذي لم يأته أحد
ينسى الذي كان من معروفه
…
أبداً إلى الرجال ولا ينسى الذي بعدا
ولمسلم بن الوليد الأنصاري:
أجدك هل تدرين أن رب ليلة
…
كأن دجاها من قرونك ينشر
صبرت لها حتى تجلت بغرة
…
كغرة يحيى حين يذكر جعفر
فقضى حوائجه ووصله بجملة من المال. قلت رفي جوده وجود عقبة ينشد هذان البيتان.
سألت الندى والجود حران أنتما
…
فقالا كلانا عبد يحيى بن خالد
فقلت شرى ذلك الملك قال لا
…
ولكن ورثنا والداً بعد والد
قلت هكذا قسم الكرم إلى الندى والجود والمعروف إنهما شيء واحد قال في الصحاح: والندى الجود وكان يحيى يقول إذا أقبلت الدنيا فأنفق فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت فأنفق فإنها لا تبقى، وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
ولا الجود يفني المال والجد مقبل
…
ولا البخل يبقي المال والعبد مدبر
ونادى إسحاق بن إبراهيم الموصلي أحد غلمانه فلم يجبه، فقال: سمعت يحيى بن خالد يقول: يدل على حلم الرجل سوء أدب كلمانه، وكان يحيى يساير الرشيد يوماً، فوقف له رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، عطبت دابتي، فقال الرشيد: يعطي خمس مائة درهم، فغمزه يحيى، فلما نزلوا قال له الرشيد: يا أبة أومأت إلي بشيء فلم أعرفه، فقال: مثلك لا يجري هذا القدر على لسانه إنما يذكر مثلك خمسة آلاف عشرة آلاف، فقال: فإذا سأل مثل هذا كيف أقول؟ قال: تقول تشترى له دابة وأخبارهم كثيرة ومكارمهم شهيرة، فلنقتصر على هذا المقدار رغبة في الاختصار. ولم يزل يحيى في الحبس إلى أن مات كما تقدم، ودفن في شاطىء الفرات، فوجدت في جنبه رقعة فيها مكتوب بخطه: قد تقدم الخصم والمدعى عليه في الأثر والقاضي هو الحكم العدل الذي لا يجوز فلا يحتاج إلى بينة، وحملت الرقعة إلى الرشيد فلم يزل يبكي يومه كله، وبقي أياماً يتبين الأسى في وجهه.