الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
آسيا الصغرى وفينيقية، وبعد ذلك أخضع بابل فأصبح يحكم معظم أنحاء الشرق الأدنى من البحر الجنوبي إلى البحر الشمالي وسواحل البحر المتوسط.
وتوالى بعده على الحكم ملوك ضعاف تدهورت في أيامهم أحوال المملكة، وأصبح الآراميون يهددون حدودها في الغرب، إلى أن قدر لها بعد ذلك أن تنهض من جديد.
3-
العهد الأشوري الحديث:
يقسم هذا العهد إلى دوري نهوض تخللتهما فترة من الضعف، وهذان الدوران هما:
أ- الإمبراطورية الأشورية الأولى:
حينما تسلم الحكم "أدد نيراري الثاني" عمل على تقوية جيشه وبدأ في إخضاع بعض الأقاليم المجاورة، ثم تحالف مع مملكة بابل ونظم شئون الدولة، ولما تبعه "توكلتي ننورتا الثاني" زاد من تأمين طرق مواصلاته التجارية والعسكرية مع أطراف مملكته وشيد بعض القلاع والحصون.
ويعد خلفه "أشور ناصريال الثاني" رغم شهرته بالقسوة من أعظم ملوك الأشوريين؛ فقد وصلت فتوحاته إلى الجبال الشرقية والشمالية، وأدخل تحسينات كثيرة في الجيش والإدارة؛ حيث استخدم الخيالة على نطاق واسع، وقسم بلاده إلى ولايات يحكم كل منها أحد الولاة، وجدد بناء مدينة كالح "نمرود" وبنى فيها قصرًا فخمًا زينه بألواح كبيرة من الرخام نقشت عليها مناظر تمثله في حروبه وصيده وقدوم الأمراء الخاضعين له ومعهم الهدايا والجزية، ومن آثاره كذلك مسلة ضخمة عثر عليها في نمرود، وهي تحمل نقوشًا تبين أعماله خلال السنوات الخمس الأولى من حكمه.
ولم يكتفِ ولده وخليفته "شلمنصر الثالث" بالإمبراطورية الواسعة التي خلفها له والده؛ بل أضاف إليها مستعمرات جديدة وصلت إلى منابع دجلة والفرات، وقد قام بسلسلة من الحملات الحربية في سورية وفلسطين على أحلاف الآراميين واليهود1، كما قام بحملات في الأناضول وهضبة إيران الشمالية وهاجم بعض القبائل العربية.
وفي أواخر حكمه ثار عليه أحد أبنائه وأحدث بعض الاضطرابات التي أدت إلى فقدان هيبة الدولة في الداخل والخارج، ومع أن ولي عهده "شمشي أدد الخامس" تغلب على أخيه الثائر؛ إلا أن تلك الاضطرابات كانت سببًا في فقدان أشور لبعض مستعمراتها البعيدة. وفي تلك الأثناء ظلت بابل على ولائها لأشور وتحسنت العلاقات بينهما بزواج ملك أشور من أميرة بابلية تدعى "شمورامات" حظت بشهرة كبيرة حتى عرفها اليونان باسم "سميراميس"، وقد صارت وصية على ولدها "أدد نراري الثالث" الذي اعتلى العرش وهو صغير السن بعد وفاة والده.
وقد توالى على حكم أشور ملوك ضعاف، بعد ذلك حدث في عهد أحدهم "أشور دان الثالث" كسوف للشمس2 وتفشى في زمنه وباء الطاعون، واستمر تدهور الدولة حتى حدثت في العاصمة "نمرود" ثورة داخلية، تولى الملك على أثرها "تجلات بلاسر الثالث" الذي أعاد إلى المملكة مجدها، وبدأ عهد الإمبراطورية الثانية.
ب- الإمبراطورية الأشورية الثانية:
بعد أن توفي "أدد نراري الثالث" تتابع على العرش أولاده الأربعة
1 انظر أعلاه ص281.
2 بالحساب الفلكي أمكن اتخاذ هذه الظاهرة أساسًا لضبط التاريخ الأشوري، انظر ص28.
الذين كان أصغرهم "تجلات بلاسر الثالث"، وقد جاء هذا على العرش بعد مقتل أخيه "ثالث أبناء أدد نراري" في الثورة الداخلية التي نشبت في نمرود، وقد أثبت هذا أنه كان جديرًا بالحكم؛ إذ عرف مواطن الضعف في الدولة وعمل على علاجها ثم أخذ يعد العدة لإعادة مجد أشور، واستطاع أن يبلغ بإمبراطوريته إلى حدود لم تصلها من قبل؛ حيث أخضع الدولة البابلية وضمها إلى إمبراطوريته وأعلن نفسه ملكًا عليها، كذلك تمكن هذا الملك من اجتياح معظم المدن السورية وحاصر دمشق إلى أن أسقطها وقتل ملكها1، كما تمكن أيضًا من أن يؤمن حدوده الشمالية ضد غزوات بعض القبائل الأرمينية، وهكذا قضى "تجلات بلاسر الثالث" معظم حكمه في الحروب ولكنه ترك إمبراطورية واسعة.
وفي عهد ولده "شلمنصر الخامس" قام ملك إسرائيل "هوشع" بتحريض من المصريين بمحاولة التخلص من السيطرة الأشورية؛ فأسرع شلمنصر وحاصر السامرة لمدة ثلاثة أعوام؛ ولكنها لم تسقط إلا في يد خلفه "سرجون الثاني"؛ لأنه اضطر إلى العودة إلى أشور لحدوث بعض المؤامرات فيها، وقد انتهت هذه بقتله بعد حكم دام أقل من خمس سنوات. وفي بداية عهد خليفته "سرجون الثاني" قامت الثورات في أنحاء كثيرة من الإمبراطورية رغبة في الانفصال عن سيطرتها؛ فاضطر أن يقوم بحملات متتالية تمكن على أثرها من أن يعيد الوحدة إليها وأسرعت بعض المناطق المجاورة لاكتساب عطفه بالهدايا مثل قبرص، ولما شعر بأن مصر تبذل جهدها في إقامة بعض الأحلاف مع أمراء سورية وفلسطين؛ لكي تحمي نفسها من غزوات أشور المتوقعة، قضى على تلك المحاولات؛ حيث أخضع معظم الإمارات السورية والفينيقية وفتح السامرة وسبى أحسن رجالها ونقلهم إلى ميديا2.
1 انظر أعلاه ص381.
2 انظر أعلاه ص221، 289.
ولما مات سرجون تبعه ولده سناحريب الذي واجه في بداية حكمه خطرين، أحدهما من بابل التي كانت تحاول الاستقلال ثانية، والثاني من ولايات سورية وفلسطين، وكان ملك بابل وملك مصر يمنيان ولايات سورية وفلسطين بالمساعدة، وكانت بابل بوجه خاصتحرصعلى تشجيع هذه الولايات حتى تشغله عنها، وقد فطن سناحريب لذلك فتوجه إليها ودَكَّ حصونها وخربها وعين ابنه "أسرحدون" واليًا على جنوب العراق، ثم قضى على دويلات أهل البحر في أقصى الجنوب؛ لكثرة ثوراتهم مستعينًا في ذلك بسفن صنعها له صناع مهرة من الفينيقيين واليونانيين، وحينما علم بحدوث تحالف بين أمراء سورية وفلسطين بمساعدة مصر توجه إلى منطقة الخطر بجيش كبير وغزا المدن الساحلية في فلسطين ثم حاصر بيت المقدس وأخضعها، ولكن وباءً خطيرًا انتشر بين قواته؛ فاضطر إلى العودة إلى بلاده بفلول جيشه1، وخاصة بعد وصول الأنباء بحدوث اضطرابات فيها، ومات بأيدي أبنائه الذين طمعوا في العرش.
وبعد مقتل سناحريب تنافس أبناؤه على العرش، ثم فاز به ولده "أسرحدون" الذي استطاع أن يقضي على الفتنة سريعًا، ثم وجه همه للانتقام من مصر لتدخلها في شئون مستعمراته في سورية وفلسطين، وقد استعد ملكها النوبي طهرقة لملاقاته كما أرسل بعض الإمدادات إلى حلفائه في سورية وفلسطين؛ فلما زحف الملك الأشوري نحو مصر استطاع أن يصل إلى شرق الدلتا؛ ولكن المصريين استماتوا في الدفاع حتى تمكنوا من هزيمة الأشوريين وردوهم عن بلادهم؛ ففقدت الجيوش الأشورية هيبتها واضطر الملك إلى الاستعداد لإعادة الكرة حرصًا على سمعة الإمبراطورية. أما طهرقة فقد اطمأن إلى أن الأشوريين لن يعودوا إلى مصر ولم يستعد لملاقاتهم؛ إلا أن الملك الأشوري عاد سريعًا وظهر فجأة في سورية، وعاقب ملك صور على انضمامه لمصر، ثم أسرع مخترقًا الصحراء،
1 انظر ص221.
ولم يكن طهرقة متأهبًا للقائه فوصل الجيش الأشوري إلى الوجه البحري واضطر طهرقة إلى التحصن بمنف؛ ولكن الأشوريين أسرعوا وراءه وهزموا الجيش المصري وفتحوا منف؛ ففر طهرقة إلى طيبة في الجنوب واستعمر الأشوريون الدلتا، ثم عاد أسرحدون إلى بلاده حيث أصيب بمرض مات على أثره.
وحدث اختلاف على العرش من جديد، وانتهى هذا الاختلاف بتعيين أشور بانيبال ملكًا؛ بينما عين أخاه الأكبر ملكًا على بابل، ولم يكد أشور بانيبال يجلس على العرش حتى وصلت أنباء ثورة المصريين ضد أشور؛ وذلك لأن بعض الأمراء اتفقوا مع طهرقة على أن يعود هذا الأخير إلى الدلتا ويقتسم السلطة معهم1، فجرد أشور بانيبال حملة كبيرة سارت إلى مصر، ولم تكتفِ هذه الحملة باحتلال الدلتا؛ بل سارت إلى طيبة وخربتها وعاد طهرقة إلى عاصمته في النوبة العليا "نباتا" وبقي بها إلى أن مات، ومع ذلك لم يبقَ الأشوريون بمصر طويلًا بل عادوا إلى بلادهم واكتفوا بأخذ الجزية؛ فلما تولى عرش نباتا "تانويت أماني" عاد إلى احتلال مصر من جديد، ولم يجد أشور بانيبال بدًّا من أن يرسل جيشًا إلى مصر؛ فاضطر تانويت أماني إلى الفرار إلى عاصمته نباتا، وخرب الجيش الأشوري طيبة للمرة الثانية. وقد استمر التعاون بين أشور بانيبال وأخيه ملك بابل نحو عشرين عامًا؛ ولكن هذا الأخ ثار بعد ذلك فجرد أشور بانيبال حملة تأديبية ضده تمكنت من القضاء عليه وفتحت بابل عنوة، وبعدئذٍ تقدم الأشوريون جنوبًا وأخضعوا القبائل العربية والآرامية التي ساعدت بابل في ثورتها، وهاجموا العيلاميين وفتحوا عاصمتهم سوسة كذلك.
وبعد وفاة أشور بانيبال حدثت منازعات حول العرش، وتمكن بعدها ولده "أشور - إتل - إيلاني" من الفوز به؛ ولكنه كان ضعيفًا فانفصلت عن المملكة
1 انظر أعلاه ص223.