الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: نشأة الحضارة وتطورها
مدخل
…
الفصل الثاني: نشأة الحضارة وتطورها:
أشرنا إلى أن أقدم السلالات البشرية ظهرت بقاياها في جهات متفرقة من العالم1، وكانت هذه الجهات لا تكاد تختلف في ظروفها الطبيعية أو المناخية بعضها عن البعض الآخر؛ ولذا لم تختلف المراحل الأولى لحياة الإنسان في أي جهة عنها في الجهات الأخرى، ثم أخذت الظروف الجغرافية في التغير كما اختلفت السلالات البشرية عن سابقاتها، وأخذت الجماعات البشرية تتفاعل وبيئاتها التي عاشت فيها وظلت تعمل من أجل بقائها ورفاهيتها، وتطورت أساليب حياتها ومظاهر حضارتها إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه في وقتنا هذا، وقد سبق أن أوضحنا ما درج عليه الباحثون من تقسيم تاريخ البشر2؛ حتى أصبح في الإمكان تتبع المراحل الحضارية والتاريخية التى مر بها الإنسان.
ولا شك في أن دراستنا للعصور قبل التاريخية "قبل ظهور الكتابة" تعتمد على دراسة الآثار التي خلفها الإنسان، وما توحي به من مظاهر حضارية، وعلى
1 انظر أعلاه صفحة 21.
2 انظر أعلاه صفحة 26.
ما يتضح فيها من تطور يدل على أن الانسان مر بأدوار حضارية مختلفة قبل دخوله في عصره التاريخي، ويعني هذا بالطبع أن دراسة العصر قبل التاريخي تعد دراسة حضارية في صميمها.
ومن اليسير أن نتصور أن الانسان بدأ حياته؛ إما هاربًا من وجه عدو من الإنسان والحيوان أو مطاردًا لفريسة منهما، وقد استمر كذلك فترة طويلة لم يتوصل فيها إلى شيء من الأسس الحضارية، وكان الكل سواءً في أنهم كرسوا حياتهم لجمع القوت الضروري لطعامهم وأخذوا ببعض قطع ملائمة من الأحجار أو فروع الأشجار يلتقطونها من الطبيعة ويستخدمونها كما هي دون تهذيب في أغراضهم المحدودة لجمع القوت والدفاع عن النفس والصيد. ويميل بعض الباحثين إلى جعل هذه المرحلة من حياة الإنسان مرحلة حضارية قائمة بذاتها، ويطلقون عليها اسم "فجر الدور الحجري" أو "العصر الأيوليثي"؛ ولكن غالبية العلماء لا يرون مبررًا لذلك بل يدمجون هذه المرحلة من حياة الإنسان في أولى مراحل العصر الحجري. ومن مخطط تقسيم البشر "ص26 أعلاه" يتبين لنا أن عصر استعمال الحجر ينقسم إلى دورين رئيسيين:"الدور الحجري القديم" و"الدور الحجري الحديث" وقد يكون بينهما "دور حجري متوسط"؛ ولكن كثيرًا ما لا يعثر على آثار لهذا الدور في جهات مختلفة من العالم. وينقسم "الدور الحجري القديم" بدوره إلى ثلاثة أقسام حسب الترتيب الطبيعي للطبقات التي عثر على آثاره المتباينة فيها، وهذه الأقسام هي: الدور الحجري القديم الأسفل، والدور الحجري القديم الأوسط، والدور الحجري القديم الأعلى.
وقد ظل الإنسان ينعم بمناخ ملائم تتشابه ظروفه في أنحاء العالم التي عاش فيها أثناء الدور الحجري القديم الأسفل؛ حيث يرجح أنه يتفق وفترة تراجع الجليد الثانية التي حدثت بين عصر تقدم الجليد الثاني "مندل Mindel" وعصر الجليد الثالث "رس Riss"؛ ولذا تشابهت الحضارات خلاله، وفي الدور الحجري القديم الأوسط انقسم العالم القديم إلى قسمين كبيرين: أوراسي وإفريقي
إذا أخذت الظروف المناخية تتغير لتقدم الجليد خلال عصر الجليد الثالث إلى العروض الوسطى؛ واختلفت تبعًا لذلك مظاهر الحضارة في كل منهما، واستمر الحال كذلك طول عصر الجليد الثالث وفترة الانحسار التي تلته وعصر الجليد الرابع "فرم Wurm". وازدادت الاختلافات المناخية بعد هذا العصر الأخير؛ حيث تراجع الجليد فكانت لكل إقليم ظروفه الخاصة وتباينت تبعًا لذلك الحضارات التي سادت خلال الدور الحجري القديم الأعلى. ثم أخذ الجفاف يتزايد في العروض الوسطى والمدارية؛ فاشتد تباين الظروف الطبيعية حتى تميزت البيئات المحلية بعضها عن بعض، وأصبحت لكل منها ظروفها الخاصة في العصور التالية؛ ولذا فإن ما يشاهد من مظاهر حضارية في بيئة ما لا يمكن العثور على نظائر لها في بيئات أخرى إلا إذا تشابهت الظروف أو عند انتقال هذه المظاهر من بيئاتها الأصلية إلى تلك البيئات، وعلى ذلك فمن المستحسن أن تدرس الحضارات البشرية ابتداءً من ذلك الدور في كل بيئة على حدة.
ولما كانت المراحل الأولى لحياة البشر لا تكاد تختلف في جهة من العالم عنها في الجهات الأخرى كما أشرنا1؛ فقد اشتركت أقدم الحضارات الإنسانية في مظاهرها الرئيسية في الجزء الأكبر من العصر الحجري القديم أي: إن العالم القديم سادته في أنحائه المعمورة مظاهر حضارية متشابهة خلال الدورين الحجري القديم الأسفل والحجري القديم الأوسط، ولم يبدأ الاختلاف الحضاري إلا في الدور الحجري القديم الأعلى تقريبًا.
ويمكن تلخيص المظاهر الحضارية التي سادت خلال الدورين: الحجري القديم الأسفل، والحجري القديم الأوسط على النحو التالي:
1 انظر أعلاه ص31.