الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن أمكنني الله منه لأفعلن به ولأصنعن، فلما أمكنه الله منه هم بإيقاع الفعل به، فقام إليه رجاء بن حيوة المذكور، وقال: يا أمير المؤمنين، قد صنع الله لك ما أحببت، فاصنع ما يحب الله من العفو، فعفا عنه وأحسن إليه، وقد تقدم أنه هو الذي أشار على سليمان بن عبد الملك في مرض موته أن يجعل ولي العهد بعده عمر بن عبد العزيز، ففعل، وكتب ذلك في كتاب ثم ختمه، وجمع الناس وأمرهم أن يبايعوا المذكور في باطن الكتاب فبايعوا وهم لا يدرون من فيه، ثم كذلك لما مات سليمان جمع الناس قبل أن يعلموا بموته فقال لهم أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب فبايعوا، ثم قال لهم أعظم الله أجركم في أمير المؤمنين، ثم فتحوا الكتاب فعرفوا أن المبايع فيه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، كل ذلك بإشارة رجاء بن حيوة ونصيحته وتوفيقه للصواب وهدايته، رحمة الله تعالى. وفيها توفي القاسم بن عبد الرحمن الدمشقي الفقيه. قال أبو إسحاق الحواني: كان خياراً فاضلاً، ادرك أربعين من المهاجرين والأنصار. وفيها توفي طلحة بن مصرف الهمداني الكوفي، وكان يسمى سيد القراء. وقال فيها أبو معشر: ما يرى بعده مثله.
سنة ثلاث عشرة ومائة
فيها توفي فقيه الشام أبو عبد الله مكحول مولى بني هذيل، سمع من طائفة من الصحابة، وأرسل عن طائفة منهم، قال أبو حاتم: ما أعلم بالشام أفقه من مكحول. وقال سعيد بن عبد العزيز: اعطوا مكحولاً عشرة آلاف دينار، وكان يعطي الرجل خمسين وقال الزهري: العلماء أربعة سعيد بن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن بالبصرة، ومكحول بالشام. ولم يكن في زمنه أبصر منه بالفتيا، وكان لا يفتي حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا رأي والرأي يخطىء ويصيب.
وفيها وقيل في العام القابل توفي أبو إياس معاوية بن قرة المزني المصري، وفيها توفي في شهر بن حوشب.
سنة أربع عشرة ومائة
فيها توفي فقيه الحجاز ذو الأوصاف الملاح الإمام أبو محمد عطاء بن أبي رباح
المكي مولى قريش، سمع من عائشة وأبي هريره وابن عباس وجابر بن عبد الله وابن الزبير وخلق كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وروى عنه عمرو بن دينار والزهري وقتادة ومالك بن دينار والأعمش والأوزاعي وخلق كثير، وإليه والي مجاهد انتهت فتوى مكة في زمانهما. وقال إبراهيم بن كيسان: وكان في زمان بني أمية يأمرون في الحاج صائحاً يصيح: لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح. وقال أبو حنيفة رحمه الله: ما رأيت أفقه منه. وقال ابن جريج: كان المسجد فراش عطاء عشرين سنة، وكان من أحسن الناس صلاة. وقال الأوزاعي: مات عطاء يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس، وقال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يطيل الصمت فإذا تكلم يخيل إلينا أنه يؤيد، وقال غيره: كان لا يفتر من الذكر. قلت وأما ما نقل في بعض كتب الفقه أنه كان يرى إباحة وطي الجواري بإذن أربابهن، وما نقل بعضهم أنه كان يبعث جواريه إلى ضيفانه، فقد قال بعض أهل العلم الذي أعتقد أن هذا بعيد، فإنه لو رأى الحل كانت المروة والغيرة تأبى ذلك، فكيف يظن هذا بمثل ذلك السيد الإمام والله. سبحانه العلام. قلت وينبغي أن يحمل ذلك على بعث الجواري لسماع القول منهن على تقدير صحة ذلك عنه، فنحو من هذا ما نقل المشايخ في كتب التصوف في باب السماع أنه كان يأمر جواريه يسمعن أصحابه عند اجتماعهم، وفي ذا ما فيه أيضاً، فإن صح فينبغي أن يحمل على ما إذا لم يخش فتنة بحضورهن وسماع أصواتهن، وإذا قلنا إن صوت المرأة ليس بعورة. وفي السنة المذكورة وقيل في سنة تسع عشرة وقيل في ثماني عشرة وهو الذي إليه مال
جماعة من المؤرخين - توفي أبو محمد علي بن عبد الله بن عباس جد السفاح والمنصور. كان سيداً شريفاً بليغاً، وكان أصغر أولاد أبيه وأجمل قرشي على وجه الأرض وأوسمه وأكثره صلاة، وكان يدعى السجاد لذلك له خمس مائة أصل، وكان يصلي كل يوم إلى كل أصل ركعتين، فيجتمع من الجميع ألف ركعة.
وروي أنه لما ولد أتى، علي بن أبي طالب إلى أبيه رضي الله عنهما فهنأه وقال شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب ما سميته؟ قال: او يجوز لي أن أسميه حتى تسميه؟ فأمر به وأخرج إليه فحنكه ودعا له، ثم رده إليه، وقال خذ إليك أبا الأملاك، ويروى أبا الخلائف، قد سميته علياً، وكنيته أبا الحسن، فلما كان زمن ولاية معاوية قال: ليس لكم اسمه وكنيته، وقد كنيته أبا محمد فجرى عليه، هكذا قال المبرد في الكامل. وقال الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء لما قدم على عبد الملك بن مروان قال له: غير اسمك وكنيتك فلا صبر لي عليهما، فقال أما الاسم فلا وأما الكنية فأكنى بأبي محمد، فغير كنيته انتهى. قيل وإنما قال عبد الملك هذه المقالة لبغضه في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. إذ اسمه وكنيته كذلك. وذكر الطبري في تاريخه أنه دخل على عبد الملك بن مروان فأكرمه وأجلسه على سريره، وسأله عن كنيته فأخبره، فقال لا يجمع في عسكري هذا الاسم وهذه الكنية لأحد، وسأله هل له من ولد فأخبره بولده محمد، وكناه أبا محمد. وقال الواقدي ولد أبو محمد يعني علي بن عبد الله المذكور في الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والله أعلم بالصواب. قلت هذا يناقض ما تقدم من أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حنكه ودعا له، ولا يصح أن يقال فعل ذلك، ثم قتل من ليلته، اذ ورد أنه حنكه بعد صلاة الظهر. وقال المبرد: ضرب علي المذكور بالسياط مرتين كلتاهما ضربه الوليد بن عبد الملك. إحداهما في تزويجه لبابة بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وكانت عند عبد الملك، فعض تفاحة ثم رمى بها إليها وكان أبخر، فدعت بسكين فقال: ما تصنعين بها؟ فقالت أميط عنها الأذى، فطلقها، وتزوجها علي بن عبد الله المذكور، فضربه الوليد، وقال: انما يتزوج بأمهات الخلفاء ليضع منهم، ان مروان بن الحكم إنما تزوج بأم خالد بن يزيد بن معاوية ليضع منه، فقال علي بن عبد الله: انما أرادت الخروج من هذا البلد وأنا ابن عمها فتزوجتها لأكون لها محرماً. وأما ضربه إياه في المرة الثانية: فقد حدث محمد بن شجاع بإسناد متصل. قال: رأيت علي بن عبد الله مضروباً بالسوط، يدار به على بعير، ووجهه مما يلي ذنب البعير، وصائح يصيح هذا علي بن عبد الله الكذاب، فأتيته. وقلت: ما هذا الذي نسبوا إليك من الكذب؟ قال: بلغهم أني قلت إن هذا الأمر سيكون في ولدي، والله ليكونن فيهم حتى يملكهم عبيدهم الصغار العيون العراض الوجوه، واختلفوا في الذي تولى ضرب علي، وذكر بعضهم أنه مات مقتولاً.
وروي أن علي بن عبد الله دخل على هشام بن عبد الملك ومعه ابنا ابنه الخليفتان السفاح والمنصور، فأوسع له على سريره، وسأله عن حاجته، فقال: ثلاثون ألف درهم علي دين، فأمر بقضائها. قال ويستوصي بابني هذين خيراً، ففعل فشكره، وقال وصلتك رحم فلما ولي قال هشام لأصحابه إن هذا الشيخ قد اختل وخلط فصار يقول إن هذا الأمر سينقل إلى ولده، فسمعه علي وقال: والله ليكونن ذلك وليملكن هذان وكان عظيم المحل عند أهل المحجاز، حتى روي أنه كان إذا قدم مكة حاجاً أو معتمراً عطلت قريش مجالسها في المسجد الحرام، وهجرت مواضع حلقها، ولزمت مجلسه إعظاماً وإجلالاً وتبجيلاً، فإن قعد قعدوا وإن نهض نهضوا وإن مشى مشوا جميعاً حوله حتى يخرج من الحرم، وكان طويلاً جسيماً ذا لحية طويلة وقدم عظيم جداً لا يوجد له نعل ولا خف حتى يستعمله مفرطاً في طوله، اذا طاف كأنما الناس حوله مشاة وهو راكب، وكان مع هذا الطول إلى منكب أبيه عبد الله، وكان عبد الله إلى منكب أبيه العباس، وكان العباس إلى منكب أبيه عبد المطلب ذكر هذا كله المبرد. وذكر أيضاً أن العباس كان عظيم الصوت، جاءته مرة غارة وقت الصبح، فصاح بأعلى صوته. واصباحاه فلم تسمعه حامل في الحي إلا وضعت. وذكر الحازمي ما تقدم وأن العباس كان يقف على سلع وهو جبل عند المدينة فينادي غلمانه وهم بالغابة فيسمعهم، وذلك من آخر الليل وبين الغابة وسلع ثمانية أميال. وفيها توفي علي بن عبد الله رحمه الله ابن ثمانين سنة، وكانت ولادته ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة
أربعين، وقيل غير ذلك. وذكر الطبري في تاريخه أن الوليد بن عبد الملك أخرج علي بن عبد الله من دمشق، وأسكنه الميمة ولم يزل ولده بها إلى أن زالت دولة بني أمية، وولد له بها نيف وعشرون ولداً ذكراً. وفيها توفي أبو جعفر الباقر محمد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم، احد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية، وهو والد جعفر الصادق، لقب بالباقر لأنه بقر العلم أي شقه وتوسع فيه، ومنه سمي الأسد باقر البقرة بطن فريسة وفيه يقول الشاعر: بعين، وقيل غير ذلك. وذكر الطبري في تاريخه أن الوليد بن عبد الملك أخرج علي بن عبد الله من دمشق، وأسكنه الميمة ولم يزل ولده بها إلى أن زالت دولة بني أمية، وولد له بها نيف وعشرون ولداً ذكراً. وفيها توفي أبو جعفر الباقر محمد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم، احد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية، وهو والد جعفر الصادق، لقب بالباقر لأنه بقر العلم أي شقه وتوسع فيه، ومنه سمي الأسد باقر البقرة بطن فريسة وفيه يقول الشاعر:
يا باقر العلم لأهل التقى
…
وخير من ركب على الأجبل
وقال عبد الله بن عطاء ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند محمد بن علي ومن كلامه رضي الله عنه: من دخل قلبه صافي خالص دين الله شغله عما سواه، وما عسى أن تكولن الدنيا؟ هل هو إلا مركب ركبته، او ثوب لبسته، او امرأة أصبتها، او أكلة أكلتها. وقال إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة وأكدرهم معونة، ان نسيت ذكروك، وإن ذكرت أعانوك، قوالين بحق الله تعالى قوامين بأمر الله عز وجل، فأنزل الدنيا كمنزل نزلت به وارتحلت عنه، او كما أصبته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء، وقال الغناء والعز يجولان في قلب المؤمن فإذا وصل إلى مكان فيه التوكل استوطنا. قلت يعني وإن لم يجدا فيه توكلا رحلاً عنه، وفي معنى ذلك قلت:
يجول الغنا والعز في قلب مؤمن
…
فإن الذيا جوف القلوب توكلا
أقاما فأمسى العبد بالله ذاعناً
…
عزيز وإن لم يلقياه ترحلا
وقال رضي الله عنه: كان لي أخ في عيني عظيماً، وكان الذي عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه، عاش رضي الله تعالى عنه ستاً وخمسين سنة، ودفن في البقيع مع أبيه وعم أبيه الحسن بن علي والعباس رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وفي السنة المذكورة توفي أبو عبد الله وهب بن منبه اليماني الصنعاني الإمام العلامة، وله ثمانون سنة. روي عن ابن عباس، وقيل عن أبي هريرة وغيره من الصحابة، وولي القضاء لعمر بن عبد العزيز، وكان شديد الاعتناء بكتب الأولين وأخبار الأمم وقصص الماضيين بحيث كان يشبه بكعب الأحبار في زمانه. وحكى عنه ابن قتيبة قال: قرأت من كتب الله اثنتين وسبعين كتاباً وله تصنيف ترجمة بذكر الملوك المتوجه من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم في مجلد واحد وهو من الكتب المفيدة. وكان له إخوة منهم همام بن منبه كان أكبر من وهب. وروى عن أبي هريرة رضي الله
تعالى عنه، وهو معدود من جملة الأبناء، ومعنى قولهم فلان من جملة الأبناء: ان أبا مرة سيف بن ذي يزن الحميري صاحب اليمن لما استولت الحبشة على ملكه توجه إلى كسرى أنوشروان ملك الفرس يستنجده عليهم، وقصته في ذلك مشهورة وخبره طويل وخلاصة الأمر أنه سير معه سبعة آلاف وخمس مائة فارس من الفرس وجعل مقدمهم وهوز، هكذا قاله ابن قتيبة. وقال محمد بن إسحاق: لم يسر معه سوى ثمان مائة فارس فغرق منهم في