الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2-
العهد الأشوري الوسيط:
ظلت أشور خاضعة لسلطان بابل إلى أن سقطت هذه الأخيرة على يد الحيثيين وبعد أن تراجعوا عنها احتلها الكاشيون، أما أشور فقد ظهر فيها أمراء أقوياء كافحوا طويلًا في جبهات مختلفة: فقد كان الآراميون في الغرب والحوريون "الذين كونوا المملكة الميتانية" في وسط بلاد النهرين1 والحيثيون في الفرات الأعلى والخابور والكاشيون في الجنوب، وقد خرج هؤلاء الأمراء من الأزمات والصعاب التي تعرضوا لها ما يقرب من خمسة قرون، وتمكنوا من تأسيس دولة قوية ساعدها الحظ في عهد ملكها "أشور أوبلط" بحدوث انقسام في البيت المالك الميتاني إلى فريقين؛ حيث استعان أحد الفريقين المتنازعين بأشور رغم أنها كانت لا تزال خاضعة لسلطان الميتانيين، وكنتيجة للمؤامرات والدسائس بين الفريقين قتل الملك توشراتا المعارض للفريق الموالي للأشوريين وفر ولده إلى بابل؛ ولكن ملكها "بورتا بورياش" تمسكًا بمبدأ الحياد رفض منحه حق اللجوء السياسي؛ فاضطر إلى الذهاب إلى البلاط الحيثي؛ بينما اقتسمت أشور ودولة صغيرة في حوض دجلة الأعلى تدعى "آلشي" بلاد ميتاني، وهكذا لم يتمكن "أشور أوبلط" من أن يحرر بلاده من سيطرة الميتانيين فحسب؛ بل وتمكن من أن يتسبب في القضاء على الدولة التي كان آباؤه يدفعون لها الجزية "دون أن يطلق سهمًا واحدًا"، وقد اتبع سياسة حكيمة مع جيرانه فتصاهر مع ملك الكاشيين "الذي تزوج بابنته" أملًا في أن يصبح حفيده يومًا ملكًا على بابل.
وتلا أشور أوبلط ثلاثة ملوك بجهود مشكورة في تأمين حدود بلادهم، بل وتمكن آخرهم "أدد نيراري" الأول من أن يضم مساحات أخرى من أرض الجزيرة إلى مملكته، على أن أعظم ملوك هذه الأسرة كان دون شك "شلمنصر الأول" رابع خلفاء أشور أوبلط؛ إذ استولى على منطقة أرمينيا
1 انظر أعلاه ص282 وما بعدها، 292- 293.
الجبلية "أورارتو" وبلاد الجوتيين وهزم ملك "هاني جلبات"1 وجنودها المرتزقة من الحيثيين وغيرهم.
وعندما اعتلى "توكلتي ننورتا" خليفة "شلمنصر الأول" على عرش أشور تمكن من الاستيلاء على بابل بعد أن هزم ملكها الكاشي "كاشتلياش"؛ ولكن مع هذا حدثت فتنة في أشور قتل فيها الملك وسادت بعد عهده الاضطرابات وتدهورت أحوال الدولة، وتوالى على حكم بابل ثلاثة أمراء ضعاف من الموالين لأشور، وبعد ذلك تمكن العيلاميون الذين عادوا إلى القوة بعد ضعف استمر نحو أربعة قرون من الاستيلاء على بابل، ولم يدم حكم العيلاميين لبابل طويلًا؛ لأن قواهم قد أنهكت في فتح المساحات الواسعة من إيران الغربية من جهة وتوالي تهديد الميديين والفرس لهم من جهة أخرى، وسرعان ما أصبح أمراء الأسرة البابلية الرابعة في أيسين على درجة من القوة؛ بحيث أمكنهم التدخل في شئون أشور، وانتهز "نبوخذ نصر الأول" ملك بابل فرصة الانهيار الذي حدث في مملكة العيلاميين بعد عهد ملكها "شيلاق - أنشوشناق" وهاجمها؛ ولكنه هُزم في أول حملة ثم انضم إليه أحد أمراء عيلام2 فانتصر عليها انتصارًا حاسمًا، كما سبق أن أشرنا.
وقد تعرضت أشور لسلسلة من الأزمات بسبب التنازع على العرش وضياع بعض الممتلكات الشرقية من بلادهم، ثم تجمعت حولها المتاعب من جميع الاتجاهات وكادت تقضي عليها لولا نشاط وكفاءة بعض الملوك من خلفاء "أشور - دان الأول"، وما إن اعتلى "تجلات بلاسر الأول" عرش أشور حتى قام بغزوات ناجحة في الشمال الشرقي والشمال ووصل إلى البحر الأسود، ثم اتجه غربًا نحو سواحل
1 كان يدعى "رتي مردوخ".
2 انظر أعلاه ص371.