الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكل من الفريقين يرزقهم ربهم في الدنيا؛ لأن عطاءه ليس ممنوعا عن أحد، ولكنهم متفاضلون في الرزق، ومراتب التفاوت في الآخرة أكثر من مراتب تفاوت الدنيا.
التفسير والبيان:
هذه الآيات تصنيف عام لأحوال الناس في الدنيا، فهم فريقان: فريق يعمل للدنيا، وفريق يعمل للآخرة. أما الفريق الأول فهو:{مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ..} . أي من كان طلبه الدنيا العاجلة، وكانت الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه، فخصها بكل جهده وعمله، ونسي الآخرة، عجل الله فيها تحقيق أمله حسبما يشاء ويريد، من سعة الرزق وترف الحياة، فليس كل من طلب الدنيا ونعمها يحصل له مراده، بل إنما يحصل لمن أراد الله وما يشاء، فالعطاء الدنيوي مقيد بالإرادة والمشيئة الإلهية، والقيد يشمل أمرين: ما يشاؤه الله لا ما يحبه العبد، ولمن يشاء الله، لا لكل من أراد الدنيا، فهؤلاء الماديون لا يعطون كل ما يريدون، وإنما يعطون بعض أمانيهم، والكثير من الماديين لا يعطون شيئا أبدا، فيجمعون بين فقر الدنيا وفقر الآخرة، وبين الحرمان من الدنيا والدين.
ولكل من هؤلاء الماديين، سواء أعطوا مرادهم أم لا جهنم يصلونها أي يقاسون حرها بصفة دائمة، مذمومين من الله والملائكة والناس أجمعين على قلة الشكر وسوء العمل والتصرف، مطرودين من رحمة الله تعالى.
فهذا العقاب ذو أوصاف ثلاثة في الآية: الدوام والخلود، والإذلال والإهانة، والطرد من رحمة الله. وهذا تهديد للماديين الكفرة وزجر شديد، فإنهم يحصرون همهم في الدنيا، وربما لم ينلهم شيء منها.
روى أحمد عن عائشة مرفوعا: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له» .
وأما الفريق الثاني وهم المؤمنون الأتقياء فهم الذين أخبر الله تعالى عنهم:
{وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها..} . أي ومن طلب الآخرة، وكانت هي همّه ومقصده، فعمل لها ما استطاع من القرب والطاعات، وهو مؤمن مصدق بالله وبكتبه ورسله واليوم الآخر، فأولئك أهل الكمال المشكورون على طاعاتهم، المثابون على أعمالهم من قبل الله تعالى.
فلا يثاب هؤلاء ولا ينالون هذا الجزاء الحسن إلا بشروط ثلاثة:
الأول-إرادة ثواب الآخرة وما فيها من النعيم والسرور، جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عمر:«إنما الأعمال بالنيات» .
الثاني-أن يكون العمل من القرب والطاعات ومتابعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لا من الأعمال الباطلة، فإن الكفار يتقربون إلى الله تعالى بعبادة الأوثان، والكواكب والملائكة وبعض البشر من الأنبياء، فقوله:{وَسَعى لَها سَعْيَها} أي أعطاها حقها من السعي بالأعمال الصالحة.
الثالث-أن يكون العمل في دائرة الإيمان والتصديق بالثواب والجزاء، فلا ينفع العمل بغير الإيمان الصحيح. وهذه هي الشرائط الثلاثة في كون السعي مشكورا.
قال بعض السلف: من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله: إيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب، وتلا هذه الآية.
هؤلاء المؤمنون الصلحاء الذين اختاروا غنى الآخرة لا يبالون بشيء بعدها، فإن أوتوا حظا من الدنيا شكروا ربهم، وإن حرموا منه صبروا، ورضوا؛ لأن ما عند الله خير وأبقى.
ثم أبان الله تعالى أن الرزق في الدنيا مضمون مكفول لكلا الفريقين، فقال:
{كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ..} . أي إنه تعالى يمد الفريقين:
مريدي الدنيا ومريدي الآخرة بالأموال والأرزاق والأولاد وغيرها من مظاهر العز والزينة في الدنيا، فإن عطاءه لا يمنع عن أحد، مؤمنا كان أو كافرا؛ لأن الكل مخلوقون في دار العمل، فاقتضى عدل الله ورحمته ألا يترك لأحد مجالا للعذر، وأبان أن عطاءه ليس بمحظور، أي غير ممنوع، لتوفير متطلبات الحياة ومقوماتها.
ثم أوضح الله تعالى أن عطاءه لكلا الفريقين متفاوت فقال:
{اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ.} . أي انظر بعين الاعتبار كيف جعلنا الفريقين متفاوتين في عطاء الدنيا، وكيف فضلنا بعضهم على بعض في الرزق ومتاع الدنيا، فمنحناه مؤمنا، وحجبناه عن مؤمن آخر، وأعطيناه كافرا، ومنعناه عن كافر آخر، وذلك لحكمة بالغة نحن أعلم بها، كما قال:{نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا} [الزخرف 32/ 43] وفي آية أخرى: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ} [الأنعام 165/ 6] وقال سبحانه أيضا:
{وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى 27/ 42].
{وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ..} . أي والتفاوت في الآخرة أكبر وأعظم، والتفاضل في درجات منافع الآخرة أكبر من التفاضل في درجات منافع الدنيا، فالدرجات أكبر، والتفاضل أعظم؛ لأن الآخرة ثواب وأعواض وتفضل وكلها متفاوتة، فأهل النار في دركات سفلى متفاوتة، وأهل الجنة في درجات عليا متفاضلة، فإن الجنّة مائة درجة، ما بين كل درجتين، كما بين السماء والأرض،
جاء في الصحيحين: «إن أهل الدرجات العلا ليرون أهل عليين، كما ترون