الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وروى النسائي والطبراني والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا: «خذوا جنتكم، قيل: يا رسول الله، من أي عدو قد حضر، قال: بل جنّتكم من النار: قول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدّمات معقّبات ومجنّبات، وهن الباقيات الصالحات» .
التفسير والبيان:
اضرب مثلا آخر يا محمد للناس من مشركي مكة وغيرهم الذين افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، مثلا يبين حقارة الدنيا وقلة بقائها، وزوالها وفناءها، فهي بعد الخضرة والنضارة والبهجة تصبح بمراد الله عابسة قاتمة لا جمال فيها ولا روعة، إنها في نضرتها ثم صيرورتها إلى الزوال تشبه حال نبات أخضر فيه زهر ونضرة وحبّ، نبت وتكوّن بماء السماء، ثم بعد هذا كله أصبح هشيما، أي يابسا، تذروه الرياح، أي تفرقه وتنثره ذات اليمين وذات الشمال.
{وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً} أي والله قادر على الإنشاء والإفناء، وعلى كل الأحوال، حال الخضرة والنضرة، وحال اليبس والهلاك والفناء، فلا ينبغي للعاقل أن يغتر بإقبال الدنيا أو يفخر بها أو يتكبر بسببها.
وكثيرا ما يشبّه الله الحياة الدنيا بهذا المثل، كما قال تعالى في سورة يونس:
{إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ} [24] وفي سورة الحديد: {اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ} [20].
{الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا} أي إن الأموال والبنين هي من زينة الحياة الدنيا، وليست من زينة الآخرة الدائمة، فهي سريعة الفناء والانقراض، فلا ينبغي للعاقل الاغترار بها والتفاخر بها. والمقصود إدخال هذا الجزء تحت ذلك الكل في المثل السابق الذي أبان سرعة انقضاء الدنيا وإشرافها على الزوال والفناء. والسبب في ذكر المال والبنين فقط؛ لأن في المال جمالا ونفعا، وفي البنين قوة ودفعا، فصارا زينة الحياة الدنيا.
وتقديم المال على البنين مع كونهم أعز منه؛ لأنه أهم وأخطر، وأكثر تحقيقا للحاجة والرغبة والهوى، فقد يكون البنون دون المال، ويكون البؤس والشقاء.
ونظير الآية: {زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ، وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.} . الآية [آل عمران 14/ 3].
قال الإمام علي كرم الله وجهه: المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد جمعهما الله لأقوام.
{وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} أي إن أعمال الخير وأفعال الطاعات، كالصلوات والصدقات، والجهاد في سبيل الله، ومساعدة الفقراء، والأذكار أفضل ثوابا، وأعظم قربة عند الله، وأبقى أثرا؛ إذ ثوابها عائد على صاحبها، وخير أملا حيث ينال صاحبها في الآخرة كل ما كان يؤمله في الدنيا.
وقال ابن عباس: {الْباقِياتُ الصّالِحاتُ} : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وكذلك قال عثمان بن عفان: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.