الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَإِنْ عُدْتُمْ} إلى الفساد. {عُدْنا} إلى العقوبة، وقد عادوا بتكذيب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فسلّط عليهم بقتل قريظة، ونفي بني النضير، وفرض الجزية عليهم. {حَصِيراً} محبسا وسجنا، لا يقدرون على الخروج منها أبدا، وقيل: بساطا، كما يبسط الحصير.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى إنعامه على بني إسرائيل بإنزال التوراة عليهم، لتكون لهم هدى يهتدون بها، ذكر أنهم ما اتبعوا هداها، بل أفسدوا في الأرض بقتل الأنبياء وسفك الدّماء، فسلّط الله عليهم البابليين بقيادة بختنصّر، فقتلوهم ونهبوا أموالهم، وخربوا بيت المقدس، وسبوا أولادهم ونساءهم، وذلك أول الفسادين وعقابه.
ثم لما تابوا، أعاد الله لهم الدولة والغلبة، وأمدّهم بالأموال والبنين، ثم عادوا إلى فسادهم وعصيانهم، فقتلوا زكريا ويحيى عليهما السلام، فسلّط الله عليهم الفرس، فقتلوهم، وسلبوهم، وخربوا بيت المقدس مرة أخرى، ثم وعدهم الله بالنصر إن أطاعوا، وبالعقاب بنار جهنم إن عصوا وأفسدوا.
التفسير والبيان:
هذه الآيات بيان لتأريخ بني إسرائيل وإخبار عما يرتكبون من وقائع وأحداث دامغة، ومفاسد عظيمة، والمعنى: وأعلمنا بني إسرائيل وأخبرناهم وأوحينا إليهم وحيا مقضيّا مقطوعا بحصوله فيما أنزلناه في التوراة على موسى أنهم سيفسدون في الأرض: أرض الشام وبيت المقدس أو أرض مصر، أو في كلّ أرض يحلّون فيها مرتين، ويعصون الله، ويخالفون شرع ربّهم في التوراة مخالفتين لا مخالفة واحدة، وهما:
الأولى-مخالفة التوراة وتغييرها، وقتل بعض الأنبياء، مثل شعيا عليه السلام، وحبس إرميا حين أنذرهم سخط الله تعالى.
والثانية-قتل زكريا ويحيى ومحاولة قتل عيسى عليهم السلام.
ثم إنهم يتجبّرون ويطغون ويفجرون ويستعلون على الناس بغير الحق استعلاء عظيما، ويظلمونهم ظلما شديدا، فقوله تعالى:{عُلُوًّا كَبِيراً} أراد به التّكبر والبغي والطغيان.
{فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما.} . أي فإذا حان موعد أولى المرتين من الإفساد، وجاء وعد الفساق ووقت العقاب الموعود به على المرة الأولى، سلّطنا عليكم جندا من خلقنا أولي بأس شديد، أي قوة وشدّة وأصحاب عدّة في الحروب وعدد، وهم أهل بابل بقيادة بختنصّر، حين كذبوا إرمياء وجرحوه وحبسوه، كما قال ابن عباس وغيره. وقال قتادة: أرسل عليهم جالوت فقتلهم، فهو وقومه أولو بأس شديد. وقال مجاهد: هم جند من فارس، والظاهر الرأي الأول، والمهم العبرة والعظة من تسلّط فئة على فئة باغية، ولا يهم بيان الأشخاص والجماعات.
{فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ.} .، أي أوغلوا في البلاد وتملكوها، وتردّدوا فيها وفي أوساطها ذهابا وإيابا، لا يخافون أحدا، يقتلون ويسلبون وينهبون، ويقتلون العلماء والكبراء، وكان من آثارهم إحراق التوراة، وتخريب بيت المقدس، وسبي عدد كثير من بني إسرائيل، وكان ذلك وعدا منجزا نافذا، وقضاء كائنا لا خلف فيه، أو قضاء حتما جزما لا يقبل النقض والنسخ؛ لأنهم تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء.
وكان هذا الدّرس القاسي البليغ محقّقا الثّمرة والغاية، فاتّعظ بنو إسرائيل مما حدث، وثابوا لرشدهم، وعدلوا عن غيّهم وضلالهم، وتمسّكوا بمبادئ كتابهم ودينهم، فكان ذلك مؤذنا بنصر جديد كما قال تعالى:
{ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ.} . أي ثم أعدنا لكم الدولة والغلبة عليهم،
ورددنا لكم القوة، وأهلكنا أعداءكم، وجعلناكم أكثر نفيرا، أي عددا من الرجال، وأمددناكم بالأموال والأولاد والسّلاح بفضل طاعة الله والاستقامة على أمره:
{وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ} [آل عمران 140/ 3] ولذا قال تعالى:
{إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ.} . أي إن أحسنتم العمل، فأطعتم الله واتّبعتم أوامره واجتنبتم نواهيه، أو إن أحسنتم بفعل الطاعات، فقد أحسنتم إلى أنفسكم؛ لأنكم بالطاعة تنفعونها، فيفتح الله عليكم أبواب الخيرات والبركات، ويدفع عنكم أذى أهل السوء في الدّنيا، ويثيبكم في الآخرة، وإن أسأتم بفعل المحرّمات أسأتم إلى أنفسكم؛ لأنكم بالمعصية تضرّونها، فبشؤم تلك المعاصي يعاقبكم الله بالعقوبات المختلفة، من تسليط الأعداء في الدّنيا، وإيقاع العذاب المهين في الآخرة. وقوله تعالى:{فَلَها} أي فعليها، كما قال تعالى:{مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها} [فصلت 46/ 41].
وهذه سنّة الله في خلقه، إن عصوا سلّط الله عليهم القتل والنّهب والسّبي، وإن تابوا أزال عنهم تلك المحنة، وأعاد لهم الدولة، {جَزاءً وِفاقاً} [النبأ 78\ 26]، {وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت 41\ 46].
{فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ..} . أي فإذا حان موعد المرة الأخيرة، وجاء وقت العقاب على الكرة الثانية من الإفساد والإقدام على قتل زكريا ويحيى عليهما السلام، أرسلنا أعداءكم ليسوؤا وجوهكم، أي ليظهروا المساءة في وجوهكم بالإهانة والقهر، وليدخلوا المسجد، أي بيت المقدس قاهرين، كما دخلوه في أول مرة للتخريب والتدمير وإحراق التوراة، {وَلِيُتَبِّرُوا} ، أي يدمّروا ويخرّبوا، {ما عَلَوْا} ، أي ظهروا عليه، {تَتْبِيراً} ، أي تخريبا وهلاكا شديدا، فلا يبقون شيئا من آثار الحضارة والعمران، ويبيدون الأرض ومن عليها، ويهلكون الحرث والزرع والثمر، وقد سلّط الله عليهم في هذه المرة
الفرس، فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف المسمى بيردوس أو خردوس، كما ذكر البيضاوي.
والخلاصة: إن بختنصّر هو الذي أغار على بني إسرائيل أولا فخرّب بيت المقدس، وكان ذلك في زمن إرميا عليه السلام، وهذا موافق لتأريخ اليهود، أما في المرة الثانية فإن المغير هو بيردوس ملك بابل، كما ذكر البيضاوي، وهو أسبيانوس، قيصر الروم كما ذكر اليهود في تاريخهم، وكان بين الإغارتين نحو من خمس مائة سنة.
ثم فتح الله تعالى باب الأمل أمامهم مرة أخرى، فقال:{عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ} أي لعل ربّكم أن يرحمكم يا بني إسرائيل، ويعفو عنكم بعد انتقامه منكم في المرة الثانية من تسليط الأعداء عليكم، إن تبتم وأقلعتم عن المعاصي، فيصرفهم عنكم، وقد وفى الله بوعده، فأعزّهم بعد الذّلة، وأعاد لهم الملك، وجعل منهم الأنبياء.
ثم أنذرهم الله بقوله: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا} ، أي وإن عدتم إلى الإفساد والمعاصي في المرة الثالثة، عدنا إلى إذلالكم، وتسليط الأعداء عليكم وعقوبتكم بأشدّ مما مضى في الدّنيا، مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنّكال، ولهذا قال تعالى:
{وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً} ، أي مستقرّا وسجنا لا محيد عنه، كما قال ابن عباس، وقال الحسن البصري: فراشا ومهادا وبساطا، كما قال تعالى:
{لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ} [الأعراف 41/ 7] ولأن العرب تسمّي البساط الصغير حصيرا.
والخلاصة: إن لبني إسرائيل بسبب عصيانهم ذلّ الدّنيا وعذاب جهنّم في الآخرة. وهذا عبرة لكلّ مخالف أوامر الله تعالى.