الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشام والعراق المستشرق الفرنسي رينيه دوسو والمستشرقان الألمانيان تيودور نلدكه الذي كتب عن تاريخ أمراء الغساسنة، وروتشتاين الذي نشر بحثًا عن تاريخ اللخميين في الحيرة.
وبالرغم من كل ما سبق من دراسات وبحوث؛ فإن نتائجها أبعد من أن تعطي صورة تاريخية تامة شاملة لكل أجزاء شبه الجزيرة، وهي أبعد ما تكون أيضًا عن إعطاء سلسلة تاريخية لها متصلة الحلقات؛ إذ توجد فجوات كثيرة لم يمكن معرفتها حتى الآن، ولا بد من مضاعفة الجهود الأثرية في شتى أنحاء شبه الجزيرة حتى يمكن إكمال الصورة التاريخية لها، ومع كل فإننا سنحاول فيما يلي دراسة تاريخ أجزاء شبه الجزيرة حسب أرجح الآراء.
العصر التاريخى
مدخل
…
العصر التاريخي:
يكاد تاريخ بلاد العرب القديم المعروف قبل ظهور الإسكندر ينحصر في القسمين الجنوبي والشرقي، أما شمال بلاد العرب فلا يعرف عنه شيء قبل اليونان باستثناء بعض إشارات طفيفة وردت في نصوص الأشوريين.
أولًا: القسم الجنوبي:
بلاد اليمن:
من المرجح أن اسمها مشتق من كلمة "يمنات" الواردة في نصوص سبئية قديمة كاسم لهذه البلاد وربما يكنى بها عن اليمن والخير؛ لأن بلاد اليمن قديمًا كانت وفيرة الخيرات حتى عرفت باسم اليمن الخضراء لكثرة ما بها من أشجار ونباتات، ومما يؤيد ذلك أن اليونان قديمًا سموها بلاد العرب السعيدة "Arabia felix" على احتمال أنهم ترجموا كلمة "يمنت أو يمنات" بالبلاد السعيدة.
وقد عرفت اليمن قديمًا بتجارة العطور والبخور والمر والصمغ والكافور والورس "وهو نبات كان يستخدم في الصباغة" وكانت مصر تستهلك كميات كبيرة من اللبان اليمني والبخور في المعابد وفي تحنيط الموتى، ولم يكتف اليمنيون بالاتجار في حاصلات بلادهم بل عملوا كوسطاء للتجارة أيضًا بين الهند والعراق والشام ومصر، فكانت التوابل والسيوف الهندية والحرير الصيني والعاج والأبنوس والذهب من أثيوبيا تنقل بوساطة تجار اليمن إلى مصر والعراق.
وقد أشار كتاب اليونان والرومان إلى ثروات اليمن، ومن أمثلة هؤلاء هيرودوت وثيوفراست "تلميذ أرسطو" الذي وصف السبئيين بأنهم محاربون وزراع وتجار مهرة وديودور الصقلي وإسترابو وبلينوس
…
أما كتاب العرب الذين أشاروا إلى ثروة اليمن؛ فمن أشهرهم الهمذاني والألوسي والمقدسي ونظرًا لما حظيت به اليمن من الثروة فإنها كانت أكثر بلاد العرب تحضرًا وكانت كثيرة الحصون والقصور التي كانت تعرف بالمحافد، ومن أشهرها غمدان وناعط وصرواح وظفار وبراقش ومعين وعمران وغيرها، وينسب إلى هذه المحافد والقصور أصحاب فيقال: ذو غمدان، ذو صرواح، وهكذا، وإذا تجمع عدد من المحافد والقصور في مقاطعة كبيرة سميت مخلافًا، ويتولى شئون المخلاف أمير يقال له: قيل "والجمع: أقيال" وقد بلغ عدد هذه المخاليف 84 مخلافًا، كان من أهمها مخلاف صنعاء ومخلاف همدان ومخلاف خولان وغيرها.
ولا شك في أن عصور ما قبل الكتابة أو العصور قبل التاريخية لا يعرف عنها إلا القليل، وقد سبق أن أشرنا إليها "ص240".
أما عن العصر التاريخي في بلاد اليمن فإن أهم أحداثه يمكن أن تنحصر في تاريخ الدول التي قامت بها، وهذه الدول هي: الدولة المعينية والدولة السبئية والدولة الحميرية، وتاريخ هذه الأخيرة يخرج عن مجال العصر التاريخي
الذي يعالجه هذا الكتاب، وهناك دولتان أخريان لم يكن لهما إلا دور ضئيل في تاريخ العرب، وهما دولتا قتبان ودولة حضرموت.
أ- الدولة المعينية "1300-650 ق. م.."
تعد أقدم دولة معروفة في شبه جزيرة العرب وهي أقدم دولة كذلك ظهرت في بلاد اليمن، ومن الغريب أنها لم تذكر في المصادر العربية بل ذكرت بلدة معين، وكانت تقرن غالبًا ببلدة براقش؛ حيث أشير إليهما كمحفدين من محافد أو قصور اليمن القديمة وموقعهما في الجوف فيما بين نجران وحضرموت؛ بينما أشارت المصادر اليونانية والرومانية إلى المعينيين وذكرت عاصمتهم "معن" باسم "قرتاو". ومن المحتمل أن الكتابة عرفت في معين قبل قيام دولتها ببضعة قرون وقد ظلت حضارة المعينيين غير معروفة إلى أن تمكن هاليفي من الكشف عن آثار عاصمتهم معين ونسخ كثيرًا من نقوشهم ونشر نتائج كشفه سنة 1874، وقد زاد عدد النقوش المعينية التي نسخت بفضل جهود جلازر وجوسن، ومن دراسة هذه النقوش عرفنا الكثير عن هذه الدولة وملوكها وكان عدد هؤلاء 26 ملكًا موزعين على خمس أسرات، وإن كان بعض الباحثين يرى أن هؤلاء الملوك ينتمون إلى ثلاث طبقات؛ ولكن فيلبي يؤيد أنهم في خمس أسرات إلا أنه لم يذكر إلا 22 اسمًا من أسماء هؤلاء الملوك؛ كذلك أمكن عن طريق هذه النقوش أن نتعرف على بعض الألقاب الملكية مثل لقب "يطوع": المخلص، صدوق أي: العادل، وريام أي: المضيء، وكان الملوك يخاطبون بلقب "مزود" أي: مقدس أو "كبر" أي: العظيم أو الكبير. وقد ظهرت دولة المعينيين في المنطقة السهلة "أي: الجوف" بين نجران وحضرموت حيث كان المعينيون يشتغلون بالتجارة ويسيطرون على الطرق التجارية بين الشمال والجنوب، ثم ازداد نفوذهم السياسي حتى بلغ شمال الحجاز فدخلت معان وديدان "العلا" في نطاق نفوذهم كما تشير إلى ذلك النصوص المعينية والكشوف الأثرية التي عثر عليها
في هاتين المنطقتين1، ويبدو أنهم كانوا هم والسبئيون الذين ينتمون إلى نفس جنسهم يسيطرون خلال الألف الأول قبل الميلاد على الجزء الأعظم من التجارة العالمية في بلاد العرب، وامتد التنافس على السيادة فيما بينهم إلى الواحات التي كانت تمر بها طرق التجارة؛ فكانت بكل من تلك الواحات جالية من أبناء العرب الجنوبيين يتولى أمرهم مقيم من بلادهم ويشرف على ملوك ورؤساء الواحة ويراقبهم حتى لا يضروا بمصالح سيده السبئي أو المعيني حسب تبعيته؛ حيث كان الطريق التجاري العظيم الذي يوصل برًّا بين اليمن والشام ومصر يقع أحيانًا تحت سيطرة المعينيين وأحيانًا في أيدي السبئيين الذين عاصروهم في أواخر عهدهم، وفي كل واحة من الواحات التي يمر بها الطريق كان يقيم حكام من معين أو سبأ تؤيدهم حاميات عسكرية لحماية جالياتهم التجارية، وفي بعض الأحيان كانت توجد جاليات تجارية إفريقية أيضًا وأثناء توسع المعينيين في الواحات شمالًا احتكوا بأشور وفينيقيا ومصر، وكان حكام أشور يتفاوضون مع الحكام المعينيين في الواحات؛ على أنهم الملوك المعينيون الجنوبيون لا على أنهم الممثلون لهم، كما أن الوثائق السريانية والعبرية تشير إلى أن بلاد هؤلاء الملوك الجنوبيين تقع جنوب شرق البحر الميت، ويدل ذلك من جهة أخرى على أن المعينيين والأدوميين "سكان سعير" خضعوا لسلطان ملوك بلاد العرب الجنوبيين.
وأدى اشتغالهم بالتجارة إلى معرفتهم تدوين الحسابات التجارية، فاقتبسوا الأبجدية بالفينيقية واستخدموها في كتاباتهم وظل المعينيون يستخدمونها حتى بعد زوال مملكتهم؛ حيث عثر على كتابات معينية في الجيزة بمصر وفي جزيرة ديلوس باليونان ترجع تاريخها إلى القرن الثاني قبل الميلاد، كذلك عثر على كتابات لهم في أور والوركاء بالعراق.
1عبد العزيز سالم "تاريخ العرب قبل الإسلام""إسكندرية سنة 1973" ص38-39.
ومن المحتمل أن أول الملوك المعينيين كان "اليفع وقه" وقد عثر على اسمه مكتوبًا في النقوش المعينية في مدينة "نشان" وفي براقش "إيثيل" وقد خلفه في حكم اليمن ابنه "وقه إيل صدق" الذي ذكر اسمه مع اسم والده، كذلك ذكر مع "اليفع وقه" اسم ابن آخر له هو "أبو كرب يشع". ومن الملوك الذين وردت أسماؤهم في نقوش معينية الملك "أب يدع يشع" الذي قام بعض أشراف قرناو "معين" بترميم خنادقها وإصلاح أسوارها في عهده، وتشير النقوش التي من عهده أيضًا إلى حروب نشبت بين اليمن وبين إحدى الدويلات الشمالية، كما تشير كذلك إلى حروب حدثت بين عدن وموصر في وسط مصر وقد اختلفت الآراء بشأنهما؛ إنما يرجح أنهما كانا شعبين يعيشان بالقرب من سيناء.
ومن ملوك المعينيين أيضًا "وقة إيل روام" و"يشع إيل صدق" وقد بنى هذا الأخير حصن "يشبوم" وقد أشارت بعض النقوش إلى أن الحالة السياسية أصبحت سيئة في عهدي "يشع إيل ريم" وابنه "تبع كرب" وهما من الملوك المتأخرين، وربما أصبحت معين خاضعة لسبأ؛ حيث إن هذه النقوش تشير إلى اعتراف معين بسلطان آلهة وملوك وشعب سبأ.
ويبدو أن انتقال السيادة إلى سبأ قد أخذ في الظهور حينما عجزت معين عن حماية قوافلها التجارية وضعف حكامها المقيمون في المراكز التجارية التي تمر بها طرق القوافل عن مجابهة قطاع الطرق والقبائل المعادية التي كانت تعترض طرق القوافل، وربما عمت الفوضى بعد ذلك؛ حيث إننا نجد في النقوش المعينية ما يشير إلى وجود اثنين أو أكثر كل منهما يلقب بلقب ملك في وقت واحد، وتعددت الضرائب؛ فكان هناك ثلاثة أنواع منها على الأقل: نوع يجيء لخزانة الملك ونوع يجيء للمعابد ونوع ثالث يجيء للمشايخ والحكام المحليين. والجدير بالذكر أن ضرائب المعابد كانت نوعين أحدهما كان يدفع تقربًا للإلهة "أكرب" والثاني كان يفرض فرضًا على الأشخاص ويقال له العشر، ومع أن "معين" كان يحكمها ملوك؛ إلا أن كل مدينة كان لها مجلس يدير شئونها في السلم والحرب
ويعرف باسم "مسود".
ب- دولة قتبان: من القرن الحادي عشر ق. م - 25 ق. م."
كان القتبانيون يقطنون في الطرف الجنوبي من بلاد اليمن إلى جنوب سبأ ويتاخمون حضرموت، وكانت عاصمتهم تقع في وادي بيجان قرب باب المندب أي: كحلان الحالية، ولم تشر المصادر إلى أخبار ذات قيمة عن قتبان، وقد شهدت الدولة القتبانية نهاية الدولة المعينية وعاصرت دولة سبأ والدولة الحميرية، وقد اندمجت فيما بعد في الدولة الأخيرة.
ويرجع الفضل فيما عرفناه من أخبار هذه الدولة إلى النقوش الكثيرة التي جمعها "جلازر" ومع هذا فقد اختلف المؤرخون في تحديد بداية ونهاية هذه الدولة، ومع كل فإن البعض يحاول أن يقسم تاريخ قتبان إلى ثلاث مراحل مختلفة:
المرحلة الأولى: امتدت إلى حوالي منتصف القرن الرابع ق. م. وكانت أهم فتراتها هي تلك التي كانت بين القرنين السابع والخامس قبل الميلاد؛ حيث كان يحكم المكربون "أي: المقربون أو من جمعوا بين الكهانة والملك" وكان من أشهرهم "يدع أب ذبيان" الذي قام بمهاجمة سبأ والاستيلاء على بعض ممتلكاتها، وينسب إليه أنه هو الذي شيد المدخل الجنوبي لمدينة "تمنع" وإنشاء طريق يخترق الجبل وبعض الأعمال العمرانية الأخرى، ومن المرجح أن قبائل غير قتبان اشتركت في إنشاء طريق الجبل لما له من فائدة مشتركة، ومن بعض نقوش هذا الملك يتبين لنا أن مجالس المدن كانت تقترح مشروعات للقوانين؛ ولكن الملك وحده هو الذي كان يملك حق إصدارها.
والمرحلة الثانية: كانت تمتد من 350 إلى 250 ق. م. وأول ملوكها
"أب شيم" الذي تلاه ولده "شهر غيلان" وهذا الأخير ترك نقوشًا مختلفة تدل على إنشائه أحد الأبراج وبنائه لإحدى العمارات، كما تشير إلى أن رؤساء القبائل كانوا مسئولين عن جمع الضرائب التي تورد لخزينة الدولة في نهاية كل عام، وتذكر النصوص أيضًا ضرائب أخرى كانت تورد للمعابد، وقد انتصر "شهر غيلان" على حضرموت وخلد هذا الانتصار بتشييد معبد للإله "عشتر" في ذبحان "بيحان القصب الحالية" كما يشير إلى ذلك أحد النقوش. ومن ملوك هذه المرحلة أيضًا "شهر يجيل" الذي تغلب على دولة معين ثم خلفه أخوه "شهر هلال ينعم" الذي انتهت بوفاته الأسرة القتبانية الثانية، وانتهت أيضًا المرحلة الثانية من عهد الدولة القتبانية.
والمرحلة الثالثة: تمثل عصرًا تناوب فيه عدد من الملوك عرش البلاد، كان آخرهم "يدع أب غيلان" ثم تتولى قتبان أسرة ملكية أخرى وكانت ضعيفة، انهارت في عهدها دولتهم حتى آلت إلى الزوال.
وكانت المرحلة الثانية من تاريخ قتبان هي العصر الذهبي لها؛ حيث أخضعت فيه كلًّا من معين وسبأ وربما ترجع أسباب قوة قتبان إلى موقعها الجغرافي بجوار باب المندب وحضرموت، كما كانت تنتج أفضل أنواع الطيب والبخور وجنوا من الأشجار فيها أرباحا طائلة، وقد عثر على كثير من آثارها ومن بينها عملات هلينية ورومانية؛ مما يوحي بتأثر القتبانيين بالحضارتين الهلينية والرومانية.
جـ- دولة حضرموت "1020-300 ق. م."
تقع على شرق اليمن على ساحل بحر العرب، وتنسبها التوراة إلى حضرموت
ابن يقطن بن عامر بن شالخ1، ولم يكن الباحثون على علم بشيء من أخبار الدولة التي قامت في حضرموت؛ ولكن بعد أن عثر على عدد من النقوش فيها أمكن التعرف على بعض تاريخها، ومن ذلك نعلم أنه قامت في حضرموت دولة كانت تعاصر كلًّا من حمير وسبأ وقتبان، وأنها صارت تابعة للدولة الحميرية الثانية منذ حوالي 115 ق. م إذ كان ملوك حمير يلقبون أنفسهم بلقب "ملوك سبأ وريدان وحضرموت ويمنات". ومن المعتقد حسب ما ورد في النقوش أن أول ملوك حضرموت هو "شهرم علام بن صدق إيل" وكان حفيده "معدي كرب" الذي يرجح أن حضرموت اندمجت في مملكة معين في عهده أو بعد وفاته؛ إذ يعتقد أنه بينما كان "معدي كرب" يحكم في حضرموت كان أخوه يحكم في معين. ويبدو من بعض النقوش أن علاقات ودية أو تجارية كانت قائمة بين حضرموت وتدمر والأراميين في عهد ملك يدعى "العزيلط الثاني" كما تشير النقوش كذلك إلى أن ملكًا آخر يدعى "يدع ال بين" بن "رب شمص" أعاد بناء مدينة شبوة وأقام بها وبنى معبدها بالحجارة بعد ما حل بها من تخريب، ولا يعرف سبب هذا التخريب؛ ولكنه يعزى إلى نشوب قتال بين سبأ وبين حضرموت أو إلى حدوث ثورة داخلية ربما أدت إلى القضاء على الأسرة الحاكمة وحلول أسرة أخرى محلها، ومن المرجح أن حضرموت فقدت استقلالها واندمجت نهائيًّا في مملكة سبأ وريدان في عهد "شمريهرعش" الذي حمل لقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات". وكانت العاصمة القديمة لحضرموت هي "ميفعة" ثم انتقلت العاصمة بعد ذلك إلى "شبوة" التي يحتمل أنها أسست في القرن الثاني قبل الميلاد، وقد كشف فيلبي عن آثارها التي شملت أطلال كثير من المعابد والقصور وبقايا السدود التي أقيمت على وادي
1 سفر التكوين 10/26، أخبار الأيام 1/20.
شبوة لحصر مياه الأمطار وكانت الحاصلات تنقل إلى "قن" وهي ميناء حضرمية إلى الشرق من عدن، وهي على الأرجح حصن الغراب الحالي، ومنها تصدر حاصلات حضرموت برًّا وبحرًا.
د- دولة سبأ 800-115 ق. م:
ورد في نصوص تجلات بلاسر الثالث وسرجون الثاني الأشوريين وسنحريب الكلداني ما يشير إلى أنهم فرضوا الجزية على ملكي سبأ "يثعمر" و"كرب إيلو" اللذين يحتمل أنهما كانا من حكام سبأ المقيمين في الواحات التي على طريق التجارة إلى الشام، لا ملوكًا في سبأ نفسها، كذلك ورد اسم سبأ بضع مرات في التوراة، كما ورد ذكرها في القرآن الكريم. وقد اختلف الباحثون في أصل السبئيين ونسبهم؛ ولكن يغلب على الظن أنهم كانوا شعبًا بدويًّا يتنقل بين شمال وجنوب شبه الجزيرة العربية إلى أن استقر بهم المقام في اليمن حوالي 800 ق. م. وقد اضطرتهم الظروف إلى ذلك إذ يحتمل أن الأشوريين ازدادوا ضغطًا عليهم في الشمال، وفي نفس الوقت وجدوا الفرصة سانحة؛ لكي يستغلوا الضعف الذي منيت به الدولة المعينية، وأخذوا في التوسع جنوبًا على حساب المعينيين، وقوي نفوذهم تدريجيًا إلى أن قضوا على دولة معين وأقاموا دولتهم على أنقاضها، وورثوا لغتها وحضارتها، وحلوا محلهم في نقل التجارة بين الهند والعراق والحبشة ومصر والشام، وأصبحوا أعظم الوسطاء التجاريين بين هذه الأقطار، ويرى البعض من الباحثين أنهم تركوا مواطنهم التي أطلق عليها الأشوريون اسم عربي أو أريبي "ووردت في التوراة باسم بارب أو يعرب" وارتحلوا إلى جنوب شبه الجزيرة في القرن الثامن قبل الميلاد، واتخذوا صرواح ثم مأرب عاصمة لهم، وهذه الأخيرة يحتمل أنها سميت كذلك نسبة إلى موطنهم الأصلي "بارب".
واستطاعت دولة سبأ أن تزدهر وأن ينعم شعبها بالثراء لاشتغالهم بالزراعة والتجارة؛ حيث سيطروا على الطريق البري الذي يربط الجنوب بالشمال، وازداد نفوذها فأقامت حكامًا لها في الواحات الواقعة على هذا الطريق التجاري، تعاونهم حاميات عسكرية وكانت واحة ديدان "العلا" هي مركز نفوذها على شمال بلاد العرب.
ويمكن حسب ما ورد في النقوش السبئية، أن نقسم عصر الدولة السبئية إلى مرحلتين تاريخيتين متتاليتين: مرحلة المكارب 800-650 ق. م. أي: المقربون من الآلهة والناس أو الذين كانت لهم مكانة دينية إلى جانب حكمهم كملوك، وقد اتخذوا صرواح عاصمة لهم في أول الأمر ثم نقلوا العاصمة بعد ذلك إلى مأرب، ومرحلة ملوك سبأ وتمتد إلى 115 ق. م.
مكارب سبأ وتمتد إلى 115 ق. م.
أسس "سمة على" دولة سبأ ثم خلفه على العرش ابنه "يدع إيل ذريح""حوالي 780 ق. م." وقد شيد معبدًا للإله ألمقه في صرواح ومعبدًا آخر لنفس الإله في مأرب وقدم القرابين إلى الإله عشتر، ثم تبعه ولده "يثع أمر" الذي ينسب إليه بناء معبد في بلدة دابر الواقعة في الجوف بين مأرب ومعين؛ مما يوحي بأن السبئيين اصطدموا بالمعينيين في عهده، وقد قام ولده "يدع إيل بين" الذي خلفه في الحكم بتحصين أبراج مدينة نشق المعينية. ومنذ بداية القرن السابع قبل الميلاد اهتم مكارب سبأ بالإصلاحات الزراعية؛ فقد وزع "كرب إيل بين" الأراضي المحيطة بنشق على الفلاحين لاستصلاحها وزراعتها وسار ولده "دمر على ذريح" على نفس السياسة، أما ابن هذا الأخير "سنة على ينف" فقد شيد سدًّا على مدخل وادي "زنة" بمأرب يعرف باسم سد "رحب"
سنة 650 ق. م. فساعد على تنظيم ري المناطق المجاورة طوال العام؛ ولكنه لم يفِ بحاجة كل الأراضي الزراعية؛ مما جعل "يثعمر أمر بين" ولده وخليفته يزيد في حجم السد "طولًا وعرضًا وارتفاعًا"، كما شيد سدًّا أعظم منه يعرف باسم "سد حبايض"، وكان لهذين السدين بمأرب أعظم الأثر في زيادة الرقعة الزراعية وزيادة ثروة البلاد. وقد رمم سد "زنة" وأصلح في العصور التالية؛ ولكن اضطراب أحوال الدولة الحميرية فيما بعد وإهمالها له عجل بتصدعه ثم انهياره فتحولت الأراضي الزراعية إلى الجدب؛ وأدى ذلك إلى هجرة بعض القبائل إلى مشارف الشام والبحرين والعراق.
وآخر مكارب اليمن هو "كرب إيل وتر" الذي تخلى عن سياسة التعمير واتجه إلى التوسع العسكري؛ فهاجم الدولة المعينية وقضى عليها، كما انتصر على القتبانيين وسجل انتصاراته على جدران معبد صرواح، ولقب نفسه بلقب "ملك سبأ" فأصبح أول حكام سبأ الذين تلقبوا بهذا اللقب.
ملوك سبأ: اتسعت مملكة سبأ واشتد بأسها وأصبح لها أسطول تجاري ضخم ينتقل بين ثغورها والثغور الأجنبية، وقد أخذت تظهر فيها أسرات قوية وخاصة منذ سنة 500 ق. م. ومن بين هذه الأسرات أسرة همدانية تمكنت من اغتصاب العرش، وحدثت تغيرات سياسية وفكرية مهمة؛ فبدأت تظهر فيها أسماء آلهة جديدة لم يكن يسمع عنها من قبل ثم بدأت المتاعب تحيط بملوك سبأ منذ سنة 350 ق. م؛ إذ إن الهمدانيين وبعض أمراء القبائل الأخرى طمعوا في العرش أو الاستقلال بإماراتهم وحاولت المملكة أن تقضي على استقلال هذه الإمارات وأن تدمجها في المملكة؛ ولكن عَزَّ على هذه الإمارات أن تتنازل عن استقلالها وضعف مركز ملوك سبأ، وخاصة بعد أن أخذ البطالمة في مصر يحتكرون التجارة الشرقية، وقامت اضطرابات وثورات عنيفة أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية