الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمعاصي ولم يتفكر في عاقبتها. {أَكِنَّةً} أغطية، جمع كنان، وهو تعليل لإعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم. {أَنْ يَفْقَهُوهُ} أن يفهموه، أي كراهة أن يفقهوه، أو من أن يفهموا القرآن، أي فلا يفهمونه. وتذكير الضمير وإفراده مراعاة للمعنى. {وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً} أي ثقلا في السمع، يمنعهم أن يستمعوه حق استماعه، أو فلا يسمعونه. {فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً} أي بالجعل المذكور صار ميئوسا من اهتدائهم؛ لأنهم لا يفقهون ولا يسمعون، ولشدة تصميمهم، و {إِذاً}:
جزاء وجواب للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سبب وجود الاهتداء سببا في انتفائه، و {أَبَداً} مدة التكليف كلها.
{لَوْ يُؤاخِذُهُمْ} في الدنيا. {لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ} فيها. {مَوْعِدٌ} هو يوم القيامة.
{مَوْئِلاً} ملجأ ومنجى. {وَتِلْكَ الْقُرى} أي أهلها وهي قرى عاد وثمود وقوم لوط ونحوهم.
{لَمّا ظَلَمُوا} كفروا كقريش بالتكذيب والمراء وأنواع المعاصي. {لِمَهْلِكِهِمْ} هلاكهم، ومن قرأ بضم الميم وفتح اللام فمعناه لإهلاكهم. {مَوْعِداً} وقتا معلوما، لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، فليعتبروا بهم، ولا يغتروا بتأخير العذاب عنهم.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى الجواب على شبهات الكفار المبطلين الذين افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم وأتباعهم، أردف ذلك ببيان كثرة الأمثال في القرآن لمن تدبر فيها، ومع تلك الأمثلة الواقعية والإجابات الشافية، هؤلاء الكفار لا يتركون المجادلة الباطلة؛ لأن الإنسان أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدال، ثم هددهم تعالى على عدم الإيمان متسائلا: هل هناك مانع يمنعهم من الإيمان إلا نزول عذاب الاستئصال، أو مجيئه عيانا؟ وأبان أن مهمة الرسل هي الجدال في الدين من طريق تبشير المؤمنين بالجنان وإنذار العصاة بالنار، وأوضح أن أشد الناس ظلما هو المعرض عن هداية القرآن، ولله الفضل العظيم في تأخير العقاب عن الناس، وتخصيصه بموعد، لا يتجاوزه، لعلهم يثوبون إلى رشدهم.
التفسير والبيان:
{وَلَقَدْ صَرَّفْنا.} . أي ولقد بينا للناس في هذا القرآن، ووضحنا لهم كل
ما يحتاجون إليه من أمور دينهم ودنياهم، كي يعرفوا طريق الحق والهدى، ولا يضلوا عنه. وتصريف الأمثال يقتضي التكرار لمختلف وجوه البيان.
{وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} أي ومع هذا البيان الشافي والتوضيح الكافي، فإن الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة والمعارضة للحق بالباطل، إلا من هدى الله وبصره لطريق النجاة.
وهذا دليل على كثرة الجدال في الإنسان وحبه له، لسعة حيلته، وقوة ذكائه، واختلاف نزعاته وأهوائه.
وبالرغم من بيان القرآن، وكثرة ما يشاهده الكفار من الآيات والدلالات الواضحات، فإنهم قوم متمردون منذ القديم، فقال تعالى:{وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا.} . أي وما منع المشركين من أهل مكة من الإيمان بالله، حين شاهدوا البينات والأدلة الواضحة على وجود الله وتوحيده، واستغفار ربهم والتوبة إليه من ذنوبهم إلا طلبهم أحد أمرين:
إما أن تأتيهم سنة الأولين القدماء من إحاطة العذاب بهم وإبادتهم وهو عذاب الاستئصال، كما قال جماعة لنبيهم:{اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ، إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ} [العنكبوت 29/ 29] وقالت قريش: {اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال 32/ 8].
وإما أن يروا العذاب عيانا مواجهة ومقابلة.
والمعنى أنهم لا يقدمون على الإيمان إلا عند نزول عذاب الاستئصال فيهلكوا، أو أن يتواصل أنواع العذاب والبلاء حال بقائهم في الحياة الدنيا
(1)
.
(1)
تفسير الرازي: 141/ 21
وقال في الكشاف: وما منع الناس الإيمان والاستغفار إلا انتظار أن تأتيهم سنة الأولين وهي الإهلاك، أو انتظار أن يأتيهم عذاب الآخرة قبلا أي عيانا
(1)
.
ومجيء العذاب بيد الله لا من قبل الرسول، لذا قال تعالى:
{وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} أي إن مهمة الرسل إما تبشير من آمن بهم بالثواب على الطاعة، وإما إنذار من كذبهم وخالفهم بالعقاب على المعصية لكي يؤمنوا طوعا.
ومع هذه الأحوال يوجد الجدال بالباطل من الكفار لدحض الحق، فقال تعالى مخبرا عنهم:
{وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} أي ويجادل الكفار جدالا بالباطل لا بالحق، ليضعفوا بجدالهم الحق، الذي جاءتهم به الرسل، وليس ذلك بحاصل لهم، فهم يقترحون الآيات بعد ظهور المعجزات، ويقولون للرسل:{ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً} [المؤمنون 24/ 23].
{وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً} أي اتخذوا آيات الله وهي القرآن والحجج والبراهين وخوارق العادات التي بعث بها الرسل، وما أنذروهم وخوفوهم به من العذاب هزوا أي استهزاء وسخرية، وهو أشد التكذيب، وكل ذلك يدل على استيلاء الجهل والقسوة.
وبعد أن حكى الله تعالى عن الكفار جدالهم بالباطل، وصفهم بعده بالصفات الموجبة للخزي والخذلان، فقال:
(1)
الكشاف: 263/ 2