الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلا نحو عامين ثم اندلعت نيران الثورة في البلاد، وانتهت بذلك الدولة القديمة.
ولم يكن النوبيون وحدهم هم الذين يشعرون بما ينتاب مصر من ضعف؛ بل إن بعض العناصر الآسيوية المجاورة كانت هي الأخرى تشعر بالحالة الداخلية في مصر، ومن المرجح أنها كانت ترقبها دائمًا وتتحين الفرص للإغارة على الدلتا أو على الأقل تحاول الهبوط إلى أراضي الوادي الغنية للاستقرار فيها.
عصر الاضمحلال الأول
مدخل
…
2-
عصر الاضمحلال الأول:
ما إن دبت عوامل الضعف في كيان الدولة المصرية في عهد الأسرة السادسة حتى أخذت بعض العناصر الآسيوية المجاورة تنشر نفوذها في بعض أجزاء الدلتا، وما أن وافى عصر هيراكليوبوليس "الأسرتان التاسعة والعاشرة"؛ إلا وأصبحت الدلتا خارج نطاق النفوذ المصري وخاضعة للآسيويين.
وقد سبق أن أشرنا إلى الثورة التي نشبت في عهد الأسرة السادسة، فما أن انتهت هذه الأسرة حتى عمت الفوضى، وبدأ العصر الذي يعرف باسم "عصر الاضمحلال الأول" أو "عهد الفوضى الأول"؛ وذلك لما أصاب مصر أثناء ذلك العهد من فوضى واضطراب؛ حيث يبدو ذلك واضحًا في نصوص بعض البرديات التي تصف ذلك العصر، ومن هذه بردية ترجع إلى بداية هذه الفترة عرفت لدى الأثريين باسم "تحذيرات حكيم1" وهي على لسان شخص يدعى "إيبوور" وفيها يصف ما آلت إليه حالة البلاد من قلب في الأوضاع الاجتماعية؛ ومما ورد فيها: إن أغنيات العازفين تحولت إلى أناشيد حزن، وقتل الرجل أخاه، وسلب اللصوص المارة، وصار الفقراء يروحون ويغدون في القصور دون
1 Sir A. Gardiner، "The Admonitions of an Egyptian sage""Leipzig 1909".
استحياء أو خجل بعد أن ذبحوا الموظفين. وهكذا تشرد الأغنياء، وساد الفقراء، وأصبح الناس في ذعر، ولم يعد هناك راعٍ مسئول
…
إلخ" وتشير بردية أخرى -من عهد الأسرة العاشرة وتعرف باسم قصة الفلاح الفصيح1- إلى ظلم صغار الموظفين للناس؛ ولكنها من جهة أخرى تدل على تطور اجتماعي كبير؛ إذ نجد فيها أن الفلاح في شكواه لرئيس الديوان يحذره من عدم العدالة مذكرًا إياه بأنه سيحاسب على ذلك في آخرته، ولم يعثر في وثائق الدولة القديمة على ما يدل على أن أحدًا من العامة كان يجرؤ على مخاطبة نبيل أو عظيم بمثل هذا الأسلوب والوعي، ولا بد أن ذلك قد نتج عن الثورة التي حدثت في أعقاب الأسرة السادسة.
ولا شك أن أثر هذه الثورة كان عميقًا من الناحية الفكرية؛ فقد حفل الأدب بموضوعات شتى تبدو فيها النزعة الفلسفية من جهة وروح القلق التي سادت في أعقابها من جهة أخرى، ونتبين من هذه الموضوعات أن المجتمع نفسه لم يكن غافلًا عما كان يسوده من مساوئ؛ بل كان هناك شعور عام بها، ومن المرجح أن أهل هذا العصر أو عقلاءهم على الأقل كانوا يحاولون التخلص من تلك المساوئ ويعملون على إصلاح ما فسد من الأمور؛ إذ تصور لنا إحدى البرديات2 حوارًا شيقًا دار بين شخص كان يرغب في الانتحار وبين روحه التي كانت تحاول إقناعه بالتخلي عن هذه الفكرة؛ بينما يرد عليها بما يفيد أنه ضاق بحياته وبرم بها، ويمكن أن نستشف من هذا الحوار صورة ما أحاط
1 Vogelsang، Kommentar zu den klagen des Bauern، "Leipzig 1913".
2 Berliner Papyrus der Mittleren Reiches 1879.،
Erman "Die Literatur des Aegypter""Leipzig 1923"،
pp. 122 ff; J E A 42، pp 21 ff
هذا الشخص من ظروف فاسدة جعلته لا يقبل على الحياة بالرضا والتفاؤل، كذلك نجد في مقبرة أحد ملوك الأسرة الثانية عشرة منظرًا1 لحفل يغني فيه ضارب العود للمدعوين أغنية تحض على الاستمتاع بالحياة قدر الإمكان، ولا بد أن هذه الأغنية ترجع إلى عصر سبق للأسرة الحادية عشرة أي أنها من صميم الفترة التي نحن بصددها وخاصة لأنها تشترك مع البردية التي تصور حوار الشخص "الذي سئم الحياة" مع روحه في التعريض بما وراء الموت، كما أنهما يثيران الشك فيما سيلقاه الموتى من مصير.
ولم يقتصر التطور الفكري على الناحية الأدبية؛ وإنما نلاحظ أثر ذلك في المعتقدات الدينية أيضًا؛ فقد كان الملك المتوفى يمثل الإله أوزير الذي جعلت منه الأساطير حاكمًا على عالم الموتى، وكانت النصوص الدينية والتعاويذ التي تيسر للمتوفى مصاحبة إله الشمس في رحلته في العالم السفلي وتهيئ له حياة خالدة مع الآلهة في العالم الآخر قاصرة على الملوك وحدهم وقد أخذوا يدونونها في أهرامهم ابتداء من نهاية الأسرة الخامسة، ولكن هذا الحق انتقل بعد ذلك إلى النبلاء والأشراف، ثم أصبح كل ميت في عهد الدولة الوسطى يوحد مع الإله أوزير وأصبحت التعاويذ الدينية تنقش على توابيت الأفراد وعرفت هذه باسم نصوص التوابيت، ولا بد أن هذا التطور قد حدث نتيجة للثورة الاجتماعية؛ حيث أخذت الفوارق الاجتماعية بين الطبقات تخف حدتها، وكل طائفة كانت تحاول الحصول على المزيد من الحقوق التي اكتسبتها؛ ولذلك لا يدهشنا أن نجد مقابر أفراد الطبقة الوسطى بل ومقابر الفقراء أيضًا تفوق مثيلاتها في عهد الدولة القديمة من حيث الفخامة والتجهيز؛ إذ إنها حوت من الأشياء الثمينة وخاصة من المصنوعات الذهبية نسبة أعلى بكثير مما كان مألوفًا قبل ذلك، أي: إن توزيع الثروة أصبح يختلف عن ذي قبل، ولم تعد الحياة كلها تتركز حول البيت المالك كما كان الشأن قديمًا.
1 Pap. Harris 500، Erman، op. cit.، pp. 177 f.
ومن نصوص الأسرة العاشرة تطالعنا نصائح الملك "خيتي" لولده "مري كارع"1، بما يشعرنا بأن الظلم والمحاباة كانا متفشيين وأن المجتمع كان سقيمًا فاسدًا، وتذكر بردية تعرف ببردية "نفرتي"2 أن الملك سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة طلب إلى أحد الكهنة أن يخبره عما سيحدث في المستقبل؛ فعرفه بسوء حالة ما تصير إليه مصر وأن الذي سينقذها من هذه الحالة بعدئذٍ ملك يأتي من الجنوب أمه نوبية وهو يدعى "إميني"، ولكن من المرجح أن هذه البردية كتبت في أوائل عهد الأسرة الثانية عشرة وأنها كانت من قبيل الدعاية السياسية؛ إذ إن اختصار اسم "أمنمحات الأول" مؤسس هذه الأسرة هو "إميني".
ولا شك في أن أمراء الأقاليم أخذوا في زيادة نفوذهم منذ عهد الأسرة الخامسة، وقد أحس ملوك الأسرة السادسة بهذا الخطر وحاول بعضهم العمل على تلافيه ولكن دون جدوى، وقد تغالى حكام الأقاليم في إظهار سلطانهم ونزعتهم الانفصالية عن البيت المالك حتى أصبح حاكم كل إقليم يؤرخ الحوادث بالنسبة لتاريخ توليه زمام السلطة في إقليمه أو مقاطعته، ويبدو أن البيت المالك نفسه أصبح عاجزًا إزاء هؤلاء الحكام إلى درجة أنه لم يستطع عزلهم أو نقلهم، كما أن معظم هؤلاء كانوا يتولون حكم أقاليمهم عن طريق الوراثة؛ مما زاد من تمكنهم من السلطة، وفي أغلب الأحيان كان الملوك يعملون على مرضاتهم بإغداق الهبات عليهم، كما كانوا يضطرون إلى معاملة كبار الموظفين بالمثل حتى يضمنوا ولاءهم جميعًا، وقد أدى ذلك بالطبع إلى زيادة ضعف الملوك وأصبح
1 A. Volten، "Zwei altàgyptische politsche Schriften""analecta aegyptiaca IV""Copenhagen 1943".
2 Erman، op. cit.، pp. 151 ff.