الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن محمد بن أبي بكر من جملة قتلته، والله أعلم ولا ينبغي آن يعتقد السوء في السلف إلاما صح، والصحيح يلتمس له محامل ومخارج، مع القطع بأن عثمان قتل شهيداً مظلوماً، ولم يكن له قاتل إلا رعاء اجتمعوا عليه وأراذل. وقال شعبة عن عمرو بن دينار إن عمراً هو الذي قتل محمد بن أبي بكر، قلت هكذا أطلق: عمراً. والله أعلم من أراد به عمرو بن العاص أم عمرو بن عثمان أم غيرهما.
وفيها مات الأشتر النخعي، وكان قد بعثه علي أميراً على مصر، وهلك في الطريق، فيقال إنه سم، وإن عبد العثمان لقيه فسقاه عسلاً مسموماً، وكان الأشتر من الأبطال وكان سيد قومه وخطيبهم وفارسهم. وقد ذكر بعض إنه شارك في قتل عثمان رضي الله عنه قلت وقد قيل: ان دهاة العرب أربعة عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وعروة بن مسعود الثقفي والأشتر النخعي اسمه مالك بن الحارث وكأنهم يعنون بالدهاء الكيد والرأي والمكر. وقال في الصحاح الداهية الأمر العظيم والدهى بسكون الهاء، الفكر وجودة الرأي، يقال رجل داهية بين الدهى بسكون الهاء والدهاء ممدود والهمزة فيه منقلبة من الياء لا من الواو وهما دهيا وإن وما دهاك أي ما أصابك.
سنة تسع وثلاثين
فيها توفيت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية بسرف في الموضع الذي بنى بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه وذلك من الاتفاقات العجيبة وقبرها هنالك معروف بين مكة وبطن مر وفيها تنازع أصحاب علي وأصحاب معاوية رضي الله عنهما في إقامة الحج فمشى في الصلح أبو سعيد الخدري على أن يقيم الموسم شيبة بن عثمان الحجبي أي من أهل حجابة الكعبة.
سنة أربعين
فيها توفي خوات بن جبير الأنصاري البدري أحد الشجعان المذكورين وأبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري. نزل بماء، وقيل على ماء بدر، فقيل له البدري، وهو ممن شهد العقبة. وأبو أسيد الساعدي مالك بن ربيعة بدري مشهور، وقيل بقي إلى سنة ستين ومعيقيب الدوسي هاجر إلى الحبشة وشهد بدراً على اختلاف. وفيها مات الأشعث بن قيس الكندي بالكوفة في ذي القعدة، وكان شريفاً مطاعاً جواداً شجاعاً وله صحبة، ثم إنه ارتد، ثم أسلم فحسن إسلامه، وكان من أجل أمراء علي رضي الله عنه، وتزوج أخت أبي بكر الصديق، وأمر غلمانه أن ينحروا ويذبحوا ما وجدوا من
البهائم في شوارع المدينة، ففعلوا ذلك، فصاح الناس، وقالوا: ارتد الآشعث، اشرف عليهم من الدار، فقال: يا أيها الناس إني قد تزوجت عندكم ولو كنت في بلادي لأولمت وليمة مثلي ولكن قلت: اقتلوا ما حضر من هذه البهائم وكل من له منها شيءفليأتني أسلم له قيمته. وكان في أول الإسلام ممن هاجر من أهل اليمن في ثمانين رجلاً من قومه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه عمرو بن معد يكرب الزبيدي من زبيد، رتدا معا بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أسلما في أيام أبي بكر وحسن إسلامهما، وشهد المشاهد المشهورة بهما هكذا ذكر الإمام ابن سمرة في كتابه الموسوم بطبقات فقهاء اليمن وعيون من أخبار رؤساء الزمن. وفي السنة المذكورة استشهد أمير المؤمنين سامي المفاخر والمناقب أبو الحسن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، ولا زالت نفحات رحمته واصلة إليه، وثب عليه أشقى من أجرم عبد الرحمن بن ملجم الخارجي، فضربه في يافوخه بخنجر، فبقي يوما ثم قتل ابن ملجم وأحرق وما كان كفوءاً لشجاعة علي رضي الله عنه ولا عليه من ذوي الاقتدار لولا مساعدة الأقدار ولقد صدق فيه الذي قال:
وما كنت من أنداده يا ابن ملجم
…
ولولا قضاء ما أطقت له عينا
وليس في الخلفاء الأربعة ولا في غيرهم من الصحابة من هو أقرب نسباً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سواه، فإنه يجتمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عبد المطلب، بين كل واحد منهما وبينه أب واحد. فهو صلى الله عليه وآله وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وهو علي بن أبي طالب واسمه عبد مناف بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ابن عم الرسول وزوج البتول، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف أول هاشمية ولدت الهاشمي، ويكنى أبا الحسن، وكناه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا تراب لما وجده نائماً في المسجد وقد علق التراب بجسمه، فأيقظه صلى الله عليه وآله وسلم وقال:" قم أبا تراب " ويلقب أيضاً حيدرة، كانت أمه قد أسلمت وهاجرت وتوفيت بالمدينة، فخلع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قميصه وألبسه إياها وتولى دفنها، وقال:" كانت أحسن خلق الله صنيعاً إلي بعد أبي طالب "، وكان قتله رضي الله عنه صبيحة ليلة الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان وقد نيف على ستين. وقيل ابن ثلاث وستين. وقيل ثمان وخمسين، وصلى عليه ابنه الحسن، ودفن في قصر الإمارة عند الجامع وغيب قبره، وكانت خلافته أربع سنين وأربعة أشهر وأياماً، وكان إسلامه وهو ابن ثمان سنين. وقيل تسع، وقيل غير ذلك.
ومن مناقبه رضي الله عنه: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر: " لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يجب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله " الحديث الصحيح. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم له: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى
غير أنه لا نبي بعدي " الحديث الصحيح، وفيه خلف رسوله الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، قال يا رسول الله أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: " أما ترضى " الحديث. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". رواه الإمام أحمد. وروى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال له: ما منعك إن تسب أبا تراب؟ فقال: اما ما ذكرت ثلاث قالهن له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلن أسبه، لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله عليه وآله وسلم يقول: وذكر ما تقدم من تخليف النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ". وقوله " يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ". ولما نزلت هذه الآية " فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم " - آل عمران: 61 - دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: " اللهم هؤلاء أهلي ". وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " وأقضاكم علي " ودعاؤه صلى الله عليه وآله وسلم له لما بعثه إلى اليمن قاضياً، ففي رواية عن علي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا له فقال:" اللهم اهد قلبه ولسانه " فقال علي: فما شككت في قضاء قضيته بين اثنتين. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في دعائه له: " اللهم ادر الحق معه حيث دار " رواه الترمذي. قلت وناهيك بفضائله ما اشتهر به من براعته في الشجاعة والعلوم، واهتمامه بنصرة الحق، واظهار شعائر الإسلام على العموم، وفيه أقول في هذا المنظوم.
ورابع السادة المولى أبو حسن
…
سيف القضاء وبحر العلم زخار
ومعدن الجود والدنيا مطلقها
…
بتاً ثلاثاً فتى بالفضل مشهار
قلت ومناقبه رضي الله عنه، وماله من المفاخر يخرج في التعداد عن حصر الحاضر، وإلى شيء من فضائله الشهيرات أشرت أيضاً في بعض القصيدات بهذه الأبيات.
ونائب وارث علم النبوة عن
…
رسوله البدر ماحي الظلمة الجالي
وحامل الراية البيضا لسنته
…
الغراء والبدعة العوجا لها قالي
وكاشف عن محيا كل غامضة
…
خمارها المجتلي للحسن والحال
وعاء مكنون أسرار مخدرة
…
ذي المنهل المستطاب المشرب الحالي
ان قيل من ذابلته قل أبوحسن
…
عالي المعالي على الضيغم الكالي
حازالثلاث التي سعد الرضي روى
…
عن سيد الرسل لم يوصف بإرسال
مع أنت مني يحب الله ثالثها
…
أو لا في أهل ولا يؤتي بأمثال
يكفيك في فضائله ما صح مسنده
…
فنسجه العالي لم ينسج بأمثال
من بعد تفضيلنا الشيخين معتقدي
…
نفضله قبل في النورين في بال
تفضيل صحب لعثمان عليه أتى
…
حال البداية لا في طول آجال
ففي النهاية كم حازت محاسنه
…
فضائل كان عنها قبلها خال
كالروض من بعد محل يانع خضر
…
مذيح الوشى بسيفي ويل هطال
هذا اعتقادي الذي ما شابه غرض
…
ولا تعصب بدعات وإضلال
والأكثرون من الأعلام مذهبهم
…
تفضيل عثمان عن إطلاق إجمال
ومال جمع كبار من أئمتنا
…
إلى علي بترجيح وإجلال
وفيها من التفاضل بعض قدوتنا
…
توافقوا عن شكوك ذات اشكال
فاروقهم مسند يروي توقفه
…
في ستة في البخاري إسنادها عال
والظاهر الآن عندي ما أقول به
…
والله أعلم ما في باطن الحال
إن الإمام شهيد الدار خاشعهم
…
الناسك الجامع القرآن والتالي
القانت المنفق الأموال حيث رضي
…
مولاه مولى عفيفاً طاهر أذيال
مجلل منه تستحيي ملائكة
…
ذوحياء وحلم غير مذلال
ليست فضائل ذي النورين مذكرة
…
لكن كم قوم حاوى لفضل مفضال
ليس الذي ينفق الأموال محتسباً
…
في نصرة الدين سمحا فيه بالمال
كباذل نفسه في الله محتسباً
…
في كل هيجا جنود الكفر قتال
كل حميد ولكن ليس جود فتى
…
بالمال كالجود بالروح الزكي الغالي
وليس تالي كتاب الله جامعه
…
كناشر لمعالم دينه العالي
وبعد هذه الأبيات قولي:
ونائب وارث علم النبوة عن
…
رسوله البدر ماحي الظلمة الجال
الأبيات المتقدمة إلى قول بدعات وإضلال، لأني بديت من وسط أبيات القصيدة
الموسومة بحادي الأظغان في تفضيل علي على عثمان، رضي الله تعالى عنهما ومطلعها:
يا سائق الظعن تحدوها بترحال
…
ارفق بها أنت بين الشيخ والضال
انزل بروض الحمى ما بين ذي سلم
…
وبين سلع بقرب المنهل الحال
واقرأ السلام على أهل الخيام وبح
…
بحب سلما وباهي حسنها الغال
وعم بالحب والمدح ولا تحب
…
بعضاً وبعضاً مبغضاً قالي
كل الصحابة سادات نجوم هدى
…
من يخل عن حب كل عن هدى خال
وأفضل الغر صديق سبوق عل
…
وبعده المساجد الفاروق جاتال
أما الإمامان رأس القوم بعدهما
…
ففيهما من خلاف بعض أقوال
وبعد هذه الأبيات ما تقدم من قولي، والأكثرون من الأعلام مذهبهم إلى آخر ما تقدم، ثم ختمت القصيدة بقوله:
ثم الصلاة على أعلى الأنام علي
…
المرتضى دون قاب المنصب العالي
وآله الغر والصحب الكرام معاً
…
ما غنت الورق أو ناحت بأطلال
وقد أفهمت ترتيبها كل من أراد أن يكتبها كلها، جملتها خمسة وثلاثون بيتاً. وفي قتل علي رضي الله تعالى عنه قصة مشهورة، وذلك أن الخوارج اجتمعوا وقالوا: إن علياً ومعاوية وعمرو بن العاص قد أفسدوا أمر هذه الأمة، فلو قتلناهم لعاد الأمر إلى حقه، وزال كل فساد لاحقه، فالتمسوا حيلة يتوصلون بها إلى قتلهم، ودبروا أمرهم بأن يكون قتل الثلاثة في ليلة واحدة، ثم تراجعوا في ثلاثة رجال ينتدبون لقتل الثلاثة، فقال عبد الرحمن بن ملجم: انا أقتل علياً، قالوا: وكيف لك بذلك؟ قال: اغتاله. وقال الحجاج بن عبد الله الضميري: وأنا أقتل معاوية. وقال دادويه العنبري: انا أقتل عمراً واتفقوا على أن يكون ذلك في سبع عشرة من رمضان فدخل ابن ملجم الكوفة وعلي رضي الله تعالى عنه بها، فاشترى سيفاً بألف درهم، وسقاه السم، وكمن لعلي رضي الله تعالى عنه، فلما خرج علي رضي الله عنه لصلاة الصبح ضربه على رأسه، وقيل كان ذلك في صلاة الجمعة. وأما الذي تكفل بقتل معاوية فدخل دمشق وضربه وهو في الصلاة فجرح إليته، ويقال إنه قطع عرق النسل فما أحبل بعدها. وأما رفيق عمرو بن العاص، فإنه دخل مصر وأراد قتله، وكان من قضاء الله في سلامة عمرو أنه استخلف خارجة بن حذافة في صلاة الصبح، وظن دادويه الخارجي أنه عمرو
فقتله، فأخذ وأدخل على عمرو بن العاص. فقال: من هذا الذي أدخلتموني عليه؟ فقالوا عمرو بن العاص. فقال: فمن قتلت؟ قالوا خارجة فقال: اردت عمراً وأراد الله خارجة. وقيل إن عمراً هو الذي قال ذا القول، فصار هذا مثلاً لمن أراد شيئاً ففعل غيره غلطاً، وذكر أهل النسب والأخبار أن عمرو بن العاص أرسل من مصر إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، يستمده بثلاثة آلاف فارس، فأمده بالزبير بن العوام والمقداد بن الأسود وخارجة بن حذافة المذكور، وذكر شجاعة الثلاثة مشهور، وهذا الذي قتل خارجة أعني دادويه على وزن خالويه، يل: هو من بني العنبر بن عمرو بن تميم وقيل مولى لهم. وقيل إن خارجة الذي قتله الخارجي على ظن أنه عمرو بن العاص، نه من بني سهم رهط عمرو بن العاص. وقيل ليس بصحيح، وقيل إن عمرو بن العاص إنما تخلف عن الصلاة واستنابه لأجل وجع أصابه في بطنه وكان عمرو يقول: ما نفعني وجع بطني قط إلا تلك الليلة، وإلى قتل خارجة وسلامة عمرو أشار عبد الحميد بن عبدون الأندلسي في قصيدة من جملتها هذا البيت:
وليتها إذ فدت عمراً بخارجة
…
فدت علياً بما شاءت من البشر
وكان عمرو بن العاص من دهاة العرب وشجعانها. وأما شجاعة علي رضي الله عنه فشائعة في كل مصر وريف، ولا يحتاج في شهرتها إلى تعريف، وكم له من مشاهد يستوجب فيها عظيم الثناء وجميل المحامد عند اضطرام الملاحم وانتهام المعالم، فهو هزبر غاياتها وحبر غامضاتها صارف عن وغاها نارها وكاشف عن حلاها خمارها. قلت: وقد أوضحت في كتاب المرهم في علم الأصول كيفية صفة بيعة أبي بكر واستخلافه عمر، وصفة قتل عمر بطعن الشيطان أبي لؤلؤة له وهو إمام في صلاة الصبح في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجعله الأمر بعده شورى بين ستة عثمان، وعلي وطلحة - والزبير - وسعد - وعبد الرحمن بن عوف، رجوع الأمر إلى تقديم عثمان وصفة والبيعة له، وكذلك صفة البيعة لعلي بعد قتل عثمان، وكذلك صفة خروج عائشة رضي تعالى الله تعالى عنها وطلحة والزبير إلى البصرة، وخروج علي بعدهم، ونباح كلاب الحوأب وهمها بالرجوع عند ذلك لذكرها ما قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك على ما هو معروف في الحديث. وكذلك صفة خروج الخوارج على علي رضي الله تعالى عنه، وقتاله وقتله لهم بعد إرساله ابن عباس إليهم، ومناظرته إياهم، ورجوع الخوارج