الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أن جروتفند كان قد توصل إلى معرفة أسماء ثلاثة ملوك من قبل، وقد لاحظ أن النقشين يتشابهان في احتواء كل منهما على ثلاث مجموعات من العلامات، استنتج أنها لنفس هؤلاء الملوك ومنها توصل إلى معرفة عدد من الحروف، كذلك وجد أن هذه الأسماء وردت في الأسطر الأولى من النقش المدون بالفارسية القديمة، وتذكر سلسلة نسب أجزركسيس، كما وردت في فقرة من تاريخ هيرودوت؛ فساعد ذلك على التعرف على أسماء أكثر، وتوالى نجاحه بعد ذلك حتى تمكن من تفسير النقش بأكمله ونشره في سنة 6-1849.
ومن حل رموز هذه اللغة ومن تفسير مختلف النصوص التي عثر عليها أمكن التعرف على تاريخ إيران، والتوصل إلى أنه ينحصر في مرحلتين أساسيتين هما: مرحلة تاريخ عيلام، مرحلة تاريخ الإيرانيين "الميديين والفرس".
أولًا-
عيلام:
في بداية الألف الثالث قبل الميلاد لم يدخل من إيران في العصر التاريخي سوى منطقة عيلام وحدها، أما بقية المناطق فإن معلوماتنا عنها تأتي من مصادر بلاد النهرين التاريخية وعلى الأخص المصادر البابلية، وهذه لا تذكر شيئًا عن الجهات الداخلية البعيدة؛ وإنما تكتفي بالمناطق المتاخمة لها على الحدود؛ حيث كان سكانها يعيشون على التلال ويحتكون دائمًا بأهل بلاد النهرين السومريين والساميين، وسكان المناطق المرتفعة هؤلاء هم من الجنوب إلى الشمال: العيلاميون والكاشيون واللولوبي والجوتي، وكلهم ينتمون إلى جنس واحد ويتكلمون لغات متشابهة. وقد أدى الضغط المستمر الذي كانت تفرضه عليهم الممالك المتحضرة في السهول إلى اتحادهم أحيانًا وبصفة مؤقتة؛ إذ كان الكفاح مستمرًّا بين الأمم المتحضرة في السهول وبين البدو وأشباه البدو في المناطق الجبلية؛ فكلما تكونت أسرة قوية في بابل زاد الضغط على سكان المناطق الجبلية، وكلما ضعفت بابل انحدر
هؤلاء من الجبال إلى مناطق السهول الغنية يحتلونها لفترات مختلفة، وعلى ذلك ظلت الهضبة الإيرانية في معظمها على حالة من البداوة، ولم يدخل العصر التاريخي في أول الأمر إلا منطقة عيلام.
فحوالي الربع الأول من الألف الثالث قبل الميلاد كانت هناك أسرة عيلامية قائمة بالفعل تحكم مساحة كبيرة من السهول والمناطق الجبلية، من بينها جزء مهم من ساحل الخليج العربي ومنطقة بوشير، وتدل شواهد الأحوال؛ على أن المملكة القائمة وإن كانت قد اتخذت كتابة خاصة؛ إلا أنها استعملت اللغة السومرية.
وعندما اعتلى "سرجون" الأكدي عرش بلاده غزا عيلام التي كافحت من أجل الدفاع عن كيانها، ولكن سرجون انتصر عليها في موقعتين حاسمتين، ومن المحتمل أنه ضم سوسة نفسها إلى ممتلكاته، كذلك كان ولده "مانيشتوسو" موفقًا في حروبه ضد عيلام، واستطاعت جيوشه أن تعبر الخليج العربي لتأمين الطريق المؤدي إلى المرتفعات التي كان يجلب منها المواد اللازمة للبناء. وفي عهد خليفته "نارام سن" حدثت ثورة في أطراف مملكته ومن بينها عيلام؛ ولكن هذه الثورة أخضعت بشدة واستطاع أحد قواده أن يشيد بعض المباني المهمة في سوسة، وقد حلت اللغة الأكدية "السامية" محل العيلامية، وأوشكت الثقافة العيلامية أن تختفي لولا أنها ظلت قائمة في المناطق الجبلية الوعرة.
وقد انتهز حكام عيلام الوطنيون ومن بينهم "بوزور أنشوشناق" كل فرصة للنهوض بعيلام من جديد؛ حيث نجد أن نصوصًا كتبت باللغة العيلامية وما قبل العيلامية قد عادت للظهور جنبًا إلى جنب مع نصوص كتبت بالأكدية، وانتهز "بوزور أنشوشناق" فرصة التظاهر بالدفاع عن سيده "نارام سين"1 وتوسع
1 انظر أعلاه ص357- 358.
في مد سلطانه نحو الشمال حتى وصل إلى الاحتكاك بقبائل جوتي، وقد أثرى بلاده بالغنائم التي حصل عليها وشيد الكثير من المباني، ولما مات "نارام سين" أعلن استقلاله وهاجم بابل نفسها حتى وصل إلى أكد؛ ولكنه رد عنها بصعوبة، ومع ذلك فقد احتفظ باستقلاله عن بابل التي أخذت في الضعف تدريجيًّا، واتجهت إليها الأنظار وخاصة بعد نجاح "بوزور أنشوشناق" فغزتها قبائل اللولوبي والجوتي الواحدة بعد الأخرى؛ واللولوبي كانوا يعيشون في المنطقة التي تمتد من شرق بغداد الحالية إلى كرمانشاه وحمدان وطهران، أما الجوتي فكانوا يعيشون في المنطقة الممتدة بين وادي زاب الأدنى والحوض الأعلى لنهر ديالة، وقد تخلصت بابل بعد ذلك من سيادة الجوتيين بقيام أسرة جديدة في أور تمكنت فضلًا عن ذلك من إخضاع سوسة وما حولها تحت سلطانها؛ ولكن هذه المملكة الجديدة لم يقدر لها البقاء طويلًا، فبعد مرور نحو قرن من الزمان هاجمتها مملكة "سيماش""في الجبال الغربية من أصفهان" وهزمت ملكها وحملته أسيرًا إلى الجبال، وأصبحت "سيماش" صاحبة السلطان في سوسة وعيلام، ثم حدث رد فعل جديد حيث تكونت أسرة أيسين التي طردت "سيماش" واستولت على عيلام.
وهكذا نجد أن دور إيران في تاريخ غربي آسيا قد زادت أهميته في أثناء الألف الثالث قبل الميلاد، وكان ملوك بلاد النهرين يهدفون في حروبهم ضدها إلى غرضين: سياسي يتلخص في ضمان عدم قيام دولة قوية على حدودهم حتى لا تهدد كيانهم السياسي، واقتصادي يقصد من ورائه تحويل موارد الثروة من إيران إلى بابل.
ولا يعرف شيء عن الأحوال السياسية في المناطق الداخلية من إيران ولا مدى توغل العيلاميين واللولوبيين والجوتيين في المناطق التي تقع إلى الشرق من تلك التي أشرنا إليها؛ ففي سيالك توجد فجوة أثرية تمثل فترة استمرت ما يقرب من ألفي عام لا نعرف ماذا حدث خلالها؛ ولكن في جيان يبدو
أن المجتمع الذي عاش فيها ظل يتبع نفس أساليب الحياة دون تغيير يذكر؛ فالفخار الملون الذي يحاكي فخار سوسة ظل مستعملًا، وقد وجدت في المقابر حلي كثيرة من البرونز والفضة، وفي حسار حل الفخار الرمادي المسود محل الفخار الملون كما حدث في غرب الهضبة، وازداد استخدام المعادن وخاصة في صنع الأشياء الصغيرة، ومن المحتمل أن البرونز كان يقدر لقلته نسبيًّا أكثر من الفضة، وبذلك دخلت إيران الداخلية في عصر البرونز.
وأهم ما حدث في الألف الثاني قبل الميلاد هو ظهور العناصر الهندو أوروبية في غربي آسيا "وكان من أثرها دخول الهكسوس إلى مصر على الأرجح" ويبدو أن هؤلاء جاءوا من المناطق الرعوية في آسيا وتشعبوا إلى شعبتين: غربية دارت حول البحر الأسود "بعد أن عبرت البلقان والبوسفور"، ووصلت إلى آسيا الصغرى؛ حيث كونت المملكة الحيثية، شرقية عرفت باسم الهندو إيرانيين وقد دارت حول بحر قزوين وخرجت منها بضعة فروع، اتجه أحدها عبر القوقاز إلى أعالي الفرات؛ حيث اختلط بالحوريين أهل البلاد السابقين وكونوا مملكة ميتاني1، واتجه فرع آخر وسط جبال زاجروس إلى المنطقة الواقعة في جنوب طريق القوافل؛ حيث استقر فيها كأقلية نشيطة "اشتهرت منطقتها فيما بعد بتربية الخيول" عرفت باسم الكاشيين الذين يحتمل أنهم هم الذين تسببوا في القضاء على مدينة حسار أثناء اندفاعهم غربًا للاستقرار في تلك المنطقة، وذلك في حوالي منتصف الألف الثانية قبل الميلاد.
ومن المعروف أن أحد أمراء عيلام استطاع أن يغزو بابل في بداية الألف الثانية قبل الميلاد مكونًا بعد ذلك بوقت قصير أسرة لارسا التي استطاعت أن تقضي على أسرة أيسين، وبذلك أصبحت سيدة على بابل وأورك، ولكن حينما تولى
1 انظر أعلاه ص292-293.
حامورابي عرش بابل سرعان ما أوقف تقدم العيلاميين بل وتمكن بعد 31 عامًا من أن يهزم ملكهم "ريم سن". وبعد عدة محاولات فاشلة من جانب ملوك عيلام حاولوا فيها الاحتفاظ بسلطانهم على لارسا اختفت عيلام لمدة قرن من الزمان، ثم أعيد بناؤها بضع عشرات من السنين، واختفت بعد ذلك على إثر غزوات الكاشيين.
وأول ما يطالعنا من النصوص عن الكاشيين في بابل هو ما يذكره خليفة حامورابي من أنه صد هجومًا لجيش من الكاشيين؛ ولكن مع ذلك يبدو أنهم تمكنوا في النهاية من التسلل إلى بابل كمهاجرين مسالمين لمدة قرن ونصف تقريبًا، ثم استطاعوا أن يستأثروا فيها بالسلطة في حوالي القرن 18 ق. م. وتعد سيطرتهم في بلاد النهرين أطول سيادة أجنبية فرضت فيها1، ومع ذلك لم يدخلوا عناصر حضارية جديدة تستحق الذكر، وتدل شواهد الأحوال على أنهم كانوا على صلات بمصر في عهد العمارنة. ويظهر أن مملكة أشور استطاعت أن تنهض وعقدت بينها وبينهم معاهدة على إثر حملة قام بها ملك أشور "أددنيراري الأول"، وقد اتفق فيها على الحدود، ثم عادت النهضة من جديد في عيلام؛ إلا أن الكاشيين ظلوا قابضين على ناصية الأمور في بابل؛ ولكنهم أصبحوا غاية في الضعف حيث إنهم وحلفاءهم الأشوريين هزموا أمام عيلام التي استطاعت أن تقضي أولًا على سلطان الكاشيين في بابل وخلعت ملكهم عن العرش ووضعت ابنه مكانه، وبعدئذٍ تقدمت جيوشها إلى الشمال واخترقت حوض ديالة ووصلت إلى منطقة كركوك ثم تقدمت نحو أشور كما حاصرت مدينة بابل، وبذلك أصبح كل حوض الفرات ومعظم ساحل الخليج العربي وسلاسل جبال زاجروس في يد علام.
وما أن حلت نهاية الألف الثاني قبل الميلاد إلا وتكونت أسرة قوية جديدة في بابل، استطاع ملكها "نبوخذ نصر" أن يحطم قوة عيلام واستولى على سوسة
1 انظر أعلاه ص369.