الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كلامه فظن ربيعة أنه قد أعجبه كلامه فقال: يا أعرابي عندكم؟ قال: الإيجاز مع اصابة المعنى، فقال: وما المعنى؟ قال ما أنت فيه منذ اليوم، فخجل ربيعة. وتوفي في الهاشمية مدينة بناها السفاح بأرض الأنبار وكان يسكنها ثم ينتقل إلى الأنبار. قال مالك بن أنس في ما حكى ابن خلكان: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة الرأي، رحمة الله عليه. وفيها توفي زيد بن أسلم العدوي مولاهم الفقيه العابد، لقي ابن عمر وجماعة وكانت له حلقة الفتوى والعلم بالمدينة. قال أبو حازم: لقد رأينا في حلقة زيد بن أسلم أربعين فقيهاً، ادنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا ونقل البخاري: ان زين العابدين علي بن حسين بن علي كان يجلس إلى زيد بن أسلم. وفيها توفي أبو العباس السفاح عبد الله بن محمد الخليفة العباسي أول خلفاء بني العباس، كانت دولته خمس سنين، وكان طويلاً أبيض جميلاً حسن اللحية مات بالجدري في الأنبار. وفيها توفي العلاء بن الحارث الحضرمي الفقيه الشامي صاحب مكحول، روى عن عبد الله بن بسر بضم الموحدة وسكون المهملة وطائفة، وكان ثقة نبيلاً مفتياً جليلاً. وفيها توفي عطاء بن السائب الثقفي الكوفي الصالح، روى عن عبد الله بن أبي أوفى الصحابي وطائفة، قال أحمد بن حنبل: هو رجل صالح، كان يختم كل ليلة من سمع منه قديماً كان صحيحاً.
سنة سبع وثلاثين ومائة
في أولها بلغ عبد الله بن علي موت ابن أخيه السفاح، فدعا إلى نفسه بالإسلام وعسكر، وزعم أن السفاح عهد إليه بالأمر وأقام شهوداً بذلك، فجهز أبو جعفر المنصور لحربه أبا مسلم الخراساني، فالتقى الجمعان بنصيبين في جمادى الآخرة، فاشتد القتال، ثم انهزم جيش عبد الله، وهرب هو إلى البصرة وبها أخوه، وحاز أبو مسلم خزائنه، وكانت خزائن عظيمة، لأنه كان قد استولى على جميع أموال بني أمية، فبعث المنصور إلى أبي مسلم أن احتفظ بما في يدك، فصعب ذلك على أبي مسلم وعزم على خلع المنصور، وسار نحو خراسان فأرسل إليه المنصور يستعظمه ويمنيه، وما زال به حتى ظفر به فقتل في
شعبان، ولما حج أبو مسلم المذكور أمر منادياً في طريق مكة: برئت الذمة من رجل أوقد ناراً في عسكر الأمير. فلم يزل يغديهم ويعشيهم حتى بلغ مكة، وأوقف في المسعى خمس مائة وصيف على رقابهم المناديل، يسقون الأشربة من سعى من الحاج بين الصفا والمروة، ولما وصل الحرم نزل وخلع نعليه ومشى حافياً تعظيماً للحرم، وهو أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم صاحب دعوة بني العباس منشىء دولتهم، خل خراسان وهو شاب فما زال يتحيل بإعانة وجوه شيعة بني العباس ونقبائهم حتى وثب على مرو فملكها. وحاصل الأمر أنه خرج من خراسان بعد أن حكم عليها وضبطها، فقاد جيشاً هائلاً، ومهد لبني العباس بعد أن قتل خلقاً لا يحصون محاربة وصبراً قيل كان حجاج زمانه.
وذكروا أن أباه رأى في المنام أنه جلس للبول فخرج من إحليله نار، وارتفعت في السماء وسدت الآفاق وأضاءت الأرض ووقعت بناحية المشرق، فقص رؤياه على عيسى بن معقل فقال: ان في بطن جاريتك غلاماً يكون له شأن أو كما قال، ثم فارقه ومات، فوضعت الجارية أبا مسلم، ونشأ عند عيسى فلما ترعرع اختلف مع ولده إلى المكتب، فخرج أديباً لبيباً يشار إليه في صغره، ثم إنه اجتمع على عيسى بن معقل وأخيه ادريس جد أبي دلف العجلي بقايا من الخراج تقاعدا من أجلها من حضور مؤدي الخراج بأصفهان، فأنهى عامل أصفهان خبرهما إلى خالد بن عبد الله القسري وإلى العراقين، فأنقذ من الكوفة من حملهما إليه، فتركهما في السجن، فصادفا فيه عاصم بن يونس العجلي محبوساً ببعض الأسباب، وقد كان عيسى بن معقل أرسل أبا مسلم إلى قرية من رستاق. فابق لاحتمال غلتها، فلما بلغه أن عيسى حبس باع ما كان احتمله من الغلة وأخذ ما اجتمع عنده من ثمنها ولحق بعيسى، فأنزله عيسى في بني عجل، وكان يختلف إلى السجن، ويتعهد عيسى وإدريس ابني معقل، وكان قد قدم الكوفة جماعة من نقباء الإمام محمدبن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب مع عدة من شيعته، فدخلوا على العجليين السجن مسلمين، فصادفوا أبا مسلم عندهم، فأعجبهم عقله ومعرفته وأدبه وكلامه، ومال هو إليهم، ثم إنه عرف أمرهم وأنهم دعاة، واتفق مع ذلك هرب عيسى وادريس من السجن، فعدل أبو مسلم من دور بني عجل إلى هؤلاء النقباء، ثم خرج معهم إلى مكة حرسها الله تعالى، فأورد النقباء على إبراهيم بن محمد بن علي، وقد تولى الإمامة بعد وفاة أبيه عشرين دينار ومائتي ألف درهم، وأهدوا إليه أبا مسلم، فأعجب به وبمنطقه وعقله وأدبه فأقام أبو مسلم عنده يخدمه حضراً أو سفراً.
ثم إن النقباء عادوا إلى إبراهيم الإمام وسألوه رجلاً يقوم بأمر خراسان فقال: إني قد جربت هذا الأصفهاني وعرفت ظاهره وباطنه، فوجدته حجر الأرض. ثم دعا أبا مسلم وقلده الأمر وأرسله إلى خراسان، وكان من أمره ما كان، وكان أبو مسلم يدعو الناس إلى رجل من بني هاشم، وأقام على ذلك سنين وفعل في خراسان وتلك البلاد ما هو مشهور، فلا حاجة للإطالة بذكره. وكان مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية يحتال على الوقوف على حقيقة الأمر، وإن أبا مسلم إلى من يدعو، فلم يزل على ذلك حتى ظهر له أن الدعاء لإبراهيم الإمام، وكان مقيماً عند أهله وإخوته، فأرسل إليه وقبض عليه وأحضر مالي حران، فأوصى إبراهيم بالأمر بعده لأخيه السفاح، ولما وصل إبراهيم إلى حران حبسه مروان بها، ثم غمه بجراب طرح فيه نؤرة، وجعل فيه رأسه، وسد عليه إلى أن مات. ثم سار أبو مسلم يدعو الناس إلى أبي العباس السفاح، وكان بنو أمية يمنعون بني هاشم من نكاح الحارثيات لما رأوا في ذلك عن سلفهم أن هذا الأمر يتم لابن الحارثيه، فلما قام عمر بن عبد العزيز بالأمر أتاه محمد وقال: اني أردت أن أتزوج ابنة خالي من بني الحارث بن كعب، افتأذن لي؟ قال تزوج من شئت فتزوج ريطة بنت عبد الله منهم فأولدها السفاح فتولى الخلافة. وذكر الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار أن أبا مسلم نهض بالدعوة وهو ابن ثمان عشرة سنة، وقيل هو ابن ثلاث وثلاثين، فإنه كان عظيم القدر يلقاه القاضي ابن أبي ليلى المشهور فقبل يده، فقيل له في ذلك فقال: قد لقي أبو عبيدة بن الجراح عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما وقبل يده، فقيل له: اتشبه أبا مسلم بعمر؟ فقال: اتشبهونني بأبي عبيدة. وكان أول ظهور أبي مسلم بمرو من خراسان في سنة تسع وعشرين ومائة والوالي بها يومئذ من جهة مروان نصر بن سيار الليثي وكتب إليه قول ابن هريم البجلي الكوفي.
أرى خلل الرماد وبيص نار
…
ويوثسك أن يكون لها ضرام
فإن النار بالزندين توري
…
وإن الحرب أولها كلام
لئن لم يطفها عقلاء قوم
…
يكون وقودها جثث وهام
أقول من التعجب ليت شعري
…
أأيقاظ أمية أم نيام
فإن كانوا لحينهم نياماً
…
فقل قوموا فقد حان القيام
فهذا مثل ما يحكى من قول بعضهم لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن وأخوه إبراهيم علي أبي جعفر المنصور.
أرى ناراً أنست على يفاع
…
لها في كل ناحية شعاع
وقد رقدت والعباس عنها
…
وباتت وهي آمنة رتاع
كمارقدت أمية ثم هبت
…
تدافع حين لا يغنى الدفاع
وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة وثب أبو مسلم على مقدم خراسان فقتله، وقعدا في الدست، وسلم عليه بالأمرة وخطب ودعا للسفاح، وانقطعت ولاية بني أمية عن خر اسان. ولما مات السفاح وتولى أخوه أبو جعفر المنصور صدرت عن أبي مسلم إساءات وقضايا غيرت قلب المنصور عليه فعزم على قتله وقتله كما تقدم. وقيل إن منصوراً قال لسالم بن قتيبة بن مسلم الباهلي: ما ترى أبي مسلم؟ فقال: " لوكان فيهما الهة إلا الله لفسدتا " - الأنبياء: 22 - فقال: حسبك يا بن قتيبة لقد أودعتها أذناً واعية. وكان أبو مسلم ينظر في كتب الملاحم ويجد خبره فيها، وأنه مميت دولة ومحيي دولة، وأنه يقتل ببلاد الروم، كان المنصور يومئذ برومية المدائن التي بناها كسرى ولم يخطر لأبي مسلم أنها موضع قتله، بل راح وهمه إلى بلاد الروم، وكانت رومية المذكورة قد بناها الإسكندر ذو القرنين لما أقام بالمدائن، وكان قد طاف الأرض شرقاً وغرباً ولم يختر منها منزلاً سوى المدائن، فنزلها وبنى رومية المذكورة على ما ذكروا والله أعلم. فلما عاد أبو مسلم من سفر حجه المتقدم ذكره دخل على المنصور، فرحب به ثم إمره بالانصراف إلى مخيمه، وانتظر المنصور فيه الغرض والغوائل، ثم إن أبا مسلم ركب إليه مراراً فأظهر له التحني، ثم جاءه يوماً فقيل له أنه يتوضأ للصلاة، فقعد تحت الرواق، ورتب له المنصور جماعة يقفون وراء السرير فإذا عاتبه وضرب يداً على يد ظهروا وضربوا عنقه، ثم جلس المنصور وأذن له فدخل وسلم فرد، وأمره بالجلوس وحادثه ثم عاتبه، وقال: فعلت وفعلت فقال أبو مسلم: ما يقال هذا بعد بيعتي واجتهادي، وما كان مني، فقال له: يا ابن الخبيثة إنما فعلت ذلك تحرياً وحفظاً ولو كان مكانك أمة سوداء لعملت عملك. ألست
الكاتب إلي تبدأ بنفسك قبلي؟ ألست الكاتب يخطب عني آسية وتزعم أنك من ولد سليط بن عبد الله بن عباس، لقد ارتقيت لا أم لك مرتقى صعباً، فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه، فقال له المنصور: وهو آخر كلامه قتلني الله إن لم أقتلك، ثم صفق بإحدى يديه على الأخرى فخرج إليه القوم وخبطوه بسيوفهم، والمنصور يصيح اضربوا قطع الله أيديكم، وكان أبو مسلم قد قال عند أول ضربة استبقني يا أمير المؤمنين لعدوك، فقال لا أبقاني الله أبداً وأي عدو أعدى منك؟ ولما قتله أدرجه في بساط، فدخل عليه جعفر بن حنظلة، فقال له المنصور: ما تقول في أمر أبي مسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت أخذت من رأسه شعرة فاقتل ثم اقتل ثم اقتل، فقال له المنصور وفقك الله ها هو في البساط، فلما نظر إليه قتيلاً قالى: يا أمير المؤمنين عد هذا اليوم أول خلافتك، ثم أقبل المنصور على من حضره وأبو مسلم طريح بين يديه وأنشد.
زعمت أن الدين لا يقتضى
…
فاستوف بالكيل أبا مخرم
اشرب بكأس كنت تسقي
…
بها أمر في الحلق من العلقم
وكان المنصور بعد قتله كثيراً ما ينشد جلساؤه نظماً لبعضهم من جملته.
وأقدم لما لم يجد عنه مذهباً
…
ومن لم يجد بداً من الأمر أقدما
قيل ومن ها هنا أخذ البحتري قوله في مدح الفتح بن خاقان صاحب المتوكل على الله، ولقد لقي أسداً على طريقه فلم يقدم عليه، ثم أقدم عليه فقتله الفتح، والمقصود منها قوله:
فأحجم لما لم يجد فيك مطمعاً
…
وأقدم لما لم يجد منك مهربا
واختلف في نسب أبي مسلم: فقيل من العرب، وقيل من العجم، وقيل من الأكراد، وفي ذلك يقول أبو دلامة:
أبا مخرم ما غير الله نعمة
…
على عبده حتى يغيرها العبد
أفي دولة المنصور حاولت غدرة
…
ألا إن أهل الغدر أباؤك الكرد
أبا مخرم خوفت بالقتل فاتحاً
…
عليك بما خوفتني الأسد الورد
ووصف المدائني أبا مسلم فقال كان قصير السمر جميلاً حلواً أنقى البشرة أحور العين عريض الجبهة حسن اللحية وافرها طويل الشعر قصير الساق والفخذ خافض الصوت فصيحاً بالعربية والفارسية حلو المنطق راوية للشعر عالماً بالأمور، ولم يرى ضاحكاً ولا مازحاً إلا في وقته، ولا يكاد يقطب في شيء من أحواله، تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر