الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ربيع الأول من السنة المذكورة، ورثاه بعضهم بقوله:
جاد الحيا بالشام كل عشية
…
قبراً تضمن لحده الأوزاعي
قبر تضمن فيه طود شريعة
…
سقياً له من عالم نفاع
عرضت له الدنيا فأعرض مقلعاً
…
عنها بزهد أيما إقلاع
قلت ولو كان في البيت الأول سقى عوض جاد، كان صواباً لأنه حينئذ ينصب قبراً وتقديره أسقى الحبا قبراً وأما نصبه بجاد فلا يحسن بل لا يصح إلا بتعصب يعيد وإضمار محذوف يكون تقديره جاد فسقى قبراً وكذلك قوله في البيت الثاني تضمن فيه كان يعني قوله تضمن عن فيه فقوله فيه من التكرر المذموم العاري عن تضمن فائدة من تأكيد وغيره ورأى أن يكون بالمثناة من تحت أصح من المثناة من فوق وحينئذ يكون تضمن للحال ولا يكون لفظ فيه مذموماً على هذا بل يكون معناه يودع فيه بخلاف المثناة من فوق فإن معناه تضمن هو فلفظ في هذا بعد مستقبح والأوزاعي نسبة إلى الأوزاعي وهي بطن من ذي الكلاع من اليمن وقيل الأوزاع قرية بدمشق على طريق باب الفراديس ولم يكن منهم وإنما نزل فيه فنسب إليهم وقيل غير ذلك. وقال بعض المعبرين: قال يعلى بن عبيد: كنت عند سفيان الثوري فقال له رجل: رأيت البارحة كأن ريحانة رفعت إلى السماء من ناحية المغرب حتى توارت في السماء، فقال سفيان: ان صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعي، فوجده قد مات في تلك الليلة. وروي أن الإمام سفيان الثوري المذكور والمشهور السيد المشكور لما حج الأوزاعي خرج حتى لقيه بذي طوى فحل سفيان الحبل المقود به رأس بعيره ووضعه على رقبته، ومشى وهو يقول الطريق للشيخ. وفيها توفي الحسن بن واقد المروزي قاضي مرو ومحمد بن عبد الله ابن أخي الزهري.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
سنة ثمان وخمسين ومائة
فيها صادر المنصور خالد بن برمك وأخذ منه ثلاثة آلاف درهم، ثم رضي عنه، وأمره
على الموصل. وفيها في ذي القعدة بمكة توفي المنصور أبو جعفر عبد الله بن محمد العباسي وله ثلاث وستون سنة، وكانت خلافته اثتين وعشرين سنة، وكان ذا حزم وعزم ودهاء ورأي وشجاعة وعقل، وفيه جبروت وظلم، ولي بعده ولده المهدي، ولما عزم المنصور على قتل أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة لبني العباس كتب إليه ابن عمه عيسى بن موسى:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا روية
…
فإن فساد الرأي أن تتعجلا
وكتب إليه المنصور.
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة
…
فإن فساد الرأي أن تترددا
ومن أخبار المنصور: ما رووا عن أبي بكر الهذلي الشاعر المشهور، قال: قال لي المنصور: قد بلغت أربعين سنة وأريد الحج، وأنا داخل على أبي العباس أكلمه أن يعينني على سفري، يعني أخاه السفاح، فأعني بالقول، قال: قلت: افعل فلما دخل عليه ودخلت كلمه واستغنى عن كلامي، فحج، فما كان ببعض الطريق أتاه نعي أبي العباس، فأقبل على كل صعب وسهل حتى أتى دار الخلافة فظفر بالأموال. قال الراوي فلما توفيت امرأة الهذلي المذكور، وكانت أم ولده والقيمة في منزله، وجد عليها، فبلغ ذلك المنصور، فأمر حاجبه الربيع أن يأتيه ويعزيه ويقول له: ان أمير المؤمنين متوجه إليك الليلة بجارية نفيسة لها أدب وطرب وهيئة ومعرفة تسليك عن امرأتك، وتسد موضعها وتقوم بأمر منزلك، ويأمر لك مع ذلك بفرش وكسوة، قال: فلم يزل الهذلي يتوقع ذلك فلم يره، ونسيه المنصور فلم يذكره، ولم يذكره بذلك أحد ثم إن المنصور لما حج وكان الهذلي منه قال وهو بالمدينة الشريفة: اني أحب أن أطوف الليلة في المدينة، فأنظروا إلي رجلا يعرف منازل أهل المدينة ومساكنها ورباعها وطرقها وأخبارها يكون معي فيعرفني ذلك، فقالوا له: ما نعلم أحداً أعلم بذلك ولا أعرف به من أبي بكر الهذلي، فأمره بالحضور، فلما كان في الليل خرج المنصور على حمار يطوف في سكك المدينة وهو معه، فجعل يسأله عن ربع ربع وسكة سكة وموضع وموضع فيخبره بمن هو ولمن كان، يقص قصة الحال فيه حتى مر ببيت عاتكة، فسأل عنه فقال: يا أمير المؤمنين، هذا بيت عاتكة
الذي قال فيه الأحوص بن محمد الأنصاري:
يا بيت عاتكة التي أتعزله
…
حذر العدى وبه الفؤاد موكل
وأنشد القصيدة حتى بلغ قوله:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم
…
مذق الحديث يقول ما لا يفعل
فقال المنصور له: ويحك يا أبا بكر وفي الدنيا أحد يعد ولا ينجز ويقول ما لا يفعل؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، اذا نسي. قال: فضحك المنصور وقال: صدقت أذكرتني ما كنت وعدتك، لا جرم والله لا تصبح حتى يأتيك ذلك، قال: فلم يصبح حتى وجه إلي بجارية نفيسة بفرشها وأثاثها وآلاتها ووصلني بمال. قلت ذكر بعضهم إن العاتكة المذكورة هي بنت عبد الله بن أبي سفيان الأموي، وذكروا أيضاً في بني أمية عاتكة بنت يزيد بن معاوية زوجة عبد الملك بن مروان، وروي عن الهذلي أيضاً أنه قال: طلبت الإذن على المنصور فوعدت بيوم أدخل عليه فيه، فوافيت ذلك اليوم فوجدت أبا حنيفة وعمرو بن عبيد قد سبقاني، فقعدا قليلاً ثم خرج الأذن لنا فدخلنا، وقد كنت هيأت كلاماً ألقى به المنصور، وهيأ أبو حنيفة مثل ذلك، فلما رأيناه ارتج علينا، وكان جهدنا أن أقمنا التسليم فسلمنا فأومى برأسه وأقبلت ألاحظ أبا حنيفة أعجبه مما نالني وناله من الدهش، فرفع عمرو رأسه فقال. بسم الله الرحمن الرحيم " والفجر وليال عشر " - الفجر: 1 - إلى قوله تعالى: " فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد " - الفجر: 13و14 - يا أمير المؤمنين: بالمرصاد، لمن عمل مثل عملهم إن ينزل به مثل ما نزل بهم، فاتق الله يا أمير المؤمنين فإن وراءك نيراناً تأجج من الجور ما يعمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. قلت أرى في هذا الكلام شيئاً ساقطاً في موضعين. أحدهما قوله: ان ينزل به يحتمل أن يكون فليحذر أن ينزل به، والثاني قوله تأجج من الجور ما يعمل، يحتمل أن يكون من الجور لمن يعمل، فقال: يا أبا عثمان، انا لنكتب إليهم في الطوامير نأمرهم بالعمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فإن لم يفعلوا فما عسى أن نصنع، فقال: يا أمير المؤمنين، مثل أذن فأر يجزيك من الطوامير، تكتب إليهم في حاجة نفسك فينفذونها، وتكتب إليهم في حاجة الله فلا تنفذ، انك والله لو لم ترض من عمالك إلا بالعدل، اذن ليقرب إليك من لانية له فيه.
ثم ذكر سليمان بن مجالد ومعارضته لعمرو، فقال له عمرو: يا ابن مجالد، خزنت نصيحتك عن أمير المؤمنين، ثم أردت أن تحول بينه وبين من أراد أن ينصحه يا أمير المؤمنين، ان هؤلاء اتخذوك سلماً لشهواتهم، فأنت كالآخذ بالقرنين وغيرك يحلب، فاتق الله يا أمير المؤمنين، فإنك ميت وحدك، ومبعوث وحدك ومحاسب وحدك، لن يغني عنك هؤلاء من الله شيئاً، قال: فأطرق أبو جعفر يفكر في كلامه، ثم دعا خادماً على رأسه فسار بشيء، فأتاه الخادم بمنديل فيه دنانير، فقال: يا أبا عثمان بلغني ما الناس فيه من الشدة، فاصرف هذه حيث شئت، قال ما كنت لآخذها، قال لتأخذها والله قال لا آخذها، قال والله لتأخذنها، قال والله لا آخذها، فقال له المهدي وكان حاضراً، يحلف أمير المؤمنين لتأخذه وتحلف أنت لا تأخذه؟! قال عمرو: يا ابن أخي إن أمير المؤمنين أقدر على الكفارة مني، فقال أبو جعفر للمهدي اسكت فإن عمك بناء واثق، قال: فسكت وقعد قليلاً ثم قمنا، فقلت لأبي حنيفة عند خروجنا: انا نسينا ما أردنا من الكلام، فكيف ذهب عنا أن نجيء بما جاء به عمرو ومن كتاب الله؟!. قلت عمرو بن عبيد المشهور بالزهادة والعبادة من المعتزلة، وله في الاعتقاد أقوال شنيعة في الابتداع مضيعة في الأسماع، ذكرت بعضها في الكتاب الموسوم بالمرهم، ولما اعتزل هو وأصحابه حلقة الحسن البصري وباينوا أهل السنة، سموا معتزلة من يومئذ. وقال الهذلي المذكور: قال السفاح: بأي شيء بلغ حسنكم ما بلغ؟ يعني الحسن البصري. قلت: يا أمير المؤمنين، جمع كتاب الله وهو ابن اثنتي عشرة سنة فلم يجارز سورة إلى غيرها حتى يعرف تأويلها وفيما أنزلت، ولم يقلب درهماً في تجارة، ولم يل للسلطان امارة ولم يأمر بشيء فيهم حتى يفعله، ولا يترك شيئاً حتى بدعه، او كما قال، فقال: بهذ بلغ الشيخ ما بلغ. وقال الأصمعي: قال لي الرشيد: قال المنصور للمهدي: يا عبد الله إن الخليفة لا يصلحه إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلاً من ظلم من هو دونه. وذكر في المقتبس أيضاً: انه لما أتم المنصور بناء مدينة السلام بغداد، وأراد النقلة إلى قصره بباب الذهب، وقف على باب القصر يتأمله، فإذا على الحائط مكتوب.