الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة سبعين ومانة
وفيها توفي الخليفة الهادي موسى بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله، قيل مات من قرحة أصابته، وقيل قتلته أمه الخيزران لما هم بقتل أخيه هارون الرشيد. وفيها توفي أبو النضر جرير بن حازم الأزدي البصري، احد فصحاء البصرة ومحدثيها، روى عن الحسن والكبار. وفيها توفي أبو معشر السندي صاحب المغازي والأخبار، وفيها مات كاتب المهدي ووزيره معاوية بن عبد الله، وكان من خيار الوزراء، صاحب علم وفضل وعبادة وصدقات. وفيها توفي الربيع بن يونس حاجب المنصور، كان كثير الميل إليه، حسن الاعتماد عليه، فقال له يوماً: يا ربيع سل حاجتك، قال: حاجتي أن تحب ابني، فقال: ويحك إن المحبة تقع بأسباب، فقال: قد أمكنك الله من ايقاع سببها، قال: وما ذاك؟ قال: تفضل عليه فإنك إذا فعلت ذلك أحبك، وإذا أحبك أحببته، قال: والله قد أحببته وقد حببته إلي قبل إيقاع السبب، ولكن كيف اخترت له المحبة دون كل شيء؟ قال لأنك إذا أجبته كبرعندك صغير إحسانه، وصغرعندك كبير إساءته، وكانت ذنوبه كذنوب الصبيان، وحاجته إليك كحاجة الشفيع العريان، قيل: اشار بذلك إلى قول الفرزدق:
ليس الشفيع الذي يأتيك متزراً
…
مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
وهذا البيت من جملة أبيات له في عبد الله بن الزبير بن العوام، لما طلب الخلافة لنفسه، واستولى على الحجاز والعراق واليمن في أيام خلافة عبد الملك بن مروان، وكان قد اختصم الفرزدق هو وزوجته النوار، فمضيا من البصرة إلى مكة ليفصل الحكم بينهما عبد الله بن الزبير، فنزل الفرزدق عند ابنه حمزة، ونزلت النوار عند زوجته، وشفع كل واحد منهما لنزيله، فقضى عبد الله للنوار، وترك الفرزدق، فقال الأبيات المذكورة، فصار الشفيع العريان مثلاً يضرب لكل من قبلت شفاعته. قلت وهذا يرد قول من يزعم أن هذا المثل في هذا النظم من اختراع أبي نواس مخاطباً
به هارون الرشيد كما سيأتي في ترجمته. وقال المنصور له يوماً: ويحك يا ربيع ما أطيب الدنيا لولا الموت، فقال: ما طابت إلا بالموت، قال: وكيف ذلك؟ قال: لولا الموت لم تقعد هذا المقعد، قلت يعني أنه لو لم يمت الخليفة الذي قبلك لما وصلت الخلافة إليك، بل لو لم يمت أول ملك من ملوك الدنيا لما ملك أحد بعده، قال: صدقت، وقال له المنصور لما حضرته الوفاة: يا ربيع بعنا الآخرة بنومه. وقال ربيع: كنا يوماً وقوفاً على رأس المنصور، وقد طرحت للمهدي، وهو ولي عهده وسادة، اذا أقبل صالح بن المنصور، وكان قد رسخه لتولية بعض أموره، فقام بين السماطين والناس على قدر أنسابهم ومراتبهم، فتكلم فأجاد، فمد المنصور يده إليه، وقال يا بني، واعتنقه، ونظر إلى وجوه الناس، هل فيهم من يذكر مقامه ويصف فضله، وكلهم كرهوا ذلك بسبب المهدي خيفة منه، فقام شبة بضم الشين المعجمة وفتح الباء الموحدة ابن عقال التميمي، فقال: لله در خطيب قام عندك يا أمير المؤمنين: ما أفصح لسانه وأحسن بيانه وأمضى جنانه وأبل ريقه وأسهل طريقه! وكيف لا يكون كذلك، وأمير المؤمنين أبوه، والمهدي أخوه، وهو كما قال الشاعر:
هو الجواد فإن يلحق بشأوهما
…
على تكاليفه فمثله لحقا
أويسبقاه على ما كان من مهل
…
فمثل ما قد، ما من صالح سبقا
فعجب من حضر لجمعه بين المدحين وإرضائه المنصور وخلاصه من المهدي. قال الربيع: فقال لي المنصور: لا يخرج التميمي إلا بثلاثين ألف درهم، فلم يخرج إلا بها. وقال الطبري: مات الربيع في سنة تسع وستين ومائة خلاف ما قدمناه وقيل: ان الهادي سمه، وقيل: بل مرض ثمانية أيام، والله سبحانه العلام. وفي السنة المذكورة توفي يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، كان والياً على إفريقية خمس عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكان جواداً سرياً ممدوحاً، قصده جماعة من الشعراء فأعطاهم عطايا سنية، وهو الذى قصده ربيعة بن ثابت الأسدي الرقي فأحسن إليه، وكان ربيعة المذكور قد مدح يزيد بن أسيد بضم الهمزة السلمي، فقصر يزيد في حقه، فقال يمدح يزيد بن حاتم ويهجو يزيد السلمي بقصيدته التي من جملتها:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى
…
يزيد سليم والأعز بن حاتم
فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله
…
وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا تحسب التمتام أني هجوته
…
ولكنني فضلت أهل المكارم
هوالبحر إن كلفت نفسك خوضه
…
تهالكك في أمواجه بالتلاطم
وقد قيل إن يزيد بن حاتم المذكور توفي سنة خمس وثمانين ومائة، وسنعيد ذكر ترجمته هناك مع زيادات على ترجمته هنا، ان شاء الله تعالى، ويزيد بن حاتم المذكور أخوه روح بضم الراء وسكون الواو قبل الحاء المهملة ابن حاتم من الكرماء الأجواد، ولي لخمسة من الخلفاء: السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد، ويقال: انه لم يتفق مثل هذا إلا لأبي موسى الأشعري الصحابي، رضي الله تعالى عنه، فإنه ولي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولأبي بكروعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم. وكان روح والياً على السند بتولية المهدي بن أبي جعفر المنصور في سنه تسع وخمسين، وقيل ستين ومائة، وكان قد ولاه في أول خلافته الكوفة، ثم عزله عن السند سنة إحدى وستين ومائة، ثم ولاه البصرة. فلما توفي أخوه يزيد في السنة المذكوره بإفريقية في مدينة القيروان، وكان قد قال أهل إفريقية: ما أبعد ما يكون بين قبري هذين الأخوين: فإن هذا هنا وأخاه بالسند، فاتفق أن الرشيد عزل روحاً عن السند، وسيره إلى موضع أخيه يزيد، فوصل إلى إفريقية في أول رجب سنة إحدى وسبعين ومائة، ولم يزل والياً عليها إلى أن توفي بها، فدفن مع أخيه في قبر واحد، فعجب الناس من هذا الاتفاق بعد ذلك التباعد والافتراق، وكان تولية المنصور يزيد المذكور على إفريقية عندما قتلت الخوارج عامله فيها، وجهز معه خمسين ألف مقاتل حين زار المنصور بيت المقدس، وكان قد ولاه قبل ذلك على مصر. وفي السنة المذكورة توفي إمام اللغة والعروض والنحو الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي، وقيل في سنة خمس وسبعين ومائة، وقيل في ستين ومائة، وقيل ثلاثين ومائة، وغلط ناقل هذا القول الأخير، وممن نقله ابن الجوزي والواقدي، وهو الذي استنبط علم العروض وحصر أقسامه في خمس دوائر، استخرج منها خمسة عشر بحراً، ثم زاد فيه الأخفش بحراً، سقاه المجتث، قلت وله أسماء أخرى ذكرتها في علم العروض، وقيل إن الخليل دعا بمكة أن يرزق علماً لم يسبق إليه أحد، فلما رجع من حجه فتح عليه بعلم العروض، وله معرفة بالايقاع والنغم، وتلك المعرفة أحدثت له علم العروض، فإنهما متقاربان في المأخذ. وقال حمزة بن الحسن الأصفهاني في كتابه المسمى بالتنبيه على حدوث التصحيف: وبعد فإن دولة الإسلام لم تخرج أبدع العلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول إلا
من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه ولا على مثال تقدمه احتذاه، وإنما اخترعه من ممر له بالقصارين من وقع مطرقة على طست، وقيل: وهو في اختراعه عالم العروض الذي هو لصحة الشعر وفساده ميزان كارسطاطاليس الحكيم في اختراعه علم المنطق الذي هو ميزان المعاني وصحة البرهان، وفي ذلك أقول على طريق التشبيه والبيان:
بميزان حبر بارع كن بما أتى
…
يجيء أرسطاطاليس صنعاً ويبدعا
بحيث سما علياً النجابة واضعاً
…
عروضاً حكت روضاً زها متنوعا
يظل به من يهتدي الحسن مولعاً
…
ومن لايحسن يهتدي متولعا
كأن بها الحسن من تلك بدرة
…
بدا من سما مجد الخليل مشعشعا
ومن تأسيس الخليل بناء كتاب العين الذي يحضر فيه لغة أمة من الأمم، ثم من إمداد سيبويه من علم النحو بما صنف منه كتابه المشهور، ومن براعة ذكائه: ما ذكر في كتاب المقتبس أنه كان للناس رجل يعطي دواء لظلمة العين ينتفع الناس به، فمات، فاحتيج إلى ذلك الدواء، ولم يعرف ما هو، فذكر ذلك للخليل فقال: اله نسخة معروفة؟ قالوا: لم نجد نسخته. قال: فهل كانت له آنية يعمل فيها؟ قالوا: نعم إناء كان يجمع فيه الأخلاط، قال: فأتوني به، فجاءوه به، فجعل يتشممه ويخرج نوعاً نوعاً حتى ذكر خمسة عشر نوعاً، ثم عمله وأعطاه الناس فشفوا به، ثم وجدت النسخة والأخلاط المذكورة فيها ستة عشر، لم يغفل إلا واحداً. قلت ومما يناسب هذا الفهم العظيم ما حكي عن حكيم، وذلك أنه عمي بعض الحكماء في بلاد الشام، ولم يدر ما سبب عماه حتى يعالجه بما يناسبه من أضداد العلة المفذهبة للبصر، فسمع بحكيم في بلاد الهند، فارتحل إليه، فلما قدم عليه عرض عليه ما أصاب عينيه، فنظر فيهما ذلك الحكيم، ثم قال له: العلة في ذهاب نور بصرك أنك بلت في يوم حار على حية ميتة في سبخة من الأرض، فطلع في عينيك بخارها، ثم استدعى بغلامه، فأتي بكحل، فكخل به عينيه، فأبصر في الحال، ثم رجع إلى بلاده فأراد أن يختبر صحة ما قاله الحكيم، فتتبع موضع الحياث حتى ظفر بحية فقتلها، ثم رمى بها في سبخة تشرق عليها الشمس، وتهب عليها الريح مدة من الزمان، ثم أتى فبال عليها فعمي في الحال، ثم قال لغلامه: الرحيل فرحل إلى ذلك الحكيم، وتنكر جهده حتى لا يعرفه، وقال لغلامه: اذا رفع المرود ليكحل به عيني فخذه من يده وضعه في فمي، فقال: نعم إن شاء الله، فلما وصل إليه قال له: انا رجل غريب وقد ذهب بصري، عسى من أجل الله تعالى أن تعالجه بما يرد
عليه نوره، فقال له: كأني قد رأيتك قبل هذا اليوم، فغالطه فاستدعى ذلك الحكيم بالدواء الذي كحله به أولاً، فلما وضع طرفي المرود فيه ورفعه إلى عينيه خطف غلامه المرود من يده ووضعه في فم سيده فطعمه وشمه، فعرف فيه تسعاً وتسعين نوعاً من الأدوية، وغرب عنه نوع منها تمام المائة لم يعرف، فعرف ذلك الحكيم، فسأله فأخبر بذلك الذي لم يدركه، فرجع إلى بلاده وجمع تلك الأدوية من العقاقير، واكتحل فعاد إليه بصره، فسبحان اللطيف الخبير، الذي هو على كل شيء قدير، مسبب الأسباب، وميسر الأمور الصعاب. رجعنا إلى ذكر الخليل، والخليل أول من جمع جميع الحروف في بيت واحد حيث قال:
صف خلق جود كمثل الشمس إذ بزغت
يخطي الضجيع بها بخلاء معطار
وقال النضر بن شميل جاء رجل من أصحاب يونس، فسأله عن مسألة، فأطرق الخليل يفكر، وأطال إلى أن انصرف الرجل، فعجبنا منه وعاتبناه، فقال لنا: ما كنتم أنتم قائلين فيها؟ قلنا: كذا وكذا، قال: فإن قال لكم كذا؟ قلنا: كنا نقول كذا. قال: فيزيدكم كذا فلم يزل يعترض على قولنا إلى أن انقطعنا وأقبلنا نتفكر، فقال: ان المجيب إذا ابتدأ في الجواب قبح به أن يفكر بعد ذلك، ثم قال: ما أجبت بجواب قط إلا وأنا أعرف ما علي فيه، يعني من الاعتراضات والمؤاخذات. وقال بعض المؤرخين: كان الخليل رجلاً صالحاً عاقلاً حليماً وقوراً، وقال تلميذه النضر بن شميل: اقام الخليل في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلس، وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال، قال ولقد سمعته يوماً يقول: اني لأغلق علي بابي فما يجاوزه همي، وكتب إليه سليمان بن حبيب بن المهلب يستدعي حضوره، وكان في ولايته أرض فارس والأهواز، فكتب إليه الخليل جوابه:
أبلغ سليمان أني عنه في سعة
…
وفي غنى غيرأني لست ذا مال
شحاً بنفسي أني لا أرى أحداً
…
يموت هزلاً ولا يبقى على حال
والرزق عن قمر لا الضعف ينقصه
…
ولا يزيدك فيه حول محتال
والفقر في النفس لا في المال تعرفه
…
ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
وقيل: اجتمع الخليل وابن المقنع ليلة يتحدثان إلى الغداة، فلما تفرقا قيل للخليل: كيف رأيت ابن المقنع؟ فقال: رأيت رجلاً علمه أكثر من عقله، وقيل لابن المقنع: كيف رأيت الخليل؟ فقال: رأيت رجلاً عقله أكثر من علمه. وللخليل عدة تصانيف. وقال الخليل
كان يتردد إلى شخص يتعلم العروض، وهو بعيد الفهم، فأقام مدة، ولم يعلق على خاطره شيء منه، فقلت له يوماً: قطع هذا البيت:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه
…
وجاوزه إلى ما تستطيع
فشرع في تقطعيه على قدر معرفته، ثم نهض ولم يجىء بعد إلي، فعجبت من فطنته لما قصدته في ذلك البيت مع بعد فهمه. ويقال إن أبا الخليل أول من سمي بأحمد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ذكره صاحب كتاب المقتبس نقلاً عن أحمد بن أبي خيثمة، ومن النظم المنسوب إلى الخليل قوله:
وما هي إلا ليلة تم يومها
…
وحول إلى حول وشهر إلى شهر
مطايا يقربن الجديد إلى البلى
…
ويدنين أرحال الكرام إلى القبر
ويتركن أزواج الغيور لغيره
…
ويقسمن ما يحوي الشحيح من الوفر
وقوله:
ألا ينهاك شيبك عن صباكا
…
ويترك ما أضلك من هواكا
أترجو أن يعطيك قلب سلمى
…
وتزعم أن قلبك قد عصاك
وغير ذلك من الأشعار التي يطول ذكرها، وكان كثيراً ما ينشد قول الأخطل:
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد
…
ذخراً يكون كصالح الأعمال
وسأل الأخفش الخليل: لم سميت بحر الطويل طويلاً؟ قال: لأنه تمت أجزاؤه. قال فالبسيط؟ قال: لأنه انبسط على يدي الطويل. قال فالمديد؟ قال: لتمدد سباعيه حول خماسيه. قال فالوافر؟ قال: لوفورالأجزاء وتداً بوتد. قال فالكامل؟ قال لأن فيه ثلاثين حركة، لم يجتمع في غيره. قال فالرجز؟ قال: لاضطرابه كاضطراب قوائم الناقة الرجزاء. قال فالرمل؟ قال: لأنه يشبه رمل الحصير بضم بعضه إلى بعض. قال فالهزج؟ قال: لأنه يضطرب شبه هزج الصوت. قال فالسريع؟ قال: لأنه يسرع على اللسان. قال فالمنسرح؟ قال: لانسراحه وسهولته قال فالخفيف؟ قال: لأنه أخف السباعيات. قال فالمقتضب؟ قال: لأنه اقتضب من الشعر لقلته. قال فالمضارع؟ قال لأنه ضارع المقتضب. قال والمجتث؟ قال: لأنه اجتث أي قطع من طول دائرته. قال فالمتقارب؟ قال لتقارب أجزائه، وإنها خماسية كلها يشبه بعضها بعضاً. وقيل: لما دخل الخليل البصرة عزم على مناظرة أبي عمرو، فجلس في حلقته، ثم